الدرس في شرح القواعد المثلى 36، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ العثيمين حديث "قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن" مبيناً أن أهل السنة يثبتون صفة الأصبع لله حقيقة تليق بجلاله. ويردون على شبهة المحرفة القائلة بلزوم المماسة والملاصقة مستدلين بقول الله تعالى في السحاب المسخر بين السماء والأرض بأن البينية لا تستلزم المماثلة أو الحلول.
يوضح المقطع أن وصف قلوب العباد بأنها بين أصبعين لا يلزم منه المماثلة للخلق مستدلاً بأمثلة حسية كالبينونة المكانية. كما يرد على تحريف حديث "أجد نفس الرحمن من قبل اليمن" مبيناً أن أهل السنة يثبتون الصفات على ظاهرها اللائق بالله دون تمثيل أو تعطيل مستندين إلى اللغة والشرع.
يشرح المقطع أن أهل السنة رفضوا التفسير الحرفي لـ "نفس الرحمن" لأنه لا يليق بالله، وبين الشيخ أن "النفس" هنا اسم مصدر من "نفس/ينفس" بمعنى التفريج والفرج مستنداً إلى كتب اللغة. وفسر الحديث بأن تفريج الله عن المؤمنين يكون على يد أهل اليمن (أهل اليمين) وهم الأنصار ومن قاتلوا أهل الردة وفتحوا الأمصار.
ينفي المتحدث نسبة قول باطل إلى أهل السنة ويصفه بأنه لا يليق بالله تعالى. ثم يختم المجلس بالاكتفاء بهذا القدر من الرد على الشبهات المثارة حول الصفات.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال الشيخ العثيمين عليه رحمة الله في كتابه القواعد المثلى: المثال الثاني: قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن. والجواب: أن هذا الحديث صحيح، رواه مسلم في الباب الثاني من كتاب القدر عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن قلوب بني آدم كلها» ويجوز «كلها كلها» على أنها بدل من «قلوب» اسم «إن»، و«كلها» على أنها مبتدأ وما بعدها الجملة خبر «كلها»: «بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء». ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك». فإذن هذا الحديث صحيح، لكن ما هي الشبهة التي أوردها المحرفة على أهل السنة حول هذا الحديث؟ يقول المحرفة: أنتم يا أهل السنة أولتم هذا الحديث، فيزعمون أن ظاهر هذا الحديث أن الله عز وجل قبض القلوب بين أصبعين كما يقبض الإنسان أي شيء بين أصبعين كقلم أو حجر أو نحو ذلك، فيقولون: يلزمكم أن تقولوا ذلك، أن الله قد قبض بأصبعيه على قلوب العباد، وأن قلوب العباد مماسة لأصبع الرحمن. هذه شبهتهم واضحة. ولذلك قال الشيخ هنا: «وقد أخذ السلف سيرد على هذه الشبهة بما سيأتي». قال: «وقد أخذ السلف أهل السنة بظاهر الحديث»، أخذوا بظاهر الحديث، ليس ظاهر الحديث ما فهمه هؤلاء الذين قد طمست بصائرهم وانتكست فطرهم، بل ظاهر الحديث... قال: «وقد أخذ السلف أهل السنة بظاهر الحديث، وقالوا: إن لله تعالى أصابًا حقيقة نثبتها له كما أثبتها له رسول الله صلى الله عليه وسلم». فهذا الحديث يستدل به أهل السنة على إثبات الأصبع لله سبحانه وتعالى، كما يثبتون اليدين والرجلين والوجه، فيثبتونها كما تليق بجلال الله عز وجل. بخلاف المحرفة، فإنهم أولا لا يثبتون هذه الصفة، لا يثبتونها، كما أنهم ينفون صفة اليدين وصفة الرجلين، فإنهم كذلك ينفون صفة الأصابع لله سبحانه وتعالى. فأهل السنة أولا يخالفون هؤلاء في إثبات هذه الصفة لله حقيقة، هذا أولا من هذا الحديث، ومن غير من الأدلة التي مرت معنا لو تذكرون، حديث الحبر من أحبار اليهود: «إن الله يضع الأرض على إصبع، والسماوات على إصبع» الحديث، هذا أيضا فيه إثبات الأصابع لله عز وجل، وهذا أيضا الحديث فيه إثبات الأصابع لله سبحانه وتعالى. فأهل السنة يثبتون ذلك، بخلاف المحرفة لأنهم لا يثبتون ذلك. هذا أولا. قال: «ولا يلزم من كون قلوب بني آدم بين أصبعين منها أن تكون مماثة لها». حتى يقال إن الحديث موهم للحلول. هم يقولون: إذا أثبتتم يا أهل السنة الأصابع لله عز وجل، يلزم أن قلوب العباد مماثة، يعني ملاصقة لأصابع الرحمن. فهمتم هذا الآن؟ لكن أهل السنة ما يقولون ذلك، يقولون: هذا ما هو ظاهر الحديث، نحن ما نسلم لكم بذلك. فهمتم؟ بل المراد بهذا الحديث أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، والله عز وجل على كل شيء قدير، ولا يلزم من ذلك أن قلوب العباد مماثة لأصابع الرحمن. هذا معنى قوله: «ولا يلزم من كون قلوب بني آدم بين أصبعين منها أن تكون مماثة لها حتى يقال إن الحديث موهم للحلول فيجب صرفه عن ظاهره». فهذا السحاب مسخر بين السماء والأرض، البينية لا يلزم منها المماثة. قول الله عز وجل: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، هل السحاب مماثل للسماء؟ هل السحاب مماثل للأرض؟ ها؟ فإذا البينية ما يلزم منها المماثة. قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن»، ما يلزم من هذه البينية المماثة، كما أنه لا يلزم من كون السحاب بين السماء والأرض أن السحاب مماثل للسماء أو مماثل للأرض. فيمثل هذا الآن ويقال: فهذا السحاب مسخر بين السماء والأرض وهو لا يمس السماء ولا الأرض. ويقال: البدر بين مكة والمدينة مع تباعد ما بينهما، البدر يعني القمر، فهل القمر مماثل لمكة؟ وهل القمر مماثل للمدينة؟ ها؟ لا، فلا يلزم من البينية المماثة. قال: «فقلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن حقيقة، ولا يلزم من ذلك مماثة ولا حلول». فنحن نؤمن بذلك. نعم، قلوب العباد بين أصبعين حقيقة، والله عز وجل له أصابع تليق بجلاله، لكن ما يلزم من ذلك المماثة، ولا نقول بذلك، ولا يدل عليه ظاهر الحديث، فلا تلزمون بذلك. فإلزامكم هذا غير صحيح، وإلزامكم هذا باطل. فهمتم هذا الآن؟ هذا هو معنى الرد على هؤلاء. المثال الثالث: «إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمن». قال: والجواب: أولا، ما وجه استدلال أهل التعطيل أو التحريف بهذا الحديث على أهل السنة؟ قالوا: ظاهر الحديث... انظر إلى افترائهم... قالوا: ظاهر الحديث أن نفس الله، والنفس يريدون به ما يخرج من الجوف كنفس الإنسان، فيقولون: معنى الحديث أن نفس الله عز وجل من قبل اليمن، فيقولون: معنى ذلك أن الله عز وجل في الأرض، وأن نفسه يأتي من جهة واحدة، يأتي من جهة واحدة ليس من جميع الجهات. فهم يفسرون الحديث بهذا التفسير، ويلزمون أهل السنة بهذا القول. فهمتم هذا الآن؟ وهذا فيه شيء كذلك من الحلول، وفيه شيء كذلك من الاتحاد، أن الله عز وجل في الأرض وليس في السماء. واضح هذا الآن. قال: والجواب: أن هذا الحديث رواه الإمام أحمد في المسند من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إن الإيمان يمان، والحكمة يمانية، وأجد نفس ربكم من قبل اليمن». قال في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح غير شبيب وهو ثقة. قلت: وكذا قال في التغريب عن شبيب: ثقة من الثالثة. وقد روى البخاري نحوه في التاريخ الكبير. وهذا الحديث حديث صحيح، صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله في كثير من كتبه. بقي: كيف يرد على قول المحرف وإلزامهم أهل السنة بما حرفوه به؟ قال: «وهذا الحديث على ظاهره، والنفس فيه...» انظر، يعني أهل السنة لما يذكرون معنى الحديث يذكرون هذا المعنى بما تدل عليه اللغة، ليس بالعقل والهوى. فهمتم الآن الفرق؟ بخلاف أهل التحريف والتعطيل، فإنهم يحرفون بمقتضى عقولهم، ولا يبالون بلغة ولا بشرع ولا بشيء. على سبيل المثال: رحمة، عرش، استوى... من أين أتوا أن استوى بمعنى استولى؟ هل ورد هذا في لغة؟ استدلوا بقول للأخطل: «قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق»، مع أنه رجل نصراني. ها؟ فكيف يستدلون به في اللغة؟ ولم يأت في اللغة استوى بمعنى استولى. ثم يلزم منه لوازم باطلة: أن الله عز وجل لم يكن مالكا للعرش، استولى عليه من إله آخر. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. لكن أهل السنة لما يبينون معنى الحديث يبينون هذا المعنى بمقتضى الشرع، وبمقتضى اللغة، وما يدل عليه ظهر هذا اللفظ في اللغة. فمثلا هنا: ما معنى «نفس»؟ ليس معنى «نفس» ما فهمه هؤلاء من أنه الصوت الذي يخرج من الجوف، أو كذلك الهواء النفس الذي يخرج من الجوف. لم يفسر أهل السنة هذا التفسير، لأن هذا لا يجوز في حق الله عز وجل، لا يجوز هذا في حق الله سبحانه وتعالى. فلذلك قال هنا الشيخ: «وهذا الحديث على ظاهره، لكن ما هو ظاهره؟ ما هو ظاهر هذا الحديث؟ قال: والنفس فيه يعني: إني أجد نفس الرحمن، والنفس فيه اسم مصدر: نفس، ينفس، تنفيسا». لماذا قال اسم مصدر ولم يقل مصدر؟ ما الفرق بين المصدر واسم المصدر؟ المصدر هو الذي يحتوي على نفس حروف الفعل من غير نقصان، واضح. واسم المصدر هو الذي يحتوي على بعض حروف الفعل ويكون ناقصا عن حروف الفعل. فمثلا الآن الفعل «نفس» كم أحرف؟ أربع أحرف: النون، والفاء الساكنة، والفاء المتحركة، والسين. صح؟ «نفس». و«نفس» كم أحرف؟ ثلاثة. إذن نقص حرفا واحدا، فهذا يقال له اسم مصدر. اسم مصدر، مثل كذلك مثلا تقول: «وضوءا»، مصدر من «توضأ»، اسم مصدر من «توضأ»، ليس مصدر «وضوءا» لأن «توضأ» ليس نفس حروفه موجودة فيه. «وضوءا» صح؟ فيقال له اسم مصدر. وضع هذا الآن، وهذا مثله الآن. «النفس» ليس مصدر، اسم مصدر من «نفس، ينفس»، مثل «تنفيسا»، مثل «فرج، يفرج، تفريجا». فهنا «تفريج» ليس مصدر، اسم مصدر. و«تنفيس» ليس مصدر، اسم مصدر. «نفس، تنفيسا»، و«فرج، تفريجا». صح؟ قال: «وهكذا قال أهل اللغة كما في النهاية». ارجعوا إلى كتب اللغة، ما معنى «نفس»؟ قال: «هكذا قال أهل اللغة كما في النهاية، والقاموس، ومقاييس اللغة». قال في مقاييس اللغة: «النفس: كل شيء يفرج به عن مكروب». هذا معنى النفس: كل شيء يفرج به عن مكروب، يفرج به عن مكروب. قال: فيكون معنى الحديث: أن تنفيس الله تعالى عن المؤمنين يكون من أهل اليمين. كنت الآن معنى الحديث يعني: ظاهر الحديث يقول: إن تفريج الله عز وجل على أهل الإيمان يكون من قبل أهل اليمن، أو من قبل أهل اليمين الذين هم يمين الكعبة. إذن هذا معنى الحديث. هل معنى الحديث النفس المعروف الذي فهمه هؤلاء؟ لا، لأن هذا معنى في اللغة، معنى النفس أي التفريج، كما قال هنا: «النفس: كل شيء يفرج به عن مكرور». فيكون معنى الحديث: أن تنفيس الله تعالى عن المؤمنين يكون من أهل اليمين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهؤلاء هم الذين قاتلوا...» يعني: من هم أهل اليمين؟ وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة وفتحوا الأمصار، فبهم نفس الرحمن. ما مع «نفس الرحمن»؟ يعني تفريج الرحمن، ليس النفس هذا الذي يفهمه هؤلاء. قال: «وفتحوا الأمصار، فبهم نفس الرحمن عن المؤمنين الكربات». أو «فبهم نفس الرحمن» نفسه من الفعل «نفسه»، لأن قلنا «نفس» اسم مصدر من «نفسه»، مثل كما تقدم «تفريج». ها؟ أو «الفرج» اسم مصدر من ماذا؟ من «فرج». و«نفس» اسم مصدر من «نفسه». وهذا مثله. ها؟ أي حديث؟ ها؟ نعم، من «نفسه» يعني «فرج». واضح؟ يعني «فرج». و«النفس» بمعنى التفريج، و«النفس» بمعنى التفريج. فإذا هذا هو معنى الحديث، لا كما فهمه هؤلاء، لا كما فهمه هؤلاء. وذكروا أيضا أن أهل اليمن هم الذين ناصروا المسلمين من المهاجرين، فالأنصار أصلهم من اليمن. ها؟ أصلهم من اليمن. فأيضا هذا يشمل، يشملوا هذا المعنى. فهم الذين ناصروا النبي عليه الصلاة والسلام، وبهم فرج عن المؤمنين في مكة، فهاجروا إليهم ونصروهم وآووهم. واضح هذا الآن. فيكون معنى الحديث هذا: قوله «إني أجد نفس الرحمن» يعني تفريج الرحمن عن المؤمنين من قبل أهل اليمين، يعني أهل اليمن. ولا علاقة بما ذكره هؤلاء المحرفة، وألزموا أهل السنة به، من ذلك القول الباطل الذي لا يليق بالرب سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.