شرح لمعة الإعتقاد 19

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 19، ألقاها

وجوب الإيمان بالسنة النبوية

يجب الإيمان بكل ما جاء في السنة النبوية الصحيحة دون تردد أو إنكار، حتى لو لم ندرك معناه. نؤمن بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كما هو دون تأويل أو تحريف.

الإسراء والمعراج وتفاصيل الرحلة النبوية

نؤمن برحلة الإسراء والمعراج للنبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات السبع، وتفاصيل فرض الصلوات الخمس. كما نتناول آراء العلماء حول طبيعة الرحلة.

أشراط الساعة وخروج الدجال ونهاية العالم

نؤمن بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من علامات الساعة الكبرى مثل خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج. كما نتناول تفاصيل خروج الدجال وفتنته.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام نقدام رحمه الله في كتابه "نعمة الاعتقاد": "قال فصل: الإيمان بكل ما أخبر به الرسول". قال: "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وصح النقل عنه، فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء والمعراج، وكان يقظة لا مناما". فإن قريشا أنكرته وأكبرته، ولم تنكر المنامات. إلى آخر ما ذكر رحمه الله في هذا الفصل. بعد أن ذكر جملة من الآيات الدالة على إثبات صفات الله جل وعلا، وكذلك أيضا بعض الأحاديث الدالة على إثبات الصفات لله جل وعلا، ذكر في هذا الفصل الإيمان بكل ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام. فكما أننا نؤمن ونصدق بما أخبر الله عز وجل به في كتابه، كذلك يجب علينا أن نؤمن بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، مما صح عنه عليه الصلاة والسلام، لأن السنة وحي كالقرآن. وربنا عز وجل يقول: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾. وفي حديث المقدام بن كرب في سنن أبي داود وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: "يوشك أن يكون الرجل متكئا على أريكته، فيأتيه الأمر مما أمرت به، أو مما نهيت عنه، فيقول: ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه". ألا وإنما قال رسول الله كما قال الله. فذكر رحمه الله أنه يجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وصح به النقل عنه، يعني عن النبي عليه الصلاة والسلام. لأن الدليل من السنة لا بد فيه من النظر بأمرين: الأول في ثبوته وصحته، ثم النظر في دلالته على ما أريد الاستدلال به. بخلاف القرآن، فإنه ثابت بالتواتر، وكذلك لا يحتاج إلى النظر في ثبوته وصحته، لكن ينظر في دلالته على المسألة التي يراد الاستدلال بها من القرآن. فأما السنة، فمنها ما هو صحيح، ومنها ما هو ضعيف. فما صح وجب الإيمان به وقبوله، وعدم رده، سواء في ذلك ما شاهدناه أو غاب عنا، يعني ما كان من الأمور التي تدرك بالحس والمشاهدة، أو كان من الأمور الغيبية التي أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام. فإننا نؤمن بها ولا نردها، كما يفعل أهل الأهواء وأهل الضلال من العقلانيين أو الفلاسفة. قال: "نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه". يعني لا فرق بين ما أدركته العقول فإننا نقبله، وما جهلته العقول ولم تدركه، فإننا كذلك نؤمن به ونصدق به، ما دام أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر به، فهو حق، سواء أدركته عقولنا أو لم تدركه. فإذا لم تدركه العقول، فنتهم عقولنا ولا نتهم الشريعة، وما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. وإن كان في الحقيقة أن ما جاءت به الشريعة لا يعارض العقول، فإن هذه الشريعة جاءت بما تدل عليه العقول، لكن تتحير في معرفة حكمته، وكذلك أيضا النظر في علله وجمال الشريعة وعظيم أحكامها. وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله: "الشريعة جاءت بما تحار به العقول، لا بمحالات العقول". يعني أشياء تحير فيها العقول ولا يدركها، ولا يمكن أن يقبلها، هذا لم تأتي به الشريعة. ولكن جاءت بما يحار فيها العقل، يتحير في حسنها وجمالها وإدراك حكمها وعللها. فهذا الذي جاءت به الشريعة. وعلى كل، إن أدرك ذلك الإنسان بعقله، فالحمد