الدرس في التعليق على أصول في التفسير للعثيمين 21، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الشيخ ابن عثيمين شرحه بتقسيم القرآن باعتبار الإحكام والتشابه إلى ثلاثة أنواع، مبيناً أن الإحكام العام يشمل القرآن كله لخلوه من التناقض، والتشابه العام يصف تماثل آياته في الكمال والهدى، بينما يختص الإحكام الخاص والتشابه الخاص بآيات دون أخرى. ويوضح معنى الآية المحكم بأنها الواضحة الجلية المعنى التي لا تحتمل التأويل، مستشهداً بآيات خلق الناس من ذكر وأنثى وأمر العبادة وتحليل البيع.
يفصل المقطع الفرق بين الآيات المحكمات الواضحات الدلالة كآية تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، والآيات المتشابهات التي تخفى دلالتها على غير الراسخين في العلم. ويضرب أمثلة على المتشابه في آيات الصفات كقوله تعالى (بل يداه مبسوطتان) وآيات الأحكام كالتوفيق بين آية (ما أصابك من حسنة فمن الله) وآية (قل كل من عند الله).
يوضح المقطع عدم التناقض بين نسبة السيئة للنفس في قوله تعالى (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) ونسبتها لله في قوله (قل كل من عند الله)، فالأولى تنسب لسببها وهو ذنب العبد والثانية لخالقها سبحانه. كما يبين أن آية (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك) ليست على ظاهرها بل من باب إلجام الخصوم وإقامة الحجة على المكذبين، والخطاب موجه للكفار لا للنبي ﷺ.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: تكلم الشيخ ابن عثيمين -عليه رحمة الله- في تنوع القرآن باعتبار الإحكام والتشابه. وذكر أن القرآن يتنوع باعتبار الإحكام والتشابه إلى ثلاثة أنواع، فأخذنا نوعين من هذه الثلاثة: النوع الأول: الإحكام العام، ومعنى ذلك: الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه، فبهذا الاعتبار القرآن كله محكم، كما قال الله: ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾، وكما قال: ﴿ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾. ثم ذكر النوع الثاني من تلك الأنواع، وهو: التشابه العام، وعرفنا ما معنى التشابه العام، وهو الذي وصف به القرآن كله، ومعنى هذا التشابه: أن يشبه بعضه بعضًا في الكمال والجودة والغايات الحميدة، فبهذا الاعتبار القرآن متشابه، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا ﴾. قال: النوع الثالث: الإحكام الخاص ببعضه والتشابه الخاص ببعضه. إذن هناك إحكام عام، وتشابه عام، وإحكام خاص، وتشابه خاص، فهمنا؟ فالنوع الثالث هو الإحكام الخاص ببعضه والتشابه الخاص ببعضه، قال: مثل قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾، يعني بعضه متشابهات وبعضه محكم. ولذلك قال: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾. وما معنى هذا الإحكام؟ قال: ومعنى هذا الإحكام أن يكون معنى الآية واضحًا جليًا لا خفاء فيه، بمجرد أن تقرأه تعلم معناه والمراد منه، فهذا يسمى محكمًا بهذا الاعتبار: واضح، جلي، لا خفاء فيه في المعنى. مثل قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾. هذا محكم، فمعنى الآية: يخاطب الله عز وجل جنس البشر، جنس الناس: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ ﴾، يعني فيكم الذكر وفيكم الأنثى، وهذا واقع، ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾: شعوب عامة، وقبائل أخص. الشعوب بمعنى العموم: شعب يمني، شعب كذا، شعب حجازي، شعب شامي، شعب... هذه الشعوب، وقبائل خاصة تندرج تحت هذه الشعوب: قبيلة بني حمير، قبيلة بني ظفر، قبيلة كذا وكذا. هذا واضح محكم، أليس كذلك؟ معناه واضح. وقوله كذلك من معنى المحكم: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. هذه الآية معناها واضح، فيها الأمر بعبادة الله، جميع الناس مأمورون بعبادة الله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ ﴾، فهو الخالق الذي يستحق العبادة، الذي خلقهم والذين من قبلكم، خلقكم وخلق من كان قبلكم وخلق كل الخلق، وإن عبدتم الله فحصلتم على التقوى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، المعنى واضح في هذه الآية. وقوله: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ﴾، معروف: البيع أن تشتاق نفسك إلى سلعة بيد أخيك فتعطيه مالًا وتأخذ منه هذه السلعة، هذا يسمى بيعًا معروفًا، فأحل الله البيع. وقوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾. وهذه الآية واضحة: حرم الله علينا من المأكولات الميتة، الذي مات حتف أنفه ليس بذكاة شرعية، فهذا لا يجوز أكله، وهكذا الدم لا يجوز شربه، وهكذا لحم الخنزير، ذاك الحيوان لا يجوز أكله، وما أهل لغير الله يعني ما ذبح لغير الله، فهذا أيضًا لا يجوز للمسلم أن يأكله. الآية معنى واضح، صح؟ فهذا يسمى ماذا؟ محكم، يسمى محكمًا واضحًا. قال: ومعنى هذا التشابه، ما معنى المتشابه الخاص في بعض القرآن؟ ما معنى؟ قال: ومعنى هذا التشابه: أن يكون معنى الآية مشتبهًا خفيًا، بحيث يتوهم منه الوهم ما لا يليق بالله تعالى أو كتابه أو رسوله، ويفهم منه العالم الراسخ في العلم خلاف ذلك، يعني ليس كل الناس يفهمونه ويعلمونه، فقد يخفى معنى على بعض الناس ولا يفهمه إلا العلماء. ولذلك قال: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾ على قراءة الوصل، لأن الآية جاءت بقراءتين في الوقف والوصل، فعلى قراءة الوصل يكون المعنى: ما يعلم هذا المتشابه إلا الله والراسخون في العلم، هذا على قراءة الوصل، فإذا المتشابه يعلمه العلماء لكن يخفى على من هو دونهم في العلم، واضح هذا الآن؟ فهذا هو معنى المتشابه في هذا النوع. قال: مثاله فيما يتعلق بالله تعالى: يتوهم واهم من قوله تعالى: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾، أن لله يدين مماثلتين لأيدي المخلوقين، فهذا قد يقع في بعض عامة الناس، في بعض أذهان عامة الناس، لكن أهل العلم يقولون: نعم، لله سبحانه وتعالى يدان تليقان بجلاله، فنثبت هذه الصفة لله عز وجل كما تليق بجلاله، ولا نمثلها ولا نكيفها، بل نثبتها كما تليق بجلاله سبحانه وتعالى. فأهل العلم قالوا: نعم، ربما تكون آيات وأحاديث الأسماء والصفات مشتبهة عند بعض الناس، لكن عند العلماء وطلاب العلم ليس من باب المتشابه بل هو من باب المحكم. ومثاله فيما يتعلق بكتاب الله تعالى: أن يتوهم واهم تناقض القرآن وتكذيب بعضه بعضًا، حين يقول: ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾، ويقول في موضع آخر: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ﴾. طيب، ما معنى هذا؟ معنى هذا فيما يتعلق بكتاب الله: يعني من الآيات بعض الناس قد يفهم من بعض الآيات التناقض أو التعارض، وهذا لقلة علمه. فمثلا هذه الآية: ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾، حسنة يعني خيرًا، ما يُصيبك من الخير فمن الله، ﴿ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾، ما المراد بالسيئة؟ يعني الشيء الذي يسوءك: مرض، فقر، ألم، نحو ذلك، قال: ﴿ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾، فما معنى من نفسك؟ هل معنى: أنت الذي خلقته؟ لا، ليس معنى: أنت الذي خلقته، وإنما المراد: ﴿ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ أي بسبب نفسك، أي بسبب معاصيك، فأنت السبب بسبب معاصيك. هذه الآية الأولى عرفنا معناها، صح؟ طيب، الآية الثانية: يقول الله عز وجل: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ﴾، هذا مطابق للآية، صح؟ ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾، هذا ما في إشكال به، الآية الثانية توافق في هذا... في هذه الآية الأولى، أول ما جاء في هذه الآية يوافق أول ما جاء في الآية التي قبلها، صح، ما في إشكال. لكن يشكل عليه ما جاء في آخرها، وهو قوله: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ﴾، يعني الحسنة والسيئة من عند الله. طيب، كيف يقول لك في الآية الأولى: ﴿ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾، وهنا يقول: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ﴾، السيئة الحسنة والسيئة؟ فيقال: معنى الآية الثانية: أن الحسن من الله والسيئة من الله باعتبار أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقها، واضح؟ هو الذي خلقها وأوجدها. فهل هناك تناقض بين الآيتين؟ لا، المعنى الأول: ﴿ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ يعني بسبب ذنوبك، بسبب ذنوبك، ليس معنى: أنت الذي أوجدتها وأنت الذي خلقتها، لا، أنت سبب في وجودها بما كسبته يداك من المعاصي، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ﴾، يعني بسبب أنفسكم، بسبب مخالفتكم. فهمتم هذا الآن؟ فإذا لا يفهم التعارض أو التناقض بين ما جاء في الآية الأولى وما جاء في الآية الثانية، فهذا قد يكون متشابهًا عند بعض الجهال، أو عند بعض المعاندين والممترين بالباطل، أما عند أهل العلم فهذا ليس من التناقض، والقرآن ليس فيه تناقض أبدًا بأي وجه من الوجوه، واضح هذا الآن؟ هذا بالنسبة لما يتعلق بكتاب الله. قال: ومثاله فيما يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يتوهم واهم من قوله تعالى: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾. قال -يرحمه الله-: قال الظاهريون: إنه صلى الله عليه وسلم كان شاكًا فيما أنزل إليه، وليس الأمر كذلك، وإنما هذا من باب إلجام الخصم، من باب إلجام الخصم ومحاجة المعاندين، وهذا دارج حتى في كلام الناس، مثلاً الآن: أنت تريد أن تقنع أحد الناس بأمر ما، فتقول له: «إن كنت شاكًا في كلامي فاسأل الناس كلهم»، هل معنى أن فلان شاك في كلامه؟ لا، وإنما يؤكد صدق ما عليه هذا القائل. فهمتم هذا الآن؟ فهذا معنى قوله: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ﴾، فيأيها الكفار، النبي عليه الصلاة والسلام أرسل بالحق وأرسل بالعلم، فاسألوا من شئتم ممن يقرؤون الكتاب من قبلكم، فهو الخطاب في الحقيقة ليس موجهًا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، بل هو موجه إلى الكفار والمعاندين من المشركين، فهو من باب إلجامهم وإقامة الحجة عليهم. طيب، نكتفي بهذا وإلينا الله تعالى. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر