الدرس في القواعد والأصول الجامعة 50، ألقاها
تناول المقطع الأول القاعدة الفقهية التي تنص على أن من سبق إلى المباحات فهو أحق بها، مع توضيح مفهوم المباحات وأمثلتها. يوضح أن المباحات تشمل الأشياء التي ليس لها مالك أو منافع عامة.
يتناول المقطعان الثاني والثالث تفاصيل أحكام إحياء الأرض الموات وتوزيع المياه، وكيفية تملك المباحات بالسبق والحيازة، مع تقديم أمثلة من السنة النبوية وتوضيح أحكام الأماكن العامة والموقوفة.
يتناول المقطع الرابع حكم إخراج زكاة الفطر لمن هو أولى بالبيت، مع التأكيد على أهمية الصلاة على النبي وآله وصحبه، مما يظهر ارتباط الأحكام الفقهية بالآداب الإسلامية.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه "القواعد والوصول للجامعة"، القاعدة الرابعة والعشرون: "من سبق إلى المباحات فهو أحق بها من غيره". قال: المراد بالمباحات هنا ما ليس له مالك، ولا هو من الاختصاصات. من سبق إلى المباحات يعني سبق غيره إلى أشياء مباحة. المراد بالمباحات ما ليس له مالك، شيء لا يملكه أحد، فسبق إليه فهو أحق به، كأرض أو حيوان مطلق كغزال أو وعل أو أرنب بري أو نحو ذلك من الصيد، سواء صيد البر أو كذلك صيد البحر أو غير ذلك من الأمور المباحة التي ليست هي ملك لأحد. من سبق إليه فهو أحق بها، ولا هو من الاختصاصات يعني الأشياء المشاعة العامة التي ينتفع بها الناس جميعا. من سبق إلى شيء منها فهو أحق بها، كمواضع السيول ومواضع الرعي ومواضع الحطب ومواضع الحصى ونحوها. قال: لقوله صلى الله عليه وسلم: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به". وهذا الحديث رواه أبو داود من حديث "إمن مضرس" وهو ضعيف. وقد ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في "الإرواء" برقم 1553. ويغني عنه ما ثبت عند الإمام أحمد وأبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار». فهذا الحديث يغني عن هذا الحديث. «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار» يعني الماء الذي ليس هو لأحد، فالناس شركاء فيه، أو ما زاد عن فضل الإنسان عن حاجة الإنسان، فالفاضل كذلك يكون للناس به نصيب. والكلأ مواضع العشب والرعي، فالناس شركاء فيها. وكذلك أيضا النار يعني مواضع الحطب، فالناس شركاء فيها. قال: فيدخل في هذا السبق إلى إحياء الأرض الموات يعني الأرض الميتة التي ليس فيها حياء، لا نبات فيها ولا زرع. فمن سبق إليها وهي ليست ملكا لأحد فهو حق بها. قال: فإذا أحياها بحفر بئر وصل إلى مائها، أو أجرى ماء إليها، أو منع ما لا تزرع الأرض مع وجوده كمناقع المياه، وككثرة الأحجار إذا نقاها منها، أو بنى عليها بنيانا، فبذلك يملكها. فالأرض الموات التي ليست لأحد، أرض ميتة لا يملكها أحد ولا نبات فيها. فإذا أحياها، إذا أحياها ملكها بذلك. إذا أحيا هذه الأرض وصار أحق بها من غيره، وإحياؤها يكون بنحو ما ذكر رحمه الله. من حفر بئر وصل إلى مائها يحفر بئر في هذه الأرض ويصل إلى الماء، فإذا فعل ذلك فقد أحياها بذلك. أما إذا حفر البئر ولم يصل إلى الماء فلا يكون قد أحياها بذلك. لا بد أن يحفر البئر ويصل إلى الماء لأن الأرض تحيا بوجود الماء. قال: أو أجرى ماء إليها يعني أدخل لها الماء عن طريق بعض الأنهار أو نحو ذلك، فأدخل الماء إلى الأرض فيكون بذلك قد أحياها. أو منع ما لا تزرع الأرض مع وجوده كمناقع المياه يعني إذا كان الماء كثير بمكان مستنقع، ما تكون الأرض بذلك يعني حية ولا يصلح فيها الزراعة. فإذا أزال مستنقعات المياه ونقاها من ذلك وأزال كذلك الأحجار الكثيرة وأبعدها عن الأرض وهياءها للزراعة، أو كذلك بنى بيتا أو بنى بنيانا أو بنى جدر في هذه الأرض، فإنه يصير بهذا قد أحياها فيكون حق بها. قال: فبذلك يملكها يعني يملك هذه الأرض ويكون حق بها من غيره. قال: ولو كان النهر المباح أو الوادي يسقي حروثا يمر عليها، قدم الأعلى فالأعلى. يقول: إذا كان النهر المباح أو الوادي يسقي حروثا يعني أراضي زراعية يمر عليها السيل أو هذا النهر، فيقدم الأعلى فالأعلى. يعني عند الاختصام والتنازع. أما إذا كان الجميع راضي أو تمر مثلا النهر أو السيل من جوانب كل هذه الحروث فلا إشكال. لكن إذا حصل نزاع ومشاحة فيقدم الأعلى فالأعلى، يعني الذي هو أقرب إلى السيل أو النهر هو الأولى بالسقي، ثم الذي بعده ثم الذي بعده وهكذا يبدأ بالأعلى إلى الأسفل. ويدل عليه قصة الزبير رضي الله عنه مع صاحبه الأنصاري، وهي في صحيح البخاري حين تنازع في الماء. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اسقي يا زبير ثم افتح الماء لجارك». لأن الزبير كان أعلى. فقال الأنصاري: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك يعني قضيت له بذلك لأنه ابن عمتك فقدمته عليه. فغضب النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «اسقي يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم افتح الماء لجارك». في المرة الأولى النبي صلى الله عليه وسلم ما أعطاه حقه كاملا، إنما كان من باب الصلح. فقدمه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أحق وجعله يسقي الشيء اليسير ثم يفتح الماء للجار. فلما قال ما قال أعطى النبي عليه الصلاة والسلام الزبير حقه كاملا أن يسقي ويحبس الماء حتى يعني ترتوي الأرض ثم يفتح الماء للجار. فدل هذا الحديث أن السقي الحروث والمزارع والأراضي التي عند الأنهار والسيول يبدأ بها في الأعلى فالأعلى. قالوا: أما المياه المملوكة فإن على حسب الأملاك. المياه المملوكة على حسب الأملاك. بئر مملوكة لاثنين مثلا، أحدهما يملك ثلث البئر والآخر يملك ثلثين. فصاحب الثلث مثلا يكفيه أن يسقي ساعة، فصاحب الثلثين سيسقي ساعتين. وإذا كان صاحب الثلث ما يكفيه إلا ساعتان، فصاحب الثلثين سيسقي أربع ساعات وهكذا على حسب الملك. قالوا: من فروع هذا الأصل السبق إلى صيد البر أو البحر أو إلى حطب أو حشيش أو نحوها من المباحات. فمن سبق إلى شيء منها فهو أحق بها، ولا يملكه إلا بحيازته لا بمجرد رويته. السبق إلى صيد البر أو البحر، خرج ثنان أو ثلاثة أو أربع إلى البر للإصطياد، رأوا غزالا. قال الأول: أنا الذي رأيته، أنا سبقتكم بالروية. هل يملكه بمجرد الروية؟ الجواب لا. إذا صاده وأمسكه فهو أحق به. وإذا أمسكه غيره فالذي أمسكه هو أحق به. فيكون الأحق الذي يحوز هذا الشيء لا الذي يرى مجرد الرؤية. ما يملك الشيء بمجرد الرؤية. لو قال: رأيته أرنبا فصاده غيره، الذي صاده هو أحق به لأنه هو الذي سبق والأرنب ليس ملك لأحد. الأرنب ليس ملكا لأحد، فالذي يسبق فيصيده هو أولى به وإن كان قد رأاه غيره. فالعبرة ليست بالروية وإنما العبرة بإمساكه وحيازته. وهكذا أيضا صيد البحر، لو قال: أنا رأيت هذا الحوت، هذا الحوت لي. ما يملكه بذلك إلا إذا صاده وأخرجه من البحر وهو له. أما بمجرد الرؤية لا يملك السمكة بمجرد رؤيتها. وهكذا أيضا الحطب إذا خرج إلى مواضع الحطب فرأى حطبا ما يقول: هذا الحطب لي حتى يحوزه. إذا جمعه وحازه فهو له أحق به. أما الحطب في مكانه فإذا جاء أحد ويحطب قال: لا هذا الحطب لي. ما له حق بذلك. أنا شركاء في الحطب شركاء فيه إلا إذا حازه وسبق إليه فهو أحق به. وهكذا الحشيش مواضع الرعي التي ليست لأحد، من سبق إليها فهو أحق برعيها. قال: ونحوها من المباحات. قال: ويدخل فيه السبق إلى المساجد أو الجلوس في الأسواق أو البيوت المسبلة إذا لم تتوقف على ناظر يقرر فيها. السبق إلى المساجد إذا سبق إلى المسجد وجلس في موضع ليس لأحد فهو أحق به. لأن المواضع التي في المسجد لا تملك لأحد. أما أن يأتي مثلا فيجلس في مكان غيره ويعلم أن هذا المجلس لفلان يجلس فيه أو جلس فيه فقام مثلا يتوضأ وأراد أن يرجع فلا يجلس له أن يجلس فيه. لكن مكان ليس لأحد في المسجد يجلس في أي مكان، من سبق إليه فهو أحق به. كذلك الجلوس في الأسواق، أراد أن يجلس في السوق ما أحد يمنعه. لأن الأسواق ليست ملكا لأحد، بل من سبق إلى موضع أراد الجلوس فيه فهو أحق به. البيوت المسبلة أي الموقوفة. البيوت الموقوفة إذا أوقف إنسان بيتا قال: هذا البيت لطلاب العلم. البيت فيه شقة مثلا فجاء طالب علم قال: أنا أريد أن أسكن. فسكن في البيت وجاء آخر سكن في الشقة الثانية. جاء ثالث يقال له: خلاص قد سبقك هذان الاثنان. ما يقول: أنا أحق أنا أولى به السكنة بهذا البيت. يقال: هذا البيت موقوف لطلاب العلم. بل سبق من طلبة العلم فهو أحق به أن يسكنه. أو بيت للفقراء والمساكين فجاء مسكين وسكن فيه ثم جاء بعده شخص آخر. فلا يقول: أنا أحق أنا أولى أن أسكن. أخرجوا هذا الذي أدخلتموه. يقال: هذا سبق فهو أحق بالسكنة فيه. قال: إذا لم تتوقف على ناظر يقرر فيها يعني إذا كان البيت المسبل الموقوف ليس له ناظر. فمن سبق فهو أحق. أما إذا هناك ناظر للوقف يقوم على هذا الوقف ويرتب أموره. فيكون الأمر عند الناظر يكون الأمر عند الناظر. يضع في البيت من يراه أولى وأحق بذلك. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.