لله، وإن لم يدرك ذلك، فالقصور في عقله، لا في شريعة الله جل وعلا، وما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. قال: "ولم نطلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء والمعراج". يعني مما ورد في السنة وصح به النقل، فإننا نؤمن به ونصدق به، وإن كانت العقول ربما لا تدرك ذلك. قضية الإسراء والمعراج حين أسري بالنبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى بيت المقدس، وعرج به من بيت المقدس إلى السماء. فإننا نؤمن بذلك كما أخبر الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾. وثبت حديث الإسراء والمعراج في السنة في الصحيحين، من حديث أنس، عن مالك بن صعصعة، وجاء عن غيره من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهو حديث ثابت. والإسراء في اللغة هو السير ليلا، والمراد به إسراء النبي عليه الصلاة والسلام مع جبريل من مكة إلى بيت المقدس. والمعراج: الآلة التي يعرج بها ويصعد، وهي منزلة السلم الذي يصعد عليه، والمراد به عروج النبي صلى الله عليه وسلم من الأرض إلى السماء. فهذا الأمر حق، كما أخبر به عليه الصلاة والسلام. عرج به عليه الصلاة والسلام، أو أسري به في ليلة واحدة من مكة إلى بيت المقدس، ثم أصبح في مكة، وعرج به إلى السماء الأولى، إلى السماء السابعة، والتقى بالأنبياء في السماوات، ووصل إلى السماء السابعة، وفرض الله عز وجل عليه الصلوات الخمس. وأول ما فرضها خمسين صلاة، ثم خفف ذلك إلى خمس صلوات، ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى مكة. وهذا الذي حصل حق، ولهذا قال: "وكان يقظة لا مناما". لماذا؟ قال: لأن قريشا أنكرته. قريش لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرهم أن أسري به إلى بيت المقدس ورجع وقد أصبح بين أظهرهم، أنكروا ذلك، قالوا: هذا لا يمكن. ولو كان مناما لم ينكروا، لأنهم لا ينكرون المنامات. لكن لما كان ذلك حقا أنكروه، ولم يؤمنوا به، ولم يصدقوا النبي عليه الصلاة والسلام. حتى جاءوا إلى أبي بكر، قالوا: ألا تسمع ما يقول صاحبك؟ قالوا: وما يقول؟ قالوا: يقول إنه أسري به إلى بيت المقدس ثم رجع فأصبح بين أظهرنا. فقال: "إن كان قال ذلك فقد صدق". لذلك لقب أبو بكر رضي الله عنه بالصديق. ثم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام أن يصف لهم بيت المقدس، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ما دقق النظر فيه ومعرفة صفاته. فجل الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام بيت المقدس، فطفق ينظر إليه ويصفه لهم. فقالوا: أما الوصف صحيح. ومع ذلك ما صدق النبي عليه الصلاة والسلام. واختلف أهل العلم: هل كان الإسراء مناما أو كان بروح النبي صلى الله عليه وسلم دون جسده، أو كان بجسده وروحه؟ منهم من قال: إنه كان بالروح دون الجسد، كما روي ذلك عن عائشة أو معاوية رضي الله عنهما. ومنهم من قال: إنه بجسده وروحه، وهذا هو الصحيح أن الإسراء كان بالروح والجسد، لأن الله عز وجل قال: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾، والعبد هو مجموع الروح والجسد، فكان ذلك بروحه وجسده عليه الصلاة والسلام. قال: "ومن ذلك أن ملك الموت لما جاء إلى موسى عليه السلام لما جاء إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه". يريد: كذلك أن نؤمن بما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الحادثة التي وقعت بين موسى وبين ملك الموت. وقد ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ثابتة في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وذلك أن ربنا جل وعلا أرسل ملك الموت إلى موسى على صورة وهيئة رجل، فجاءه ودخل عليه بيته، فلما رآه موسى لطمه ففقأ عينه. فرجع ملك الموت إلى رب العزة جل وعلا، فقال: "يا رب، أرسلتني إلى عبدك عبد لا يريد الموت". فرجع، فقال الله عز وجل: "ارجع إليه وقل له يضع يده على ظهر ثور، فله بكل شعرة سنة". فرجع إليه ملك الموت وأخبره بذلك. قال: "ثم ماذا؟" قال: "ثم الموت". قال: "إن كان ذلك فالآن". يعني الآن تقبض روحي. ثم سأله أن يدنيه من بيت المقدس، فقبض روحه. حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: "فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر". هذا الحديث أنكره بعض أهل الأهواء من الملاحدة والعقلانيين، أنكروا هذا الحديث، وقالوا: كيف يفعل موسى هذا بملك الموت؟ وكيف يفقأ عينه؟ فأنكروه بعقولهم. والحديث ثابت وصحيح. وكون موسى فعل ذلك لأنه دخل عليه رجل إلى بيته بغير إذن، ومعلوم أن في شريعتنا أن من نظر في بيت إنسان من غير إذن، فله أن يفقأ عينه، كما ثبت بذلك الأحاديث الصحيحة. وعينه هدر. وهكذا كان في شريعة موسى، كما يدل عليه هذا الحديث: أن من نظر من غير إذن فإنه يفقأ عينه. ففعل موسى ذلك من هذا الباب، بالغيرة على الأعراض، ولم يعلم أنه ملك الموت، وإلا لسلم نفسه من أول الأمر. لكن لما علم في المرة الثانية، فلم يفعل كما فعل في المرة الأولى. فلأجل هذا ذكر رحمه الله هذا الحديث، لأجل الرد على أمثال هؤلاء ممن أنكر هذا الحديث الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: "ومن ذلك أشراط الساعة، مثل خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل". يعني كذلك نؤمن بما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من أشراط الساعة. وأشراط الساعة: الأشراط جمع شرط، وهو لغة العلامة، كما قال الله جل وعلا: ﴿فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها﴾، أي علاماتها. والساعة في اللغة بمعنى الوقت أو اللحظة أو نحو ذلك من المعاني، والمراد بها يوم القيامة الذي أخبر الله عز وجل به، وأخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، يوم أن يجمع ربنا جل وعلا جميع الخلائق الأولين والآخرين في مقام واحد، يجازيهم على أعمالهم وعلى أفعالهم. فجعل ربنا جل وعلا قبل قيام الساعة أشراطا وعلامات، علامات تدل على قرب قيام الساعة، منها ما هي علامات صغرى، ومنها ما هي علامات وأشراط الساعة الكبرى. وأشار المؤلف رحمه الله هنا إلى ذكر بعض علامات الساعة الكبرى، منها خروج الدجال. قال: "مثل خروج الدجال". الدجال: صيغة مبالغة على وزن فعال، يدل على كثرة الدجل، والدجل هو الكذب. فالدجال سمي بذلك لكثرة كذبه، لأنه يدعي الربوبية. فهو كذاب. والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بخروجه بأحاديث كثيرة، بخروجه ثابت بالسنة والإجماع، كحديث أبي هريرة في الصحيحين، في قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، ليقل: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال». وقال عليه الصلاة والسلام: «ما بعث الله من نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب». والحديث في الصحيحين. وأحاديث كثيرة ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام في بيان خروج الدجال. وهكذا أيضا حديث النواس بن سمعان، وحديث عبد الله بن عمر، ومن حديث أبي سعيد الخدري، ومن حديث ابن عمر، وغيرهم من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. وخروج الدجال في آخر الزمان، وخروجه من علامات الساعة الكبرى. جاء في حديث النواس بن سمعان أنه يخرج ويمكث يعني في الأرض أربعين يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، وسائر أيامه كأيامنا. وأنه يطوف الأرض في هذه الأربعين اليوم كالريح، أو كالطير، اختطفته الريح، يعني بسرعة سريعة جدا. وله فتن جعلها الله عز وجل على يديه امتحانا للعباد. فيمر على الخربة فيقول: "أخرجي كنوزك". فتتبعه كنوز الأرض كيعاسيب النحل. ومن آمن به وصدقه ظهرت عليهم بركات في أموالهم وفي مواشيهم. ومن كذبه أصيبوا بالقحط والفقر والشدة. ومن جملة ما معه جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار. وهكذا أيضا أنه يقتل الشخص ثم يقول له: قم، فيقوم. وربما أحيا لبعض الناس أبويه، كل ذلك فتن وامتحان واختبار للعباد. ومكتوب بين عينيه "كافر"، "كاف ر"، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: يقرؤه كل مؤمن، يقرأ أو لا يقرأ. ولا يوفق لقراءته إلا من ثبته الله جل وعلا. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أدركه فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف». ويبقى كذلك حتى يبعث الله عز وجل عيسى عليه السلام فيقتله. صلينا الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على