شرح لمعة الإعتقاد 4

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 4، ألقاها

اتباع سنة النبي وتحذير من البدع

النص يحث على اتباع سنة النبي والخلفاء الراشدين ويحذر من البدع والمحدثات. يشمل ذلك الأقوال والأفعال والأعقاد المخترعة بعد وفاته.

لزوم سنة النبي في جميع أبواب الدين

يجب لزوم ما كان عليه النبي والصحابة في جميع أبواب الدين واجتناب البدع والمحدثات واتباع السلف في سائر الأبواب.

اتباع السلف في الاعتقاد والعبادة

النبي وأئمة السلف يحثون على اتباع طريقتهم في الاعتقاد والعبادة ويحذرون من الابتداع والغلو أو التقصير عن منهجهم.

منهج السلف في الأسماء والصفات

يشدد على اتباع منهج السلف في باب الأسماء والصفات بإمرار النصوص كما جاءت وإثبات المعاني دون تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله في كتاب «لمعة الاعتقاد»: «قال: وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم والاهتداء بمنارهم، وحذرنا المحدثات وأخبرنا أنها من الضلالات». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». ذكّر رحمه الله في هذا الموضع بيان ما ورد في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا أيضا شيئا من آثار السلف في الترغيب في السنة والتحذير من البدعة. فقال: «أمرنا بالاقتفاء لآثارهم». الاقتفاء يعني الاتباع، أن نتبع آثار السلف فيما كانوا عليه في باب الاعتقاد وفي باب العبادات وغيرها. «والاهتداء بمنارهم» يعني بنور الكتاب والسنة الذي كانوا عليه عقيدة وعبادة وعملا. لأن لهم نورا ظاهرا، أو نورا يشع كما يعتقد المتصوفة في مشايخهم، لكن المراد بالمنار منار الكتاب والسنة. «وحذرنا المحدثات وأخبرنا أنها من الضلالات»، ثم ذكر حديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه، وهو حديث صحيح، رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، وكذلك الترمذي وابن ماجة، وصحاح غير واحد من أهل العلم. وفي حث النبي عليه الصلاة والسلام على اتباع السنة، اتباع سنته: «عليكم بسنة»، عليكم يعني إلزموا، اسم فعل أمر بمعنى إلزموا. والسنة لغة الطريقة، سواء كانت محمودة أو مذمومة، كما قال القائل: «من معشر سنت لهم آباؤهم، ولكل قوم سنة وإمامها». وفي الاصطلاح، في الشارع، يراد بها ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من قول أو فعل أو اعتقاد أو تقرير. والبدعة في اللغة بمعنى الأمر المخترع أو الشيء المحدث، وفي الاصطلاح ما أحدث بعد النبي عليه الصلاة والسلام من قول أو فعل أو اعتقاد على قصد التعبد والتقرب إلى الله جل وعلا. فحث النبي عليه الصلاة والسلام، وقبل ذلك في باب البدع، مثلا البدع الاعتقادية كاعتقاد أن الله في كل مكان، هذه بدعة عقدية، ما كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة. ومن البدع القولية كالقول بخلق القرآن، وهكذا يظن الزيادة في الأذان «حي على خير العمل»، وبعض الأذكار التي يفعلها بعض الناس مما لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. والفعلية كفعل الموالد، أو تخصيص بعض العبادات بزمن أو مكان معين باعتقاد أن هذا أفضل، نحو ذلك. فهذا من البدع، كمن صلى بمكان معين، أو صلى مثلا عند القبور، أو دعا عندها باعتقاد أن هذا أدعى للإجابة، هذا من البدع. إن كل ما أحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو اعتقاد بقصد التقرب إلى الله لم يكن في عهد النبي عليه الصلاة والسلام فهو بدعة. فالنبي عليه الصلاة والسلام أرشد إلى التزام سنته: «عليكم بسنة»، يعني إلزموها وتمسكوا بها وعملوا بها. لهذا قال: «عضوا عليها بالنواجذ»، النواجذ هي أضراس الأسنان القوية. ومثل حديث الذي عند الحاكم في قوله عليه الصلاة والسلام: «تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك». مثل البيضاء يعني سنته عليه الصلاة والسلام، بيضاء نقية صافية خالية من شوائب البدع والمحدثات والضلالات. لا يزيغ عنها يبتعد عنها ويبتغي غيرها إلا هالك. فحث عليه الصلاة والسلام على لزوم سنته، ولزوم سنة الخلفاء الراشدين، والمراد بهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. وقال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث سفينة عند أبي داود والترمذي: «الخلافة بعد ثلاثون سنة». فكانت خلافة أبي بكر سنتان، وخلافة عمر عشر، وخلافة عثمان اثني عشر، وخلافة علي ست، فهذه ثلاثون سنة. ومعاوية رضي الله عنه يعد أول أمراء بني أمية، ومن أفضلهم باتفاق السلف وإجماع السلف على أن معاوية رضي الله عنه أفضل الأمراء، وهو أول الأمراء في هذه الأمة. فالنبي عليه الصلاة والسلام حث على لزوم سنته وسنة الخلفاء الراشدين، يعني من وصفوا بالرشد لكمال، كمال رجاحة عقولهم وحسن تصرفهم. وهل سنة الخلفاء مستقلة أو أنها تابعة لسنة النبي عليه الصلاة والسلام؟ الصحيح أن لهم سنة مستقلة، وإن كانت هي تابعة من حيث الأمر بلزومها واتباعها. لكن ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم فهو مما يجب الأخذ به ويجب لزومه، من ذلك مثلا اتفاقهم على قتال مانع الزكاة. لما حصلت الردة بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، ارتد من ارتد من العرب، ومنع من منع الزكاة، بخلا ومن منعها جحودا. فعزم أبو بكر رضي الله عنه على قتالهم، فقال عمر رضي الله عنه: تقاتلهم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ فذكر له أبو بكر رضي الله عنه أن الزكاة حق المال، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أمرت أن نقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة». والزكاة حق المال، فشرح الله صدر عمر لقول أبي بكر، فاتفقوا على قتال مانع الزكاة. وهكذا أيضا ما ثبت عن أحد منهم من الصحابة قولا قاله ولم يعرف له مخالف في ذلك، فإنه يعتبر حجة في ذلك عند جماهير أهل العلم. فحث النبي عليه الصلاة والسلام كما سمعنا على لزوم سنته وسنة الخلفاء الراشدين، ثم حذر من البدع والمحدثات، فقال: «إياكم ومحدثات الأمور». إياكم يعني احذروا وابتعدوا واجتنبوا محدثات الأمور، يعني الأمور الجديدة، والمراد بها ما كان في الدين. أما ما كان في أمور الدنيا فكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أنتم أعلم بأمور دنياكم». والأصل في الأشياء الإباحة، لكن المقصود المحدثات في الدين، ما أحدث لقصد التعبد والتقرب إلى الله جل وعلا. فهذه حذر منها النبي عليه الصلاة والسلام: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة»، أي كل ما أحدث في الدين لقصد التعبد والتقرب إلى الله جل وعلا فهو بدعة. «وكل بدعة ضلالة»، وكل من ألفاظ العموم، دل على أن كل بدعة فهي محدثة بدعة ضلالة. وكل ضلالة في النار، كما في بعض الروايات، يعني أن توصل صاحبها إلى النار، عياذا بالله. فالواجب اجتناب جميع البدع، سواء كانت عقدية أو قولية أو فعلية. ولا شك أن أعظم البدع ما أحدث في باب الاعتقاد، ومن ذلك ما أحدث في باب الأسماء والصفات، كما قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله: «شر المحدثات ما أحدث بباب الأسماء والصفات». وهو أعظم باب ظل فيه أهل الأهواء، هو باب الأسماء والصفات، ظل فيه المعتزلة والجهمية والأشاعرة والماتوريدية والكلابية وغيرهم. فمراد المؤلف رحمه الله من ذكر هذا الحديث بيان أن الواجب لزوم ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم في سائر أبواب الدين، ومن ذلك في باب العقيدة، ومنها باب الأسماء والصفات. ولزوم السنة ولزوم طريقة السلف على الصحيح ليس خاصا في باب الاعتقاد فقط، كما يقول بعضهم: «نحن نلزم طريقة السلف في باب الاعتقاد، أما في باب الدعوة فإننا لا نتقيد بطريقة السلف، بل نجتهد في ذلك». ولهذا يقول قائلهم: «أن طريقتهم سلفية المعتقد، عصرية المواجهة». وهذا ليس بصحيح، بل إننا نلزم طريقة السلف في باب الاعتقاد، وهكذا أيضا في سائر الأبواب، وفي طريقة الدعوة، وفي وسائل الدعوة وغيرها. فخير الأمور السالفات على الهدى، وشر الأمور المحدثات البدائع. ويحرص المرء على لزوم طريقة السلف في سائر الأبواب، وأن لا يخالفهم، وأن لا يخرج عن طريقتهم وعن أقوالهم. فإذا كان للسلف في مسألة قولان، فلا يأتي بقول ثالث، فيكون خارجا عم كان عليه السلف، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «إذا كان للسلف في مسألة ثلاثة أقوال، فلا تأتي بقول رابع، فإذا فعلت ذلك فاعلم أنك على باب ضلالة». ثم ذكر المؤلف رحمه الله كذلك من الآثار، أثر ابن مسعود رضي الله عنه، قال: «اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم». وهذا الأثر صحيح، وقد رواه عن ابن مسعود أبو عبد الرحمن السلمي، كما عند الدارمي والطبراني في الكبير، ورواه عنه أيضا إبراهيم النخعي، كما عند أبي خيثمة في العلم، ورواه عنه كذلك قتادة. والأثر بمجموع طرقه صحيح. قال رضي الله تعالى عنه: «اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم»، يعني اتبعوا ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة، وهذا يكفيكم، فقد بيّنوا الحق والهدى وأوضحوا طرق السلامة وطرق الهداية. ولا تبتدعوا فتحدثوا أشياء تقعون فيها في الضلالة والبدعة ومخالفة طريق السلف، فتضلوا بسبب ذلك. ومن ذلك كذلك في باب الاعتقاد، وإن كان هذا عاما في باب العبادة وفي باب المعاملة وفي باب العقيدة، وهي أهمها. فكونوا في اعتقادكم على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقد كفوكم المؤونة ووضحوا لكم طرق الهداية. وهكذا ذكر أثر عمر بن عبد العزيز، قال: «قف حيث وقف القوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى». فلئن قلتم حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من خالف هديهم ورغب عن سنتهم. ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي. فما فوقهم محسر، وما دونهم مقصر. لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم. هذا الأثر ذكره ابن قدامة رحمه الله في كتابه «البرهان في بيان القرآن»، وهكذا أيضا أورده ابن الجوزي في مناقب عمر بن عبد العزيز، وكذلك أيضا أورد جملة منه الإمام ابن رجب في رسالته «فضل علم السلف على علم الخلف». وهذا الأثر كذلك يحث عمر بن عبد العزيز رحمه الله، الذي عده بعض أهل العلم الخليفة الخامس، على الوقوف حيث وقف القوم، يعني النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، فإنهم وقفوا عن علم، ليس عن جهل وعن عي وعدم فهم، فهم كانوا أعلم الأمة وأفهمهم لنصوص الكتاب والسنة. فيحث رحمه الله على الوقوف حيث وقفوا، وهم أعلم ممن جاء بعدهم. وكفوا في الخوض في نصوص الصفات، كفوا عن الخوض في نصوص الصفات بما خاض فيه من جاء بعدهم من أهل الأهواء، فلم يصرفوها عن ظواهرها ولم يتأولوها أو يحرفوها كما فعل من جاء بعدهم، بل أمروها كما جاءت. ولو تكلموا فهم أعلم وأقوى وأفهم ممن جاء بعدهم. ومن جاء بعدهم فقد خالف هديهم وطريقتهم، ممن خاض فيما سكتوا فيه وتكلموا فيما كف عنه السلف، فهؤلاء خالفوا هديهم ورغبوا عن سنتهم. فمن جاء بعدهم إما مفرط وإما مقصر، وهذا معنى قوله: «فما فوقهم محسر، وما دونهم مقصر». من فوقهم محسر، يعني أتعب نفسه وأعياها وغلا حتى وقع في الضلال والزيغ ومخالفة طريقة السلف. أو من قصر في متابعتهم فيما كان عليه في سائر الأبواب، ومنها باب الاعتقاد. وهكذا يظن في باب الأسماء والصفات. قال: «قصر عنهم قوم فجفوا»، يعني ابتعدوا عن طريقة السلف، وهؤلاء فرطوا. «وتجاوز آخرون فغلوا»، فخالفوا وتجاوزوا الحد وخالفوا ما عليه سلف الأمة. والوسط ما بين ذلك، من كان على طريقتهم وسار على هديهم، فهم كانوا على الهدى المستقيم. فدل كلامه رحمه الله على وجوب الوقوف حيث وقف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأن من أحدث بعدهم ما أحدثه مما لم يكن على طريقة السلف، فإن ذلك مخالف لما عليه السلف رضوان الله عليهم، كما سمعنا في باب الاعتقاد أو في باب العبادات. وأن الناس على قسمين: منهم من قصر فجفى وفرط، ومنهم من غلا فأفرط. والحق وسط بين ذلك، بين الغلو الغالين وبين تقصير المقصرين. ثم ذكر أثر الأوزاعي رحمه الله، قال: «عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول». وهذا الأثر رواه الخطيب في «شرف أصحاب الحديث»، وذكره الآجري كذلك في «الشريعة»، ومن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله»، وهو أثر صحيح. والإمام الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو، إمام أهل الشام، يقول: «عليك بآثار من سلف»، يعني إلزم آثار من سلف من الصحابة، بل من النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة ومن بعدهم، وإن رفضك الناس وإن لم يقبلوا ذلك منك، فلا تبالي بهم، المهم أن تكون على الطريقة الصحيحة وأن ترضي ربك جل وعلا. «وإياك وآراء الرجال»، يعني الأقوال المحدثة والآراء الجديدة، وإن زخرفت لك بالقول وزينت، فلا تبالي بها. فخير الهدي هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وخير الطرق ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن سار على هديهم وعلى طريقتهم من سلف هذه الأمة. ومن ذلك أيضا باب الاعتقاد، وباب الأسماء والصفات، هو الشاهد من ذكر هذه الآثار، هو لزوم طريقة السلف في سائر الأبواب، منها باب الأسماء والصفات، وذلك بإمرارها كما جاءت، وإثبات ما دلت عليه من المعاني، وعدم تحريفها أو تعطيلها أو تكييفها أو تمثيلها. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على