الدرس في شرح القواعد المثلى 10، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح ابن عثيمين أن أسماء الله تعالى توقيفية يجب الوقوف فيها على دليل من الكتاب والسنة فقط، ولا يجوز للعقل أن يستقل بإثباتها لعجزه عن إدراك الغيب. ويستدل بقول النبي ﷺ: «سبحانك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» دالاً على عجز العقل عن الإحاطة بأسماء الله وصفاته.
يذكر الشيخ ثلاث علل لتوقيفية أسماء الله: الأولى أن الله أعلم بنفسه ونبيه أعلم الخلق به، والثانية أن إطلاق الأسماء بغير دليل شرعي يُعد قولاً على الله بغير علم. والثالثة أن تسمية الله بما لم يسمِّ به نفسه أو إنكار ما سمى به نفسه جناية واعتداء، فوجب الاقتصار على ما ورد في الكتاب والسنة.
يشرح المقطع الفرق الجوهري بين الإخبار عن الله وأسمائه وصفاته، مبيناً أن الإخبار أوسع ولا يشترط فيه التوقيف بل يكفي أن يكون الاسم حسناً. كما يذكر سبع فروق بينهما منها أن الأسماء والصفات توقيفية وعبادة مطلقة بينما الإخبار للحاجة فقط.
يختتم المتحدث المقطع بعبارة الاكتفاء والتسليم لله تعالى. وينسب الترجمة إلى نانسي قنقر.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال العلامة ابن عثيمين عليه رحمة الله في كتابه "القواعد المثلى"، القاعدة الخامسة: أسماء الله تعالى توقيفية، لا مجال للعقل فيها. ومعنى "توقيفية": يعني يجب التوقف فيها على الدليل، يجب التوقف فيها على الدليل من الكتاب أو من السنة، ولا يجوز إثبات اسم أو صفة لم يدل عليها دليل الكتاب أو السنة؛ لأن أسماء الله عز وجل من أمور الغيب لا يعلمها إلا الله، أو ما أطلع الله عز وجل عليها نبيه. فما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أسماء الله، أو أخبر الله عز وجل من أسماء له سبحانه وتعالى، فنقتصر على ذلك، ولا نزيد ولا ننقص، ولا نزيد ولا ننقص. وقوله: "لا مجال للعقل فيها"، لأن العقل لا يصلح لأن يكون ميزانًا لأسماء الله عز وجل. فأي عقل هذا الذي يصلح أن يكون ميزانًا لأسماء الله؟ فلا يجوز أن تثبت هذه الأسماء بالعقل، بل يجب أن تثبت بالشرع: القرآن والسنة، فهي توقيفية. قال: وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة، فلا يزاد فيها ولا ينقص؛ لا نزيد على ما جاء في الكتاب والسنة، ولا ننقص مما جاء في الكتاب والسنة. قال: لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء. لماذا العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه من الأسماء؟ لأن هذا أمر غيبي، والعقل لا يدرك أمور الغيب إلا ما أطلع الله عز وجل عليه عباده. أما إذا لم يطلع الله عز وجل عباده على هذا الغيب، فلا يستطيع أي إنسان أن يعلمه. فمن ذكر شيئًا من الأسماء لم يدل عليه الكتاب والسنة فهو كاذب، فهو كاذب، وليست من أسماء الله. لذلك قال: فوجب الوقوف في ذلك على النص، والنص يراد به الكتاب والسنة، يراد به الكتاب والسنة. لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36]. وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 33]. ولأن تسميته تعالى بما لم يسمِّ به نفسه، أو إنكار ما سمَّى به نفسه، جناية، جناية في حقه تعالى، فوجب سلوك الأدب في ذلك والاقتصار على ما جاء به النص. إذن، علّل هنا المؤلف رحمه الله تعالى بأن أسماء الله تعالى توقيفية بثلاث علل، بثلاث علل تدل على أن أسماء الله تعالى توقيفية، ولا مجال للعقل فيها، ولا مجال للعقل فيها. العلة الأولى التي ذكرها: أن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء، لا يدرك ذلك من تلقاء نفسه. ومما يدل على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة، قال عليه الصلاة والسلام: «سبحانك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». ما معنى "لا أحصي ثناءً عليك"؟ يعني لا أطيقه ولا آتي عليه، وقيل: لا أحيط به، يعني لا أدركه. من ذا الذي يستطيع أن يحصي الثناء على الله؟ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحصي ثناءً على الله، فكيف ببشر آخر يزعم ويدعي أنه يسمي الله عز وجل بأسماء دل عليها عقله؟ فمهما أثنى عليه المثنون ووصفه الواصفون، فهو أعظم وأجل، سبحانه وتعالى. فإذن هو أعلم بنفسه سبحانه وتعالى، وأعلم الخلق بالله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام. فإذن هذه العلة الأولى، هذه العلة الأولى. والعلة الثانية التي ذكرها الشيخ رحمه الله من أن أسماء الله توقيفية، ولا مجال للعقل فيها، ولا يدركها العقل: قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾. فقوله: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾، معنى "لا تقف": أي لا تتبعه، ما ليس لك به علم. لأنه "قفى يقفوه"، قالوا: إذا جاء على أثره أو على إثره، يعني تابعًا له، تابعًا له. فلا تتبع علمًا عند أشياء ليس لك بها علم. وأسماء الله عز وجل التي لم يسمِّ بها نفسه، هل يعلمها غيره أو غير نبيه؟ لا يعلمها. فمن قال: أنا أعلم بأسماء لم ترد في الكتاب والسنة، فقد وقف على شيء ليس له به علم، ليس له به علم. وكما قال الله عز وجل في الآية الأخرى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾. الشاهد من الآية آخرها: ﴿ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾. فمن أثبت اسمًا لله لم يثبت في الكتاب ولا في السنة، فقد قال على الله ما لا يعلم، وهذا حرام لا يجوز. لأن الله عز وجل قال: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ﴾، فمما حرم أن تقولوا على الله ما لا تعلمون. فمن أثبت اسمًا لله لم يرد في الكتاب والسنة، فقد قال على الله، وقد قال على الله ما ليس له به علم، وهذا حرام لا يجوز. هذا العلة الثانية. العلة الثالثة: أن في تسمية الله عز وجل بما لم يسمِّ به نفسه جناية. ما معنى "جناية"؟ يعني جريمة في حق الله عز وجل. كيف تسمي الله عز وجل باسم لم يسمِّ به نفسه؟ ولله المثل الأعلى: لو جاء شخص وسماك أنت باسم لم يسمِّك به أبوك ولا أمك، فسماك باسم آخر، كيف سيكون حالك؟ ستغضب. وما ستغضب لو إنسان اسمه محمد، قلت: لا، أنت اسمك فريد، مش محمد؟ أي شرائك تغضب، وما تغضب. ولله المثل الأعلى: فمن يسمي الله عز وجل باسم لم يسمِّ به نفسه، فهذه جناية في حق الله سبحانه وتعالى. فليس من حقنا أن نسمي الله سبحانه وتعالى بما لم يسمِّ به نفسه. وهذا معنى قوله: "لأن تسميته تعالى بما لم يسمِّ به نفسه، أو إنكار...". أيضًا انتبه: كما أننا لا نسمي الله عز وجل بما لم يسمِّ به نفسه، لا ننكر اسمًا سمَّى الله عز وجل به نفسه. فهذا أيضًا جناية. أرأيت لو أن إنسانًا قال: لا، أنت ما اسمك محمد؟ ما لك اسم، أنت بدون اسم. مثل ما تقول الجهمية: ينفون الأسماء والصفات عن الله عز وجل. هذا جناية وسوء أدب مع الله عز وجل. جناية، جناية بمعنى يعني جريمة. تمام، يقول لك: هذا ارتكب يعني قضية جنائية، اعتداء، اعتداء. نعم، اعتداء. الجناية هي الاعتداء، الجرم، الاعتداء. فكذلك: كما أننا لا نسمي الله عز وجل بما لم يسمِّ به نفسه، كذلك لا ننفي أو ننكر ما سمَّى الله عز وجل به نفسه. فوجب سلوك الأدب في ذلك بغير زيادة ولا نقصان، والاقتصار على ما جاء في النص، يعني على ما جاء في الكتاب والسنة. وهنا مسألة مهمة أيضًا تتعلق بهذا الباب، نبه عليها الشارح شيخ فهد رحمه الله، وهو أن باب الإخبار عن الله عز وجل لا يجب أن يكون توقيفيًا، وإنما الذي يكون بالتوقيف هي الأسماء والصفات. لأن باب الإخبار أوسع من باب الصفات، أو الأسماء والصفات. وما الفرق بين الإخبار والأسماء والصفات؟ ما الفرق؟ الفرق بينهما: أن الأسماء، كما تقدم، غاية في الحسن والكمال، ليس فيها نقص بأي وجه من الوجوه. لكن في باب الإخبار، ليست بالغة في الحسن منتهاها كما قال الشيخ، فهي فيها شيء من النقص، وفيها كمال نسبي. فضابط الإخبار: أن لا يكون باسم سيء، ويكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيء، يكون باسم حسن أو باسم ليس بسيء. مثلًا: "الصانع"، ما ورد اسم لله عز وجل، فلا بأس من باب الإخبار. مثل: "الشارع"، مثل: "الذات"، "الوجود". فهذا من باب الإخبار، لا بأس به. وما تقدم معنا أيضًا: "المتكلم"، "المريد". لأنها، كما تقدم معنا، تنقسم إلى محمود ومذموم. تذكرون هذا في القاعدة الثانية؟ أظن لم نتكلم على ماذا؟ تكلمنا على الدلالات، صح؟ لا، قبل الدلالات تكلمنا على ماذا؟ منها ما هو يعني يدل على... نعم، لما تكلمنا على أن أسماء الله بالغة في الحسن، ذكر أنها لا يكون فيها هناك نقص بأي وجه من الوجوه، وذكر بعض الأسماء التي هي محمودة من وجه، وقد تكون مذمومة من وجه آخر في غير حق الله عز وجل، مثل "المتكلم". فالكلام قد يكون محمودًا، وقد يكون مذمومًا في غير حق الله عز وجل. فـ "المريد" و"المتكلم"، هذا من باب الإخبار، لا بأس به، لأنه أوسع. لكن من باب إثبات الاسم لله عز وجل، فلا. أنتم هذا الآن. فباب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات. فباب الإخبار لا يجب فيه التوقيف، لا يجب فيه التوقيف، إذا كان هذا الاسم حسنًا أو ليس بسيئًا. حسن، مثلًا: "المتكلم"، "المريد"، "الشارع"، هذا حسن وليس بسيء. مثل: "الوجود"، وكذلك "الذات"، ونحو ذلك. أنتم هذا الآن. وذكروا فروقًا بين الأسماء والصفات وبين الإخبار، والأسماء التي يؤتى بها على سبيل الإخبار. ذكر هنا سبعة فروق: الفرق الأول: أن باب الإخبار ليس توقيفيًا، وباب الأسماء والصفات توقيفي. وهذا الذي أشرنا إليه قريبًا. والفارق الثاني: أن باب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات. وهذا أيضًا أشرنا إليه. والفارق الثالث: أن باب الإخبار يكون بالاسم الحسن، أو بما ليس بالسيء. وأما الأسماء والصفات، فتكون فيها الحسن كله والكمال كله كذلك. صح؟ فهذا أيضًا فارق. وفارق الرابع: أن باب الإخبار يجوز فيه الإخبار عن الله به، ولا يجوز جعلها من الأسماء والصفات العلا. وباب الأسماء والصفات: يخبر بها عن الله، فيقال: هو الله العزيز الرحيم، ويسمى الله بها، ويوصف. فالأسماء: يسمى الله بها، ويوصف بها، ويخبر بها. أما الإخبار: فإنه يخبر بها فقط، الأسماء التي هي على سبيل الإخبار إنما يخبر بها فقط، ولا يسمى الله بها، ولا يوصف بها. فهمتم هذا الآن؟ نعم. قال: وأيضًا من الفروق: أن من الأسماء الحسنى تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة، وليس هذا موجود في باب الإخبار. ومن الفروق: أن باب الإخبار يكون للحاجة، بخلاف الأسماء الحسنى. فذكرها والتعبد لله بها مطلوب شرعًا، تتعبد الله عز وجل بها. لكن الأسماء التي هي على سبيل الإخبار، تؤتى بها وقت ما تريد، وقت الحاجة. أما الأسماء، فتلهج بها في أي وقت، فهي عبادة. طيب، فهذه فروق بين باب الإخبار وباب الأسماء والصفات. ونبه على هذا لأن باب الإخبار أوسع، فليس بتوقيفي. أما الأسماء والصفات فهي توقيفية. وبهذا نكتفي. وإلهنا والله تعالى أعلم. ترجمه نانسي قنقر.