الدرس في شرح القواعد المثلى 15، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
توضح القاعدة الأولى أن صفات الله تنقسم إلى كمال محض يثبت له، ونقص محض ينفى عنه، وقسم ثالث يكون كمالاً في حال ونقصاً في حال أخرى كالمكر والكيد. ويُفصل في هذا القسم الثالث فيثبت في مواضع الكمال كالمقابلات وينفى في مواضع النقص.
تعتبر صفات المكر والكيد والخداع والاستهزاء كمالاً عندما تصدر مقابلةً لمن بدأ بها من الأعداء، وتكون نقصاً إذا صدرت بلا مقابلة. وقد قيد الله هذه الصفات في القرآن بالمقابلة فقط، فسميت بصفات المقابلة.
لا تثبت لله صفات الذم المطلقة كالخيانة والظلم حتى على سبيل المقابلة، والدليل قوله تعالى ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ لا «فَخَانَهُمْ» وحديث «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». وينهى عن إطلاق عبارات العوام التي تنسب النقص لله.
يوضح الحديث القدسي تحريم الله للظلم على نفسه وجعله محرماً بين العباد، ويؤكد أن المظلوم عليه التعامل بالعدل بأخذ حقه دون زيادة أو ظلم مقابل. وهذا يرسخ مبدأ العدل حتى مع الظالم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أخذنا في الدرس الماضي أول قاعدة من قواعد صفات الله تعالى، وهذه القاعدة هي: صفات الله تعالى كلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه. وقد ذكر المؤلف رحمه الله أن أقسام الصفات ثلاثة: أنواع الصفات: صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، وهذه تثبت لله عز وجل كما ذكر في الأمثلة من العلم والقدرة والسمع ونحو ذلك. وصفات نقص لا كمال فيها، وهذه تنفى عن الله سبحانه وتعالى، كالجهل والموت والعجز والنوم ونحو ذلك. وهناك صفات كمال من وجه ونقص من وجه آخر، سيتكلم عليها المؤلف الآن وسيبين حكمها. قال: «وإن كانت الصفة كمالاً في حال ونقصاً في حال، لم تكن جائزة في حق الله ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق». يعني: تدل على كمال في حال، وعلى نقص في حال أخرى. فلا نقول: هي ممتنعة عن الله مطلقاً، ولا نقول: هي جائزة على الله مطلقاً، وإنما نفصل. ما هو هذا التفصيل؟ قال: «فلا تثبت له إثباتاً مطلقاً، ولا تنفى عنه نفياً مطلقاً، بل لا بد من التفصيل، فتجوز في الحال التي تكون كمالاً، وتمتنع في الحال التي تكون نقصاً». وذلك كالمكر والكيد والقداع ونحوها. هذه الصفات قد تكون ممتنعة عن الله، وقد تكون جائزة. متى تكون جائزة؟ إذا كانت في مقابل... في مقابل أي مقابل؟ من يعامل الله عز وجل بمثلها، فتكون هذه الصفات صفات كمال، فتجوز في حق الله سبحانه وتعالى. أما إذا كانت في غير مقابل، فإنها ممتنعة عن الله عز وجل، وسيبين زيادة. قال: «ونحوها، فهذه الصفات تكون كمالاً إذا كانت في مقابلات من يعاملون الفاعل بمثلها». يعني: من يمكر فيمكر الله به، من يمكر فيمكر الله به، أو يكيد فيكيد الله به، ونحو ذلك. فهذه تكون صفة كمال إذا كانت في مقابل من يعاملون الفاعل بمثلها. قال: «لأن حينئذٍ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله أو أشد». فهذا المعنى كمال، في هذا المعنى كمال. فمن يمكر بالله عز وجل يمكر الله به، وهذا يدل على الكمال. فمن هو قادر على أن يقابل عدوه بمثل فعله أو أشد، هذا يدل على الكمال. وتكون نقصاً في غير هذه الحال، يعني: إذا لم تكن في مقابل. ولهذا لم يذكرها الله تعالى من صفاته على سبيل الإطلاق، ما ذكرت هذه الصفات لله عز وجل على سبيل الإطلاق، بل جاءت على سبيل المقابلة. قال: «وإنما ذكرت في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها». فقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30]. «يمكرون، يمكر الله» في مقابلة. ما ذكرت هذه الصفة دون مقابلة؟ ما جاء في آية أن الله يمكر مطلقاً، أو أن الله يستهزئ مطلقاً، لا، إنما جاء في مقابل كهذه الآية. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: 15-16]. «هم يكيدون، وأنا أكيد» مقابل، هذا يدل على الكمال. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: 182-183]. «وأملي لهم، إن كيدي متين» لأنهم كادوا، فكاد الله بهم. «وأملي لهم، إن كيدي متين». وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]. «وهو خادع» فهذا في مقابل. وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: 14-15]. فهذه سماها: صفات المقابلة، صفات المقابلة. فهذه لا تثبت لله عز وجل إلا إذا كان في مقابل. أما إذا لم تكن في مقابل، فلا تثبت لله عز وجل. فهذا معنى قوله: «لم تكن جائزة في حق الله ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، وإنما على سبيل التقييد، والتقييد المراد به المقابلة». قال: «ولهذا لم يذكر الله أنه خان من خانوه». فقال تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال: 71]. «فأمكن منهم»، ما قال: «وإن يريد خيانتك فأخونهم»، أو «فأنا أخونهم» أبداً. لماذا؟ سيأتي. فقال: «فأمكن منهم»، ولم يقل: «فخانهم». لأن الخيانة: خدعة في مقام الأمانة، وهي صفة ذنب مطلقة. فصفات الذنب المطلقة لا تثبت لله عز وجل، ولو على جهة المقابلة. وإنما التي تثبت لله عز وجل على جهة المقابلة: الصفات التي هي مدح وكمال من وجه، ونقص وذنب من وجه آخر. فتثبت لله إذا جاءت على وجه الكمال، ولا تثبت لله إذا جاءت على وجه النقص. فوضح هذا الآن. فالخيانة لا تأتي إلا صفة ذنب، أو صفة ذنب، لا تأتي إلا صفة ذنب. لأن معنى الخيانة: خدعة في مقام الأمانة. فالخيانة مذمومة مطلقاً. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». ها؟ «ولا تخن من خانك». لكن: هل تمكر بمن مكر بك؟ نعم. ها؟ تستهزئ بمن استهزأ بك؟ نعم، إذا كان هذا على سبيل الكمال والذل والمهانة لهذا المستهزئ. قال: وبذا عُرف أن قول بعض العوام: «خان الله من يخون» - منكر فاحش يجب النهي عنه، لأنهم بهذه المقالة أثبتوا الخيانة لله عز وجل. طيب، فهذا لا يجوز، ولو كان في مقابل، ولو كان في مقابل. وأيضاً من العبارات الخاطئة: قول بعض العوام: «الله يظلمه»، أو «الله يظلم من ظلمني». هذا عبارة خاطئة، هذا عبارة خاطئة. أو مثلاً بعضهم يقول: «الجزاء من جنس العمل، فمن ظلم العباد ظلمه الله». لا، هذا ما يجوز، هذا تعبير خاطئ؛ لأنه لا يوصف الله عز وجل بالظلم، لأن الظلم مذموم مطلقاً. قال الله عز وجل في الحديث القدسي - حديث قدسي -: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً». فإذا ظلمك إنسان... لأن الظلم معناه: التجاوز في العقوبة والانتقام، التجاوز. طيب، فمن ظلمك تعامله بالعدل، فتأخذ حقك دون زيادة، دون ظلم. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