الدرس في شرح منظومة الألبيري 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يحذر المحاضر من التكبر والاغترار بالمال الذي يلهي عن ذكر الله، موضحاً أن المال الحقيقي هو العلم النافع الذي يهدي صاحبه لحلاله وحرامه. ويبين أن الجاهل لا قيمة له عند الناس حتى لو امتلك خزائن الأرض.
يوضح أن عز العالم واحترام الناس له نابع من استغنائه عن دنياهم وحاجتهم إلى علمه، محذراً من كتمان العلم الذي يُكتب عليه الإثم. وينبه إلى أن تشييد المباني وجمع المال لا يغني عن صاحبه إذا هدم جهله نفسه، مؤكداً أن تفضيل المال على العلم جهل وظلماً.
يعقد الناظم مقارنة تظهر تفوق العالم على الغني من حيث لواء العلم، جلوسه على المعارف، ركوب مناهج التقوى، واكتساب الحكم اليومية مقابل الشهوات. ويعلن المحاضر انتهاء الوقت وتأجيل ما تبقى للجلسة القادمة إن شاء الله.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال الإلبيري رحمه الله في منظومته التائية: «ولا تختل بمالك وله عنه، فليس المال إلا ما علمت». نعم، فقوله هنا: «ولا تختل بمالك»؛ لا يزال الناظم رحمه الله يسدي نصائحه لذلك المنصوح، فقال له: «ولا تختل بمالك وله عنه». ومعنى «ولا تختل»: لا تغتر، ولا تتكبر، ولا تتعجب؛ فالمراد به العجب بالنفس، والكبرياء، والعلو على الناس بسبب هذا المال. «لا تختل بمالك»: لا تتكبر. «وله عنه»: أي اشغل نفسك عنه، عن هذا المال، بما ينفعك وبما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى ويدنيك منه، فلا تلتهي بهذا المال. وقد حذرنا ربنا سبحانه وتعالى من أن يلهينا المال، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. فربما الإنسان إذا أعطي المال كان هذا المال ضراً عليه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾، يعني يغتر بهذا المال. فسمى الله عز وجل المال فتنة، كما في الآية الأخرى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾. فلا تقول: أنا في فقر وفي قلة ذات يد، ما يدريك؟ لعلك إذا أعطيت المال ما تجلس في مثل هذه المجالس الطيبة، تلهو بهذا المال، تمرح وتغتر وتترفع على طلاب العلم وعلى المساكين. ولذلك حذر ربنا سبحانه وتعالى نبيه من أن يترك مجالس الطيبين المؤمنين، فقال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. فإذا إن أعطاك الله المال، لا تغتر بهذا المال، ولا تتكبر، وله عن هذا المال بما ينفعه، لا يلهيك هذا المال، بل أن تلتهي عنه بما ينفعك. هذا هو معنى ذلكم البيت: «ولا تختل بمالك وله عنه». ثم قال: «فليس المال إلا ما علمت»، أي: إلا العلم النافع الذي تقدم الحث عليه والترغيب فيه. «فليس المال»: فليس المال إلا ما علمت، أي: إلا العلم النافع الذي تنال به خير الدنيا والآخرة؛ لأن بالعلم تتميز الأمور، وبالعلم تعرف الأموال من حيث نافعها وضارها، ومن حيث حلالها وحرامها، ومن حيث إنفاقها وإخراجها، ومن حيث الحذر من الإفتتان بها. من يعطي المال ولم يعطَ العلم يتخبط بهذا المال، صح، يتخبط بهذا المال. فالعلم هو الذي يقودك في كل شيء: في مالك، في أهلك، في سيرك، في خروجك، في دخولك، في معاملاتك، في جميع أمور شؤونك. فالعلم هو المال الحقيقي، هو المال الحقيقي. «فليس المال إلا ما علمت». وبالعلم كذلك تميز بين العمل الصالح وغيره. ولذلك صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من أذكار الصباح: كان عليه الصلاة والسلام كل يوم بعد صلاة الصبح يقول في دعائه: «اللهم اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً». تأمل عن معاني هذا الحديث: أولاً، يقول النبي عليه الصلاة والسلام ذلك الدعاء بعد صلاة الصبح خاصة، لماذا؟ لأن الإنسان في نهاره يغدو في هذه الحياة، صح، فهو يطلب علماً ومالاً وعملاً، صح. فأنت تدعو الله عز وجل أن يكون يومك مليئاً بالعلم النافع والرزق الطيب والعمل المتقبل. الشاهد من هذا الحديث أي شيء؟ قدم في هذا الحديث: العلم. قال: «اللهم إني أسألك ماذا؟ علماً نافعاً»، ثم ذكر الرزق، ثم ذكر العمل المتقبل: «ورزقاً طيباً وعملاً متقبلاً». فابتداؤه عليه الصلاة والسلام بالعلم دليل على أن العلم هو أساس لكل شيء، فهو أساس للرزق الطيب الذي هو المال. فإن لم يكن عندك علم وفقه، ربما يكون هذا المال وبالاً عليك، ربما تدخل هذا المال بطريق محرم: برِبا، برشوة، بكذب، تدليس، خداع؛ لأنك بعيد عن العلم، فتقع في هذه المخالفات وفي هذه المكاسب الخبيثة. فإذن العلم لا بد أن يكون في أول كل شيء. ولذلك بوَّب الإمام البخاري في صحيحه: «باب العلم قبل القول والعمل»، قبل كل شيء: العلم قبل القول والعمل. ثم استدل بقول الله عز وجل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، فبدأ به العلم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾. فإذن المال الحقيقي المثمر في الدنيا والآخرة هو ماذا؟ العلم، العلم النافع، فهو المال الحقيقي. فهذا معنى قوله: «فليس المال إلا ما علمت»، وليس ما جمعت من حطام هذه الدنيا. ثم قال: «وليس لجاهل في الناس مغن، ولو ملك العراق له تأتى». قوله: «وليس لجاهل في الناس مغن»، وفي بعض النسخ: «وليس لجاهل في الناس معنى»، والمعنيان متقاربان. والمراد أن الشخص الجاهل الغارق في جهله لا نفع له ولا فائدة له للآخرين؛ فإذا سلموا من مضرته لم ينتفعوا به لأنه جاهل. «فليس لجاهل في الناس مغن»: ما يغنيهم وما ينفعهم. وعلى الرواية الأخرى: «معنى»، يعني: ليس له أهمية ولا قدر عند الناس لأنهم لا ينتفعون به. فالمعنى متقارب. وهذا من أضرار الجاهل: أن الجاهل لا ينفع نفسه، فضلاً أن ينفع الناس. ثم قال: «ولو ملك العراق له تأتى». ومعنى «ولو ملك العراق له تأتى»: العراق في ذاك الزمن كانت من أكبر الدول ومن أعظمها، فكان يضرب بها المثل في الملك لسعته، وكذلك كثرته. فيقولون: «ولو ملك العراق له تأتى»، يعني: ولو صار له ملك العراق، أي أن عنده أموالاً كثيرة، لكنه جاهل، فليس بمغنٍ عن الناس شيئاً، أي: ليس بنافع لهم، ليس بنافع لهم لأنه جاهل. والعكس بالعكس: العالم له معنى بين الناس، وله قدر، وله منزلة، وإن كان من أفقر الناس، ولو كان من أفقر الناس. انظروا إلى السلف كالحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وغيرهما، كانوا من العلماء، وكان الناس يزدحمون على مجالسهم. قيل للحسن البصري: يا إمام، كيف الناس يحبونك ويزدحمون في مجلسك؟ ما سبب ذلك؟ فقال رحمه الله: «لأنهم احتاجوا إلى علمنا، ولم نحتج إلى دنياهم». ما كانوا يذلون أنفسهم عند أهل الأموال، ولا كان يسألون الناس من حطام هذه الدنيا، كانوا عفاة، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، والناس بحاجة إليهم إلى علمهم، فصاروا في عزة وفي مكانة علية بين الناس، مع أن ما عندهم أموال الملوك. عندهم أموال، والناس لا يجتمعون لهم إلا بالقوة أو الطلب. كما قالت أم هارون الرشيد لما جرى الناس خلف ابن المبارك، فأشرفت من كوة، قالت: من هذا؟ قالوا: هذا ابن المبارك، عالم من علماء خراسان. فقالت: والله هذا الملك، ليس ملك هارون الذي يجمع الناس بالقوة والشرط، يعني: بالقوة ورسل الشرط إلى الناس ونحو ذلك. هذا هو الملك. فإذا هذا كذلك: حث على طلب العلم، وعلى كذلك التخلص من الجهل. ثم قال: «سينطق عنك علمك في ملاء، ويكتب عنك يوماً إن كتمت». ما معنى هذا؟ «سينطق عنك علمك»: هنا يذكر حال من كان عنده علم، إن كان ممن يفيد الناس وينفع الآخرين، فإن علمه ينطق عنه في الملأ. ومعنى «في ملاء»: يعني في ملأ، والملأ سُمِّيَ ملأً لأنه بمعنى الاجتماع، فالمراد بهم القوم، يقال لهم ملأ لأنهم يملأون المكان. العالم علمه يفرض على الناس، ينطق عنه علمه، فكلامه يكون مسموعاً ويكون محبوباً، فينطق عنه علمه في أماكن اجتماع الناس. هذا متى؟ إذا انتفع الناس بعلمه وعمل بعلمه. «ويكتب عنك يوماً إن كتمت»: ومعنى «ويكتب عنك يوماً»: «عنك» هنا أتت بمعنى «على»، وحروف الجر تتناوب. يعني: يكتب عليك إن كتمت العلم، ولم تنفع الناس بهذا العلم الذي أعطيته، الذي أعطيته. فيكون المعنى: ويكتب عليك، يعني: إن كتمت العلم، عقبت عليه، وكتب عليك سيئات. وجاء في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من سئل عن علم فكتم، ألجم يوم القيامة بلجام من نار». فكتمان العلم يكتب على كاتبه، على كاتبه، ويعاقب على ذلك. فهذا معنى قوله: «ويكتب عنك»، يعني: يكتب عليك يوماً إن كتمت، يعني: إن لم تنفع الناس بهذا العلم، فكتمت هذا العلم، ولم تبلغه، ولم توصله إلى الآخرين. هذا هو المعنى. ثم قال: «وما يغنيك تشيد المباني، إذا بالجهل نفسك قد هدمت». ومعنى «ما يغنيك»: ما ينفعك، ما ينفعك ولا يغني عنك شيئاً. «تشيد المباني»: والتشيد يعني رفع البناء، والمراد به إقامة العمران والأدوار المتكررة والمباني. والآخر تنشغل بعمارة هذه الدنيا، هذا ما يغني، ما يغني عنك شيئاً. «إذا بالجهل نفسك قد هدمت»: إذا انشغلت بذلك على حساب العلم، فقد رضيت لنفسك الجهل مقابل أنك تشيد في هذه الدنيا. هذا ما يغني عنك شيئاً. وليس معنى هذا أن المسلم يحرم عليه أن يبني بيتاً طيباً، وأن إذا رزقه الله المال الكثير أن يأخذ من طيبات هذه الدنيا، سواء كان في المباني أو المآكل أو المشارب. لا، ليس المعنى ذلك. ولكن المعنى: أن يشغل نفسه بتلك العمارات وتلك البنايات، ويرضى لنفسه الدون، أي: الجهل. هذا هو المذموم، هذا هو المذموم. فهذا معنى قوله: «وما يغنيك تشيد المباني، إذا بالجهل نفسك قد هدمت». فالذي يرضى لنفسه الجهل فقد هدمها، وذلك بعدم التعلم والتفقه في دين الله سبحانه وتعالى. فكثير من الناس اليوم، مسأل الله السلامة والعافية، يهتم بالدنيا من حيث البناء والعمران، وإصلاح الدنيا إصلاحاً بالغاً واهتماماً كبيراً، وضروريات الدين وواجبات الشريعة يجهلها ولا يعلمها، فهو حاذق بأمور دنياه، جاهل جهلاً مطبقاً بأمور أخراه. هذا هو المذموم، هذا هو المذموم. فكن وسطاً: فلا تشغلك هذه الدنيا على حساب الدين، ولا تترك الدنيا بالكلية فتكون عالة على غيرك، وإنما المراد الوسط. فهذا معنى قوله: «وما يغنيك تشيد المباني، إذا بالجهل نفسك قد هدمت». ثم قال: «جعلت المال فوق العلم جهلا، لعمرك في القضية ما عدلت، وبينهما بنص الوحي بون، ستعلمه إذا طه قرأت». قوله: «جعلت المال فوق العلم جهلا»: يعني من الأخطاء جعل مكانة المال فوق مكانة العلم. كيف تعرف أن فلاناً جعل مكانة المال فوق مكانة العلم؟ تجده حريصاً على المال، لا يضيع موسماً من مواسم الدنيا، ولا يفرط في درهم من دراهم تلك الأموال، أما في أمور العلم فتجده مفرطاً في مجالس العلم، وفي تتبع مجالس العلماء وطلاب العلم. هذا دليل على أن قلبه قد ملأ حباً وشغفاً بالدنيا، والعياذ بالله. فمن الأخطاء العظيمة أن تجعل مكانة المال فوق مكانة العلم. فيقول: «لو فضلت المال على العلم جهلا»، أي: جهلا منك بمكانة العلم، وإلا فمن يفضل المال على العلم إلا الجاهل؟ وقد تقدم معنا منزلة العلم، فمن عرف قدر العلم ما قدم المال عليه. ولذلك قال: «لعمرك في القضية ما عدلت»، أي: لم تنصف في القضية لما قدمت المال على العلم. أنت ظالم في الحكم، ما عدلت، ما أنصفت. «لعمرك في القضية ما عدلت». و«عمرك» الصحيحة أن هنا ليست قسماً، ليست قسماً، إنما هي كلمة جرت بها الألسنة، وليست هي من باب القسم. وللشيخ حماد الأنصاري رحمه الله رسالة في لفظة «لعمرك»، وبينا أنها ليست من باب القسم، وإنما العرب تذكرها من باب ما جرت عليه ألسنتهم؛ لأن لو قلنا: من القسم، لكان قسماً بغير الله، صح، لأن اللام يسمونها لام القسم، فكأنه يقول: «وعمري»، و«عمري». ولكن العلماء قالوا: هذا ليس من باب القسم، وإنما كلمة جرت على اللسان. فالمهم: معنى قول الناظم: أن من قدم المال وجعله فوق العلم، فلم يكن منصفاً ولا عدلاً. لماذا؟ لأن «بينهما بنص الوحي بون». «بينهما»: يعني بين العلم والمال، بين العلم والمال «بون»، والبون هي المسافة الشاسعة والفرق الكبير. فبين العلم والمال مسافة شاسعة وفرق كبير. «ستعلم ذلك إذا طه قرأت»: يعني إذا قرأت سورة طه، ستدرك الفرق والبون الشاسع بين العلم والمال. ويريد بقوله: «إذا طه قرأت»: ما جاء في سورة طه من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. فهنا طلب الزيادة من ماذا؟ طلب الزيادة والتزود والتحصيل بالعلم. لم يقل: «فقل ربِّ زدني مالاً»، ولا: «وقل ربِّ زدني نصيباً وحظاً وآفراً من هذه الدنيا»، إنما طلب الزيادة من ماذا؟ من العلم. ولو كان شيء أفضل من العلم، لطلب منه الزيادة. فلم تطلب الزيادة إلا من العلم، فدل ذلك على أنه أفضل من كل شيء، أفضل من كل شيء. فهذا معنى قوله: «ستعلمه إذا طه قرأت». فإذا من يحكم في هذه القضية: أيهما أفضل، العلم أو المال؟ ويقرأ هذه الآية من سورة طه، أيهما المقدم، وأيهما أفضل، وأيهما أنفع: المال أو العلم؟ لا شك أن كل مجيب سيقول: العلم، العلم أفضل. وهكذا هو المقدم على المال، على المال. ثم الناظم عقد مقارنة بين الغني والعالم، بين رجل حصل مالاً كثيراً، ورجل حصل علماً نافعاً، فجعل هذه المقارنة في هذه الأبيات التي ستأتي. فقال: «لئن رفع الغني لواء مال، لأنت لواء علمك قد رفعت». إذا افتخر الغني بالمال، وقال: أنا عندي كذا وكذا، رفع لواء المال، رفع لواء المال بالافتخار به، أو بالإشادة بهذا المال، وذكر ما عنده من هذا المال. «لئن رفع الغني لواء مال، لأنت لواء علمك قد رفعت». إذا قال: أنا عندي مليونان، يقول له: أنا عندي ثلاثة ملايين فائدة، ودرست كذا وكذا كتاباً. ارفع لواء العلم، ارفع لواء العلم. «لئن رفع الغني لواء مال، لأنت لواء علمك قد رفعت». هذا هو المراد بذلك، هذا هو المراد بذلك. ثم قال: وهو يعقد مقارنة بين الغني والعالم، وبين ذي المال وذي العلم: «لئن جلس الغني على الحشايا، لأنت على الكواكب قد جلست». يعني: إذا كان الغني يجلس على الحشايا، والحشايا هي الفرش المحشية التي تريح الجالس، يجلس في أفخر المفروشات. ها الآن تفنن الناس في المفروشات، أتوا بالمجالس العربية ما شاء الله، وبها الفرش الناعمة، هذه هي الحشايا. الحشايا هي الفرش المحشية التي تريح الجالس. فالغني إذا جلس على هذه الفرش المريحة، قال له: «لأنت على الكواكب قد جلست». ومراده بالكواكب: المعارف الواسعة، والعلوم النافعة الطيبة التي تشرح الصدر، وكذلك تطمئن القلب. فهذا أعظم ما يجلس عليه العالم وطالب العلم: «لأنت على الكواكب قد جلست». نعم، تجلس على الفراش الخشن، والفراش القوي القاسي، لكن تطلب العلم، كأنك جالس على أفخر المفروشات، صح، لما تجد في قلبك من الراحة والطمأنينة