كتاب المعاملات 37

الدرس في كتاب المعاملات 37، ألقاها

أحكام الجوار والطرقات

يتناول هذا الفصل أحكام الجوار في الإسلام، وحقوق الجار وواجباته، كما يتطرق إلى أحكام الطرقات ومضايقة المارة، مشيراً إلى ضرورة المحافظة على الطرقات من كل ما يضر المارة.

مشروعية الوديعة وأدلتها

يتناول هذا الفصل تعريف الوديعة وأدلة مشروعيتها من القرآن والسنة، واستحباب قبول الوديعة لمن كان أمينا وقادرا على حفظها، مشيراً إلى وجوب أداء الأمانات.

التحذير من ضياع الأمانة وأحكامها

يناقش هذا الفصل مسألة أخذ الأمانة من شخص غير أمين خشية ضياعها، ويشير إلى أن الأعمال بالنيات، وأن الإحسان لا يعاقب صاحبه، ويختتم بالثناء على الله والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد: فقبل أن ندخل في المسألة الثالثة من مسائل الشفعة، ها هنا تنبيه، وهو أننا لم نقرأ في الدرس الماضي الأمر أو الحكم السادس، وهو أنه لا بد أن يكون العقار المنتقل بالبيع قابلًا للقسمة، فلا شفعة فيما لا يخسم، كحمام صغير، وبئر، وطريق. أي أن الشفعة تكون في الأشياء القابلة للقسمة، أما الأشياء التي لا تقبل القسمة، فكما ذكر أنه لا بد أن يكون العقار المنتقل بالبيع قابلًا للقسمة، فأما الذي لا يخسم فلا شفعة فيه، كما ذكر كحمام صغير، وبئر، وطريق، ونحو ذلك. المسألة الثالثة في أحكام الجوار، الجار له حق على جاره، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالجار حتى كاد أن يورثهم، وذلك لحق الجار على جاره في الإسلام. فمن احتاج إلى جاره، كأن يحتاج إلى إجراء الماء في أرضه أو ممر في ملكه أو نحو ذلك، فعلى جاره أن يحقق له حاجته، سواء كانت بعوض أو بغير عوض. أي هذه من الأمور التي هي من حق الجار على جاره. وكما ذكر كان يحتاج إلى إجراء الماء في أرضه، كان يكون أرض جاره بينه وبين الماء، فيحتاج لأجل عبور الماء إلى أرضه أن يمرر الماء عبر أرض جاره، فمثل هذا مما يجب على الجار أن يمكن جاره من ذلك، سواء كان كما ذكر بعوض أو بغير عوض. قالوا: ولا يجوز للإنسان أن يحدث في ملكه ما يضر بجاره، كفتح نافذة تطل على بيته. يعني تخيل لو أن جارين بينهما جدار، فأحدهما يفتح نافذة إلى بيت جاره، هذا لا يجوز لأنه من الضرر على جاره، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ضرر ولا ضرار». فهذا مما يمنع منه الجار. قالوا: إذا كان بينهما جدار مشترك، لا يتصرف فيه، ويضع عليه الخشب، إلا عند الضرورة، كأن يحتاج إليه عند التسقيف، فلا يمنع من ذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره». وهذا من هذه الأحكام التي هي من أحكام الجوار، وهو أنه ينبغي على كل جار أن يحترم جاره، وأن يعرف له حقه، وأن يحافظ على مودته ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. ومن ذلك أنه لا يؤذي جاره بعمل أشياء في الجدار المشترك بينه وبين جاره إلا عند الحاجة. إن احتاج فعل، وإن لم يحتاج لا يفعل. ومنها ما ذكر، كأن يريد أن يسقف بيته، فيمكن الجار جاره من ذلك، أي من أن يضع خشبة البناء على الجدار المشترك بينهما. وتحت هذا أحكام ومسائل ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى. وإنما المقصود هاهنا كما يقال الإشارات، وكذلك الإجمال. فالحاصل من هذا أن الجار إن احتاج إلى أن يضع خشبا أو أن يضع مسمارا أو أن يضع شيئا على جدار جاره، فله ذلك. بل قد نبه العلماء رحمهم الله تعالى على مسائل قد يخطئ فيها بعض الناس لجهلهم بالأحكام الشرعية. من ذلك أن إنسانًا لو بنى دارًا قبل جاره، فبنى جاره بعد ذلك دارًا أخرى، أي بجانب دار جاره، فهل لجاره الحق بأن يطالبه بأن يدفع له قدرًا مشتركًا في ذلك الجدار المشترك؟ يعني مثلًا بنى بيتًا، الجار بنى بيتًا، كلفه هذا الجدار مثلًا مئة ألف، بنى البيت وسكن، جاء جاره بعد سنة، بعد سنتين، بعد أكثر أو أقل، أراد البناء، فيقول له الذي قد بنى قبله: لا، لا بد أن تدفع، إن أردت أن تشاركني في هذا الجدار، لا بد أن تدفع نصف ما دفعت. هذا الأمر وهذه المسألة وهذه الصورة مما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أنها من الصور المحرمة، أي لا يجوز للجار أن يطالب جاره بذلك. وذلك لأنه أصلا لم يبن الجدار لجاره أو لم يبن الجدار لحق الشركة، وإنما بنى الجدار لحقه، فلا يحق له أن يمنعه من ذلك، فهو داخل تحت الحديث المذكور في الباب: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه على جداره». فهذا من هذا الباب، وتحته كذلك كما سمعتم مسائل ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى في كتب الفقه المطولة. المسألة الرابعة في الطرقات، أولًا لا يجوز مضايقة المسلمين في طرقاتهم. أي بأن يفعل الإنسان بعض الأشياء التي تكون سببًا لمضايقة المسلمين في طرقاتهم، لا يستطيع الإنسان أن يمر راجلًا إن كان ليس براكب، أو إذا كان عنده مركب، أي دابة أو سيارة أو ما شابه ذلك، لا يستطيع أن يمر، فهذا كما ذكر لا يجوز مضايقة المسلمين في طرقاتهم. والأصل في هذا «لا ضرر ولا ضرار»، الأصل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، لا يضر الإنسان نفسه، ولا يضره غيره. قال رحمه الله: لا يجوز أن يحدث في ملكه ما يضايق به الطريق، وهذا كذلك مما ينبأ عليه، وهو داخل كذلك في القاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، وهو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بمجموع طرقه. فبعض الناس كما هو معلوم يأخذ بيتًا يبني البيت، ثم يعمل حول البيت كما يسمى حوشًا، ثم بعد الحوش يعمل ذريبة غنم، ثم بعد ذريبة الغنم يعمل مكانًا للسيارة، وهكذا يدخل في ماذا في الطريق العام المشترك، وهذا من الضرر بالآخرين، والقاعدة «لا ضرر ولا ضرار». الثالث: لا يجوز أن يتخذ موقفًا لدابته أو سيارته بطريق المارة. كذلك لا يأتي إنسان إلى طريق عام أو طريق ليس للناس سوى فيضع سيارته أو يضع دابته أو يضع حاجته فيه بحيث يمنع ويقطع الطريق، هذا كذلك من الضرر، والضرر يزال. الرابع من الأحكام: الطريق حق للجميع، فتجب المحافظة عليه من جميع ما يضر المارة، كوضع المخلفات والقمائم فيه ونحو ذلك. لأن إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان، ومفهومه أن وضع الأذى في الطريق يخرم شعبة من شعب الإيمان. إذا كان من الإيمان إماطة الأذى عن الطريق، فمن غيره أو ليس من الإيمان أو من شعب الإيمان وضع المخلفات والقمائم في طرق الناس، وفي أماكنهم. وأشد ذلك أن يوضع القمائم عند الجيران أو عند البيوت المسكونة بالناس، وما شابه ذلك، هذا أشد ضررًا. الباب الرابع عشر: الوديعة والإتلافات، وفيه مسائل. المسألة الأولى: تعريفها وأدلة مشروعيتها، أي أدلة الوديعة أو تعريف الوديعة وأدلة مشروعيتها. أولًا تعريفها: الوديعة هي عين يضعها مالكها أو نائبه عند من يحفظها بلا عوض. هذا هو تعريفها. الوديعة هي عين يضعها مالكها أو نائبه، أي وكيله، عند من يحفظها، ويكون ذلك الحفظ بلا عوض، يكون ذلك الحفظ بلا عوض، لأنه إذا كان بعوض ترتبت عليه أحكام أخرى. إذا كان بلا عوض تترتب عليه أحكام، وإذا كان بعوض تترتب عليه أحكام، سيأتي ذكر شيء منها قريبًا بإذن الله جل وعلا. ثانيًا أدلة مشروعيتها: الأصل فيها قوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، فالوديعة أمانة توضع عند ذلك الشخص لأمانته. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. وقال صلى الله عليه وسلم: «أدّي الأمانة لمن ائتمنك، ولا تخن من خانك». والحديث صحيح، وقد مر معنا. ولأن الضرورة والحاجة داعية للإيداع، ولا محالة، سواء كان الإنسان على وشك سفر، وعنده مال، أو عنده حقوق يريد أن يحفظها، وليس عنده مكان يحفظها، فيحتاج أن يودعها إلى يودعها، يحتاج إلى أن يودعها عند أمين أو ما شابه ذلك، فالحاجة إليها ماسة. والشريعة كما مر معنا مرارًا جاءت بتحصيل المصالح الدنيوية، وكذلك الدينية، بتحصيلها وتكميلها، كما أنها جاءت بدفع الأضرار والمفاسد أو تقليلها وتخفيفها. ومن هذا هذه المسائل، مسائل وديعة، وأنها مشروعة. قالوا: فمن وجد في نفسه القدرة على حفظ الأمانة، فإنه يستحب له أن يتقبل الوديعة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه». أي أن هذا من باب التعاون، كما ذكر في هذا الحديث، وكما في قول الله جل وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وهذا من هذا الباب، فهو من باب الإحسان، من باب إحسان المسلم إلى أخيه المسلم. قال: أما إذا علم من نفسه عدم القدرة على حفظ الوديعة، فإنه لا يجوز له قبولها، وذلك لأنه قد يتعدى على ذلك الحق أو أن يفرط فيه، فيكون ظالمًا على كلا الحالين، ويكون خائنًا على كلا الوجهين. فإذا لا يجوز أن يعرض نفسه لذلك. المسألة الثانية: شرط صحتها، أي شرط صحة الوديعة. قالوا: أن تكون من جائز التصرف، لمثله من جائز التصرف. كما مر معنا مرارًا، من هو جائز التصرف؟ العاقل والرشيد، والمسلم هاهنا ليس بشرط، الإسلام ليس بشرط، لأنه قد يودع غير المسلم للمسلم، والعكس إن ائتمنه. قال: فلو أودع إنسان جائز التصرف ما له عند صغير أو مجنون أو سفيه، فأسلفه، فلا ضمان لتفريطه. لتفريط من؟ المودع. لتفريط المودع. لماذا؟ لأنه أعطاه أو جعل حقه أو ما له عند من لا يقوم به، سواء كان مجنونًا أو كان سفيهًا أو كان طفلًا، فمثل هؤلاء الأصر فيهم أنهم لا يحفظون المال. فلو ضيع ذلك المال، ذلك الذي استودع لذلك المال، فلا شيء عليه، ويكون ذلك بسبب تفريط صاحب الحق بحقه. وإن أودع الصغير ونحوه ما له عند آخر، الآن العكس، صغير أو مجنون أو سفيه أودع ما له عند غيره، عند عاقل، بالغ، كبير، رشيد. قالوا: صار الوديع ضامنًا لتعديه بأخذه. صار الوديع ضامنًا لتعديه بأخذه. الأصل أنه لا يأخذ من هؤلاء، لا يأخذ من هؤلاء، لأنهم ليسوا أهلًا للوديعة. فإن أخذ ضمن. لماذا؟ لأنه أخذ ممن ليس له حق التصرف. إلا أن يكون أخذه خشية أن يضيعه ذلك المجنون أو ذلك الطفل أو ذلك السفيه أو ما شابه ذلك، فالأعمال بالنيات، ويكونوا محسنا، وما على المحسنين من سبيل. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على