الدرس في كتاب الجهاد 6، ألقاها
يعرف الأمان لغة واصطلاحا، ويبين مشروعيته وأدلة ذلك من القرآن الكريم، ويشرح شروط صحة عقد الأمان. الأمان يصح من المسلم الذكر والأنثى، الحر والعبد.
الأمان يكون عامًا من الإمام أو خاصًا من أحد المسلمين، ويقع بكل ما يدل عليه من قول أو إشارة مفهمة، ويلزم الوفاء بعقد الأمان وعدم الخيانة أو الغدر.
يتناول المقطع أحكام الجزية وآراء الفقهاء فيمن تُؤخذ من الكفار، حيث يختلفون في شمولها لغير أهل الكتاب، مع استدلال كل طرف بالأدلة الشرعية.
قول الإمام مالك رحمه الله هو الأقرب في أخذ الجزية من جميع الكفار، حيث أن أخذها من المجوس يدل على جواز أخذها من غيرهم، وقد رجح الإمام ابن القيم هذا القول.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال مؤلف: قول الله. المسألة الثالثة: عقد الأمان. قال: تعريفه: الأمان لغة ضد الخوف، فالآمن الذي ذهب عنه الخوف، والخائف الذي ذهب عنه الأمان. فالأمان ضد الخوف، الذي لم يزل عنه الخوف يسمى آمن. قال: وإصلاحًا هو عبارة عن تأمين الكافر على ماله ودمه مدة محدودة. يعني تؤمن الكافر من أن يعتدى عليه في دمه أو في ماله، حيث إنه لا يعتدى عليه أحد، تقول: أنت في أماني، أو أنت في جواري، مدة محدودة على حسب المصلحة. قال: مشروعيته وأدلة ذلك. قال: الأصل في مشروعية عقد الأمان قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَهِ ثُمَ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾. أحد من المشركين استجارك، يعني طلب منك الجوار، مشرك كافر ليس له عهد ولا ذمة، فيأتي يطلب منك الجوار أن تؤمنه حتى لا يعتدى عليه أحد، فيقول مثلًا: أريد أن أستمع إلى دينكم أو إلى قرآنكم مثلًا، فتؤمنني وأكون في جوارك، فيجوز أن تجيره وتؤمنه، هذا الأصل. وإن كان لغير سماع كلام الله، فيجوز مثلًا لعمل، تقول: أنا سأدخل في بلاد الإسلام لعمل من الأعمال، أريدك أن تجيرني وأن تؤمنني حتى أنتهي من عملي، يجوز. وإن أحد من المشركين استجارك فأجره، إذا طلب منك الجوار فأجره وأمنه حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه. وكان هذا التأمين والجوار معمولًا به حتى في الجاهلية، عندما تقع حروب بين قبيلتين، ربما يأتي الشاص أو أحد الرجلين إلى قبيلة أخرى فيطلب الجوار ويقول: أمنوني، فيؤمنوه لأجل أن لا يعتدى عليه العدو الآخر، فإذا علموا أنه في جوار فلان أو القبيلة الفلانية ما تعرضوا له وتركوه. والإسلام أجاز تأمين الكافر للمصلحة، ومن ذلك أن يسمع الإسلام ويقرأ عن الإسلام وينظر إلى أخلاق المسلمين، وعلى يكون ذلك سببًا في إسلامه. أجاز تأمين الكافر للمصلحة. قال: ثالثًا: ممن يصح وشروطه. قال: يصح عقد الأمان من كل أحد من المسلمين، بشرط أن يكون عاقلًا بالغًا، فلا يصح من المجنون والطفل. يعني ما يصح أن يكون الذي يؤمن الكافر مجنونًا، ما عنده عقل، هذا ما يصح أمانه، وهكذا الطفل الذي هو غير بالغ، لا يصح أمانه لأنه لا يعرف ما يضر وما ينفع، المصلحة المرجوة من الأمان. قال: مختارًا، فلا يصح من المكره ولا السكران ولا المغمى عليه. لا يصح أن يُعقد الأمان من مكره، يعني عندنا مسلم عاقل بالغ جاء إليه كافر وهدده بالسلاح: إما أن تؤمنني وإلا قتلتك، قال: أنت بأماني، في جواري، هذا الجوار الآن وقع كرهًا، لم يقع اختيارًا، فإذا كان كرهًا فهنا لا يصح، لا يصح تأمين هذا الكافر، فيجوز له قتله لأنه ليس بمستأمن، وتأمينه هذا حصل على جهة الإكراه، فلا ينعقد. قال: ولا السكران، يأتي سكران فيعقد أمان مع الكافر، لأن السكران لا يدري ماذا يقول وما يفعل. قال: ولا المغمى عليه، لزوال العقل. فيصح من المرأة، يصح عقد الأمان من المرأة أن تؤمن الكافر، لقوله صلى الله عليه وسلم: «قد أجرنا من أجرت يا أمهات» والحديث في مسلم. وهذا كان في فتح مكة، لما فتحت مكة وأراد علي رضي الله عنه قتل أحد المشركين فأجرته أمهات، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تخبره بأن عليًا رضي الله عنه أراد قتله وقد أمنته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد أجرنا من أجرت يا أمهات» يعني قبلنا تأمينك وجوارك لهذا الكافر. وهذا يدل على صحة أمان المرأة، إذا أمنت المرأة كافرًا فيصح تأمينها، فلا يشترط في التأمين الذكورية أن يكون المؤمن ذكرًا، بل يجوز أن يكون ذكرًا وأن تكون أنثى. قال: ويصح من العبد، لا يشترط الحرية، فلو كان بالغًا عاقلًا مختارًا عبدًا يصح أمانه، لقوله عليه الصلاة والسلام: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم» والحديث في الصحيحين. ومعنى يسعى بها أدناهم: يعني أدنى المسلمين إذا أمن كافرًا جرى هذا التأمين على سائر المسلمين، واجب عليهم أن يؤمنوا من أمنه هذا المسلم، ولو كان عبدًا مملوكًا، فلا يجوز الاعتداء على من أمنا. قال: ويكون الأمان عامًا من الإمام لجميع المشركين، أو من الأمير لأهل بلده، وخاصًا من أحد الرعية المسلمين لواحد من الأعداء. قال: والأمان العام من تصرفات إمام المسلمين، لأن ولايته عامة، وليس لأحد أن يفعل ذلك إلا بموافقته. يعني التأمين العام، التأمين العام لجميع المشركين هذا لولي الأمر، يقول: نحن مثلًا جعلنا وعقدنا عقد أمان مع الدولة الفلانية، فمن جاء من هذه الدولة فلا يجوز الاعتداء عليه، هذا عقد أمان عام، هذا يكون لولي الأمر لأن ولايته عامة على جميع الرعية. قال: ويقع الأمان بكل ما يدل عليه من قول، مثل: أنت آمن، أو أجرتك، أو لا بأس عليك، أو إشارة مفهمة. مثلًا يقول: أنت آمن، هذه أصرحها، يقول المسلم للكافر: أنت آمن، يقول: أمني، يقول: أنت آمن، حصل له الأمان، أو أنت في جواري، أو أجرتك، فيحصل له الأمان، أو لا بأس عليك. قال: أجرني أمني، فيقول: لا بأس عليك، يحصل له الأمان لأنها تؤدي المقصود، ولو بإشارة مفهمة، قال له: أمني، حرك رأسه، خلاص أنت في أماني، بمعنى أنك في أماني، فله الأمان. قال: والمستأمن هو الذي يطلب الأمان ليسمع كلام الله. المستأمن الذي يطلب الأمان ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإسلام، فتلزم إجابته للآية السابقة، ثم يرد إلى مأمنه. والأمان العام فيه معنى العهد، لأن الفرق بين العهد والأمان: الأمان يكون لأفراد، وأما العهد فيكون بين دولة ودولة، بين دولة مسلمة ودولة كافرة، يكون بين هذه الدولة المسلمة وهذه الدولة الكافرة عهد بترك القتال واعتداء بعضهم على بعض، هذا يسمى عهد. قال: رابعًا: حكم الأمان وما يلزم به. قال: يلزم الوفاء بعقد الأمان. والمسلمون من أحرص الناس على الوفاء بالعهد والعقود، والمفون بعهدهم إذا عاهدوا، يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود. فإذا عقد عقد الأمان بين المسلم والكافر لزم الوفاء بعقد الأمان، فلا يجوز للمسلم أن يخون هذا الكافر، يؤمنه ثم يغدر به فيقتله، هذا لا يجوز. قال: فيحرم قتل المستأمن أو أسره واسترقاقه. يعني يقول له: أنت آمن، ثم إذا صار في قبضته قتله أو جعله أسيرًا واسترقه، جعله عبدًا مملوكًا، هذا لا يجوز. الإسلام يأمر بالوفاء بالعهد وعدم الخيانة والغدر حتى مع الكافر، حتى مع الكافر، الخيانة والغدر يعني خلق ذميم، وصاحبه ممقوت، ولو كان مع الكافر، فهو مأمور بالصدق والأمانة والوفاء بالعهود ولو مع الكفار. قال: وكذا الالتزام بسائر الأمور المتفق عليها في عقد الأمان. يعني يجب أن يؤدي ما التزم به بينه وبين هذا الكافر من عقد الأمان، على حسب ما يتفق عليه. فإذا أراد يعني أن يقتله يرده إلى مأمنه، يرده إلى مأمنه، ثم بعد ذلك ينتهي الأمان، فلا حكم آخر. وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه، يعني إلى المكان الذي هو مأمنه، وبه ينقطع عقد الأمان. أما أن تغدر به وأنت قد أمنته، فهذا من الخيانة التي ينهى عنها الإسلام. قال: ويجوز نبذ الأمان إلى الأعداء إن خيف شرهم وخيانتهم. يجوز نبذ الأمان إلى الأعداء إذا أمن الكافر ثم خيف منه الشر والخيانة أو الغدر أو شيء من ذلك، نبذ هذا الأمان، يقول: أمان الذي بيني وبينك منتهي، لقول الله جل وعلا: ﴿وَإِمَا تَخَافَنَ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. رد الصلح الذي بينك وبينهم وأخبرهم بأنه منتهي، وحينئذ لك أن تعاملهم بما ترى من المصلحة، من قتالهم أو غير ذلك. هذا ما يتعلق بعقد الأمان. مرة معنا كلام على الجزية، هل ذكرنا مسألة من الذي تأخذ منهم الجزية والخلاف فيها؟ أو ما ذكرنا ذلك؟ ذكرنا الخلاف في مسألة من الذي تأخذ منه الجزية من الكفار، هل هو يعني مختص باليهود والنصارى أو يشمل غيرهم من الكفار؟ ما ذكرنا هذه المسألة. طيب هذه مسألة فيها خلاف بين أهل العلم، هل الجزية مختصة باليهود والنصارى فقط؟ أم أنها تأخذ من غيرهم من الكفار؟ فمن أهل العلم من يقول: إن الجزية تأخذ من اليهود والنصارى ومن المجوس فقط، وأما غيرهم من الكفار فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف. واستدلوا بالآية: ﴿قَاتِلُوا الَذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِمُونَ مَا حَرَمَ اللَهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِ مِنْ الَذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. أوتوا الكتاب اليهود والنصارى، فدلت الآية أن الجزية تأخذ من اليهود والنصارى. وأما المجوس فقد ثبت في البخاري من حديث عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر. أخذ الجزية من مجوس هجر، وهجر الأحساء وما حولها. قالوا: فالآية نصت على أخذ الجزية من اليهود والنصارى، والحديث دل على أخذ الجزية من المجوس، وغيرهم من الكفار فلا تأخذ منهم الجزية. وهذا قول الإمام الشافعي وأحمد. وذهب الإمام مالك إلى أن تأخذ من كل كافر، أن الجزية تأخذ من كل كافر، اليهود والنصراني والمجوس والوثني وغيرهم من الكفار. واستدل بحديث بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث يعني جيشًا أمر عليهم أميرًا، نصح هو ومن معه بتقوى الله، إلى قوله: فإن لقيت عدوك من المشركين، قال: فادعهم إلى ثلاث خصال، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ومنها: فإن دفعوا الجزية فاقبل منهم وكف عنهم. وهذا عام لكل عدو يلقى هذا القائد المسلم، فيشمل اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم. وهذا القول أظهر، حديث بريدة عام، عدوك من المشركين، يشمل اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم. ولنا أبو حنيفة رحمه الله فرق بين العرب وبين العجم، قال: تأخذ الجزية من جميع العجم، ولا تأخذ من العرب إلا من أهل الكتاب. وهذا التفريق لا دليل عليه. فقول الإمام مالك رحمه الله أقرب، ورجحه الإمام ابن القيم رحمه الله، كما في كتابه أحكام أهل الذمة، لقوة دلالة الحديث على أخذ الجزية من جميع الكفار، وذلك أنه سلم أخذها من المجوس، والمجوس ليسوا بأهل كتاب، ما الفرق بينهم وبين غيرهم من الكفار؟ فهذا يدل على جواز أخذها من غيرهم من الكفار. وبهذا نكون انتهينا من قراءة ما يتعلق بكتاب الجهاد، وبعده إن شاء الله نبدأ في كتاب البيوع. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.