الدرس في شرح لامية ابن الوردي 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن الناظم أن الدنيا لا تُوزع بحسب الاستحقاق، فقد يُحرم العالم الشجاع ويرزق الجاهل الجبان، مما يدل على أنها ليست مقياساً لمحبة الله. لذا ينصح بترك الحيل والتكلف في طلبها، وجعل الحيلة الحقيقية في الإعراض عنها والإقبال على الآخرة.
يحذر القرآن من إيثار العاجلة على الآخرة، ويحدد العلماء ضابط ذلك بترك واجب أو ارتكاب محرم لأجل الدنيا. كما يذم الطمع والبخل ويبين عقوبة منع الزكاة والصدقة كما ورد في البيت الشعري.
يوضح المقطع أن منع الزكاة الواجبة والإنفاق في وجوه البر يجلب العقوبات كمرض الشلل وحبس المطر، مستدلاً بآيات وأحاديث تحث على الإنفاق وتبيّن أنه سبب لبركة المال لا نقصانه. ويربط بين الزهد في الدنيا وسهولة الإنفاق، وبين حب الدنيا والبخل الشديد.
يحث المتحدث المسلم على التخلق بالكرم والزهد والقناعة، موضحاً أن المؤلف في الأبيات السابقة يدعو إلى هذه الفضائل. ويختتم الجلسة مؤكداً الاكتفاء بهذا القدر.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فـ "مكثر" تفسير لما قبله، تفسير لما قبله. يعني: كم من شخص كثير المال، صاحب ثروة، وحكيم، مات منها بالعلل، مات منها راجعًا للدنيا. والحكيم يريد به ما يقابل الجهول. عندك عليم؟ عندي أنا "حكيم" المعنى متقارب: عليم أو حكيم، هو ضد الجهول. فيقول: كم من عليم ذي علم وحكمة مات في هذه الدنيا بالعلل، والعلل جمع علة، وهو المرض الشاغل صاحبه عن وجهه ومراده ومراده. فيكون معنى البيت: كم رأينا شخصًا متصفًا بكثرة الجهل وعدم العلم، وهو كثير المال، وصاحب ثروة كبيرة وكثيرة. وكم رأينا شخصًا متصفًا بالعلم والمعرفة، ومات في هذه الدنيا بالفاقة والأسباب المانعة له عن مقاصده. وهذا البيت وما سيأتي بعده دليل لقوله فيما مضى: "فمن عاداتها تخفض العالي وتعلي من سفل". يعني: هذه الدنيا إعطاءها ليس دليل الإكرام، وليس دليل كذلك المحبة من الله. فالله عز وجل يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، وأما الدين فلا يعطيه ربنا سبحانه وتعالى إلا من يحب. فإذا هذه الدنيا ليست معيارًا ولا مقياسًا، فلا تتعلق بها ولا تؤثرها، لا تتعلق بها ولا تؤثرها على الآخرة. وهذا يدل على حقارة هذه الدنيا، على حقارة هذه الدنيا. ثم قال: ويبين أيضًا أن من عادة هذه الدنيا تخفض العالي وتعلي من سفل. قال: "كم شجاع لم ينل منها المنى وجبان نال غايات الأمل". "كم" أيضًا هنا خبرية، والمعنى: رب شجاع، وأيضًا تفيد التكثير. والشجاع: الجريء قوي القلب، يقال له شجاع. ويقول: رب شخص شجاع لم ينل، يعني لم يصب ويحقق منها المنى، يعني يحقق من هذه الدنيا. منها "الها" هنا، أو "ها" يعود على الدنيا. فيقول: كم من شخص شجاع لم يصب ويحقق من هذه الدنيا المنى، والمنى جمع منية بمعنى ما يتمنى في هذه الدنيا، مع أنه شجاع مقدام. لكن الرزق كما تقدم لا يأتي بالشجاعة، ولا يأتي بالقوة، ولا يأتي بكذلك الجهد، وإنما هو رزق يعطيه ربنا سبحانه وتعالى من شاء من خلقه. فهنا يقول: كم من شخص شجاع لم ينل منها المنى، لم يحقق ويصب من هذه الدنيا ما تمناه منها. وهناك فرق بين الأمل والطمع. هنا قال: "لم ينل منها المنى"، فالمنى المراد به ما يتمناه ويأمله ويطمع فيه. وهناك فرق يسير بين الأمل والطمع، فأكثر ما يستعمل الأمل فيما يستبعد حصوله، هذا أكثر، وقد يستعمل فيما يستقرب حصوله. بخلاف الطمع، فإنه لا يكون إلا فيما قرب حصوله، فيما قرب حصوله، فهو يطمع بمعنى يتمنى أن ينال هذا الشيء في أقرب وقت، في أقرب وقت. وأما الرجاء فهو بين الأمل والطمع، فليس بالبعيد وليس بالقريب. وقوله: "وجبان نال غايات الأمل"، الجبان هو ضد الشجاع، هو ضد الشجاع. ومعنى "نال غايات الأمل": نال بمعنى بلغ ووصل، بمعنى بلغ ووصل. قال: نعم، وجبان نال غايات الأمل. الغايات جمع غاية بمعنى النهاية، بمعنى النهاية. هذه مفردات هذا البيت، أم ما معناه الإجمالي؟ فمعنى هذا البيت: يقول الناظم: كم رأينا شخصًا شجاعًا قوي القلب لم ينل ولم يبلغ من دنياه ما يتمنى، مع أنه شجاع قوي. وكم من شخص جبان ضعيف القلب نال وبلغ من هذه الدنيا نهاية ما يتمنى، نهاية ما يتمنى. فإذا هذه الدنيا من عاداتها تعلي، أو كما تقدم: تخفض العالي وتعلي من سفل. هذا كالأمثلة، كالأمثلة لما ذكره الناظم قبل ذلك. ثم قال: "فاترك الحيلة فيها والتأت، إنما الحيلة في ترك الحيل". "فاترك" ألفا هنا جزائية، والمعنى: إذا كان شأن الدنيا هكذا تخفض العالي وتعلي من سفل، فاترك الحيلة فيها. والمراد بالحيلة هنا: كثرة الجهد في إدارتها وجمعها. فأنت قد جعلت جل تفكيرك في حصول الحصول على هذه الدنيا، فليست لك حيلة إلا هذه الدنيا، ليس لك تفكير ولا جهد ولا سعي إلا في هذه الدنيا. فاترك هذا، فاترك هذه الحيلة في هذه الدنيا، والتأد. وما معنى التأد؟ التأد فعل الأمر من التأده، من التأده، وهي التأني والترفق. أي: ترفق في طلب الدنيا، ترفق في طلب الدنيا، ولا تشغلك، ولا كذلك تعجل فيها وتكد، وتجعل جل وقتك في تحصيلها. هذا معنى التأد، يعني: لا تنشغل بها. "إنما الحيلة في ترك الحيل"، ومعنى "إنما الحيلة في ترك الحيل": يعني لا ينبغي لك الحيلة في الدنيا وجمعها، بل اللائق بشأنك أيها المسلم أن تطلب الحيلة في ترك الحيل لجمع الدنيا، تكن حيلتك ترك هذه الدنيا والإقبال على الآخرة. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم في سورة، في سورة الإسراء: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾. فمن تعجل، من تعجل وطلب هذه الدنيا وآثرها على الآخرة، عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد. ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا. ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا. فطيباته في هذه الدنيا، ومما يقربه إلى الله في يوم القيامة. فلا تعجل، ولا كذلك تجعل أكبر همك ومبلغ علمك جمع هذه الدنيا. وكما يقال: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بغيره. فالذي ينشغل بالدنيا، هل سيجد وقتًا وفراغًا ليجتهد في الآخرة؟ ها، ما سيجد ذلك. تعجب من بعض عشاق الدنيا لا يجد وقتًا للصلاة، وإذا صلى كأن أحدًا يجري خلفه، ينقرها نقرًا، ويصليها سرعة فاحشة. وهذا دليل على أن تفكيره وأن همه هذه الدنيا. فمن تعجل في الدنيا، من تعجل في الدنيا أبطأ في الآخرة، والعكس بالعكس. من أسرع في الآخرة وسعى لها سعيها، أبطأ في الدنيا. الذي، الذي تعلق بالعلم والدروس والصلاة وقراءة القرآن وذكر الله، ينشغل بهذا عن الإنشغال بهذه الدنيا. وليس معنى هذا أن الإنسان يترك الدنيا بالكلية، هذا لا يستطيعه أحد، فكل إنسان بحاجة إلى ما يعف به نفسه، ويعف به من يعول. ولكن المراد: الإنشغال بهذه الدنيا وإيثار هذه الدنيا. والعلماء جعلوا ضابطًا لإيثار الدنيا على الآخرة، ما هو هذا الضابط؟ قالوا: من ترك واجبًا أو ارتكب محرمًا من أجل هذه الدنيا فقد آثرها على الآخرة. هذا ضابط إيثار الدنيا والإنشغال بها: أن تترك واجبًا أو ترتكب محرمًا. فالذي لا يصلي في جماعة لأن معه دكان أو مزرعة يعمل فيها، أو معه وظيفة، فهذا ترك واجبًا على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو وجوب صلاة الجماعة. وهكذا من غش في بيعه وشرائه، أو دلس ولبس، أو كذب وكتم، أو نحو ذلك، فهذا أيضًا قد آثر الدنيا على الآخرة. وهكذا من قتل نفسًا من أجل هذه الدنيا، أو انتهك عرضًا من أجل هذه الدنيا، أو عق والديه، أو قطع أرحامًا، أو أساء جواره من أجل هذه الدنيا، فقد آثر الدنيا على الآخرة. فهذا هو الضابط. فاستقم كما أمرت، وأنت خلقت لعبادة الله، ولم تخلق لهذه الدنيا، كما مر معنا في منظومة الإلبيري: "ولم تخلق لتعمرها ولكن لتعبرها". فالجد، لما خلقت، ما هو الذي من أجله خلقت؟ عبادة الله، كما قال الله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. والناظم في هذه الأبيات يريد التنبيه إلى أمر، وهو: ترك الطمع في هذه الدنيا. لا تكن طماعًا. وعرفنا، وعرفنا ما معنى الطمع: هو الذي يستقرب حصوله. فالطمع في الدنيا هو الذي أهلك كثيرًا من الناس. تجد عنده من الأموال، وعنده من حطام هذه الدنيا، ومع هذا يطمع أن يكون معه أكثر وأكثر. هذا مذموم، أمر ذمه الشرع. الطمع في الدنيا والإنشغال بها، من كانت همه الدنيا، كما جاء في الحديث: "جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما كتب له". فاحذر أن تكون الدنيا أكبر همك. ثم قال: "أي كف لم تفد مما تفد". ماذا عندكم؟ "أن يكف لم تفد مما تفد، فرماه الله منه بالشلل". أحسنت، هكذا ضبط البيت: "أي كف لم تفد مما تفد، فرماه الله منه بالشلل". "أي" هنا موصولة، أو هنا في هذا الموضع ليست موصولة، "أي" هنا شرطية. والمراد بالكف: كف اليد. فيقول: أي كف لم تفد، ومعنى "لم تفد": من الإفادة، من الإفادة، وهو العطاء. يعني: أي كف لم تعطي مما تفد، يعني مما أعطاها الله. و"تفد" هنا مغيرة الصيغة، وهنا ليس بمجزوم، وإنما جاء بصيغة الجزم لضرورة الشعر، حتى يستقيم الوزن، حتى يستقيم الوزن. وإلا أصل الفعل، أصل الفعل ليس "تفد" بالجزم، وإنما أصله: مما "أفاد" بالألف والدال. فلما سكنت الدال ضرورة، حذفت الألف، فصار "مما تفد". فيكون المعنى: أي كف لم تعطي مما أعطاها الله، مما أعطاها الله. "فرماها الله منه بالشلل": هنا "رماها" جواب الشرط، جواب الشرط. وهذا دعاء أو إخبار، يجوز هذا وهذا. فيقول هنا الناظم رحمه الله: "رماها الله منه بالشلل". والشلل معروف: ساب عروق اليد وبطلان حركاتها، وبطلان حركاتها. ومراده من هذا البيت: الحث على إعطاء الفقراء والمحتاجين، ورعاية حالهم، وعدم نسيانهم وحرمانهم، وعدم نسيانهم وحرمانهم. فكأنه يقول: احذر أن تبخل، احذر أن تبخل بالمال فتجمعه وتخزنه، ولا تنفق منه لنفقات الواجبة ولنفقات المستحبة. فمن، فمن كان هذا وصفه، فربما يصاب بهذا المرض، لأن المعاصي لها أثر حتى على الأجساد، حتى على الأجساد. فيحمل قوله "لم تفد": يعني لم تعطي الزكاة الواجبة، الزكاة الواجبة. وقد يكون ما هو أعم من ذلك: الواجبة والمستحبة. والزكاة الواجبة: بعض الناس يظن أن الزكاة الواجبة فقط في المال الذي بلغ النصاب وحال عليه الحول. بعض الناس ربما يعتقد هذا فقط، وهذا مفهوم قاصر. فإن من الزكاة الواجبة ما هو غير ذلك. فمثلا: لو إنسان غريب جاء في بلد، وانقطعت به السبل، فيجب على أهل الأموال أن يسدوا حاجته من الضيافة وما يحتاج من الاستمرار في سيره وسفره. فهنا صار الإنفاق عليه واجبًا، ولا يلزم أن يكون من الزكاة الواجبة، لا، بل قد يكون من عامة المال. وهكذا إذا ألمت بالمسلمين حاجة، فقد يكون إخراج المال واجبًا لسد هذه الحاجة، لسد هذه الحاجة. فإذا يحمل هنا قول الناظم على الزكاة الواجبة، أو على عموم الإخراج. وقد جاء في الشرع الحث على الإنفاق وتزكية المال، وأثنى على المتصدقين. قال الله سبحانه وتعالى وهو يثني على المتصدقين: قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، هؤلاء ممن وعدوا بالجنة. ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾. وهكذا، أول، أول، أو من، أو من أوصاف المتقين: إخراج الزكاة، الزكاة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾. وهكذا حث الله على الزكاة، وأن هذا الإخراج سبب لتنمية المال، وليس لنقصانه. قال الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: "ما نقص مال من صدقة". وقال عليه الصلاة والسلام: "يا ابن آدم أنفق أنفق عليك، أنفق أنفق عليك". وكم جاءت من نصوص من الكتاب والسنة تحث على الصدقة. والنبي عليه الصلاة والسلام كان يحث أصحابه على الصدقة. وتعلمون حديث: "من سن في الإسلام سنة حسنة". كان سبب هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى قومًا رث ثيابهم، ويحتاجون إلى من يتصدق عليهم، فحث ورغب عليه الصلاة والسلام في الصدقة، فجاء رجل بصرة تملأ كفه، تعجز كفه عن حملها، فوضعها، فتتابع الناس، فسر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى قيام الساعة". فانظروا إلى فعل النبي عليه الصلاة والسلام. نعم، وكما تقدم: "فرماها الله منه بالشلل". هذا يحمل إما على عقوبة المعصية، عقوبة المعصية. وهذا يذكرنا بحديث سلمة بن الأكوع، كان رجل يأكل عند النبي عليه الصلاة والسلام بشماله، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: "كل بيمينك". قال: لا أستطيع. فما رفعها، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: "لا استطعت". فما رفعها إلى فيه. ما منعه إلا الكبر، عوذ بالله. فبسبب هذه المعصية أصيب بهذا المرض في يده، شلت يده، لأنه لم يستجب لأمر النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يكن له عذر في الأكل بالشمال، فما منعه من الاستجابة إلا الكبر، والكبر: بطر الحق وغمط الناس. فدعا عليه النبي عليه الصلاة والسلام، فما رفعها إلى فيه. هذه عاقبة مخالفة السنة، مخالفة أوامر الله عز وجل. فيحمل كلام الناظم على هذا، أنه يقول: أن منع الزكاة والإعطاء والإنفاق، خصوصًا في الزكاة الواجبة، سبب للعقوبة. بل جاء في حديث عبد الله بن عمر عند ابن ماجة، ويصححه ويحسنه العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على المهاجرين وقال: "يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن". وذكر من هذه الخمس: "وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منع القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولولا البهائم لم يمطروا". فهذا من عاقبة المعصية، خصوصًا منع الزكاة. وهكذا المؤلف هنا يحمل كلامه على هذا، أن ربما يصاب الممتنع عن الزكاة وعن الإنفاق بالشلل، والعياذ بالله. وكل هذا كما تقدم فيه حث على الزهد في الدنيا. فإن من ثمار الزهد والقناعة: أن لا يبالي، هذا الزاهد القانع بهذه الدنيا، فلا يكون حريصًا عليها. فما الذي يمنع المنفق من الإنفاق؟ الحرص على هذه الدنيا، وحب هذه الدنيا. لكن الإنسان القانع الزاهد، ما يبالي، يرى أموال هذه الدنيا مثل البعر، لا تساوي شيء. بقول النبي عليه الصلاة والسلام: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا شربة ماء". ما، ما تسوى هذه الدنيا بريالاتها، ولا بذهبها، ولا بكنوزها، ولا بثرواتها، جناح بعوضة. مش البعوضة كاملة، إلا الجناح. ماذا يساوي هذا الجناح؟ شيء حقير. فالزاهد القانع تجده مقدامًا في التصدق والإنفاق، وأما الحريص والمحب لهذه الدنيا، تجده بخيلًا شديدًا، بخيلًا شديدًا، ما يخرج الدرهم الواحد أو الريال الواحد إلا بشدة. فينبغي للمسلم أن يتحلى بهذه الأخلاق الفاضلة من الكرم والزهد والقناعة. فالمؤلف في هذه الأبيات يحث على ذلك. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.