والعلم والفائدة. فإذا لا تحزن أن الغني يجلس على الحشايا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر، لما رآه عمر رضي الله عنه على حصير قد أثر على جنبه، فقال له: يا رسول الله، أنت رسول الله وتجلس على هذا الحصير، وفارس والروم يجلسون على كذا وكذا، يعني: من الفرش الطيبة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أما ترضى يا عمر أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» انظر كيف تربية النبي عليه الصلاة والسلام. نعم، المؤمن ما تهمه الدنيا، عاش في بيت ضيق، أو في بيت يعني متواضع، نام على حصير، على بلاط، ما يهمه ذلك، طالما أن قلبه معمور بالعلم والمعرفة والإيمان، فينشرح صدره ويطمئن قلبه، فكأنه جالس على الكواكب، مرتفع عالٍ. وهذه هي عيشة العلماء. نعم، هذا معنى قوله: «لأنت على الكواكب قد جلست». ثم قال: «وإن ركب الجياد مسومات، لأنت مناهج التقوى ركبت». والجياد هي الخيل، التاجر في ذاك الزمان ما عندهم سيارات، عندهم الخيول، وهي من أنفس أموالهم. فيقول الغني هذا: «إن ركب الجياد المسومات»، والجياد المسومات: أي التي عليها العلامات والوسم، أن هذه لفلان، يضعون عليها علامات من وسم ونحوه. فإذا ركب هذا الغني أفخر المركوبات، كما أنه في البيت الذي قبله يجلس في أفخر المفروشات، وفي هذا البيت يركب في أفخر المركوبات. يمكن الآن في زماننا يقول: يركب في أفخر السيارات. السيارات الآن تتفاوت، ربما أحياناً تطلع سيارة لرجل غني تتعجب من يعني فخامة هذه السيارة. فإن ركب الغني هذه المركوبات الفاخرة الغالية المريحة، «لأنت يا أيها العالم ويا أيها طالب العلم مناهج التقوى ركبت». يعني: حصلت التقوى هي التي تسير بها إلى أعلى الدرجات. هو يسير بهذه المركوبات السريعة الفاخرة، فأنت تركب وتسير في أعلى الدرجات ورفيع المقامات، ألا وهي تقوى الله سبحانه وتعالى. فهذه المركوبات، مركوبات الأغنياء، توصلهم إلى أين؟ إلى مطالبهم الدنيوية. لكن التقوى، إذا ركبتها، وذلك بطلب العلم، أين توصلك؟ أين توصلك إذا ركبت مناهج التقوى؟ إلى أعلى الدرجات، وإلى المنازل العاليات في جنات النعيم. نسأل الله وإياكم أن يرزقنا إياها. فإذا لا تقلق ولا تحزن عندما ترى أهل الأموال قد تمتعوا بأموالهم، فأنت قد تمتعت بما هو أعظم من نعيمهم، ألا وهو العلم والمعرفة، وكذلك التقوى. هذا هو المعنى. ثم قال: «ومهما افتض أبكار الغواني، فكم بكر من الحكم افترضت». تعرفون الأغنياء يتمتعون بهذه الأموال، إما في المركوبات، وإما في المفروشات، وإما في المأكلات، وإما في المشروبات، وإما في المنكوحات، صح؟ فتجد الغني يتزوج، واختار البنت الصغيرة البكر. فقوله هنا: «فكم بكر»، قوله هنا: «ومهما افتض أبكار الغواني»، يعني: مهما تزوج من النساء الأبكار، ففض بكارتهن. وهذه كذلك الأبكار غواني، والغواني يعني: غنيات بجمالهن، بمعنى: أنهن ذات جمال، ذات جمال. فلا تحزن، «لأنت» قال: «فكم بكر من الحكم افترضت». كم نلت وحصلت من فوائد جديدة، ومن علوم جديدة ما كنت تعلمها، كل يوم وأنت تقتني وتتصيد علوماً جديدة. ذاك يتصيد نساء جدد، وأنت تتصيد فوائد جديدة، وأنت تتصيد فوائد جديدة. «فكم ذكر من الحكم افترضت»: الحكم يعني العلوم الجديدة النافعة. فإذا لا تحزن، ففضل العلم عظيم، وكل يوم وأنت تزداد علماً ومعرفة، وتزداد خشية وقرباً من الله سبحانه وتعالى. فهذا أعظم وأجل مما يتمتع به أصحاب الأموال، مما يتمتع به أصحاب الأموال. هذا هو المراد بذلك. ولانتهاء الوقت، وحتى لا نظلم درس أصول في التفسير، فنكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.