الدرس في شرح تائية الألبيري 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
العلم ينفع صاحبه في حياته ويبقى أجره بعد موته كصدقة جارية، ويشبه السيف القاطع الذي يصرع الباطل. حقيقته هي ما يحفظ في الصدور لا في الكتب، كما دل عليه قول النبي ﷺ: «كان أعلمنا أحفظنا».
حفظ العلم في الصدر كنز لا يُسرق ولا يُثقل، وإنفاقه بالتعليم يزيده بركةً وثباتًا بينما بخله ينقصه. الانشغال بهوى النفس وزخارف الدنيا يصرف عن طلب العلم، والواجب الإقبال على رياض العلم التي هي رياض الجنة.
مجالس العلم هي رياض الجنة التي أخبر عنها النبي ﷺ، ولذة العلم تفوق كل ملذات الدنيا وشهواتها حتى يفضل العالم السهر على طلب العلم. من ذاق حلاوة العلم آثر التعلم واجتهد فيه، لأن العلم حياة للقلوب وطمأنينة للنفوس.
أعلن المحاضر انتهاء الجزء الحالي من الدرس، مؤجلاً استكمال الموضوع المتبقي إلى دروس قادمة إن شاء الله. واختتم بالتأكيد على أن العلم كله عند الله تعالى.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول أبو إسحاق الألبيري رحمه الله تعالى في منظومته التائية في وعظه ونصحه لمن بغى عليه وذكر معايبه، وهو يدعوه إلى ما يكون سببًا في رفعته وفي كذلك عزه في الدنيا والآخرة، قال مبينًا له فضل العلم وما دعاه إليه من هذا الأمر العظيم: ينالك نفعه ما دمت حيًا *** ويبقى ذكره لك إن ذهبت أي: أن من فضائل العلم ومن ثماره أن هذا العلم تنتفع به وتنفع به غيرك، فبالعلم ترفع الجهل عن نفسك، وبالعلم ترفع الجهل عن غيرك. فهذا معنى قوله: "ينالك نفعه ما دمت حيًا"؛ في حياتك يبقى هذا النفع، وكذلك بعد مماتك. ولذلك قال: "ويبقى ذكره لك إن ذهبت". وفي رواية: "ذكره ويبقى ذكره لك إن ذهبت"، أي: يبقى الذكر الجميل لك في الناس بعد موتك ومغادرتك هذه الحياة. فالعلم ذكر لصاحبه في حياته وبعد مماته، بل أجر له في حياته وبعد مماته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». فصاحب العلم وإن مات وذهب عن أنظار الناس، لكن يبقى ذكره بعد موته، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: قد مات قوم وما ماتت فضائلهم *** وعاش قوم وهم في الناس أموات ناس يعيشون بيننا لكن كأنهم أموات، لا ذكر لهم لجهلهم وعدم نفعهم الناس. ومات أناس منذ سنين طويلة، ومع هذا يذكرون ليل نهار بكل خير وبكل جميل، لما كانوا عليه من النفع للخلق، من بث العلم ومن نصح الخلق ونحو ذلك. وانظر إلى هذا الأمر في علمائنا الذين نذكرهم دائمًا وأبدًا؛ دائمًا وأبدًا يذكر العلماء بما أبقوا لنا من ثروة عظيمة ومن علم عميم يدرسه الطلاب والعلماء وطلبة العلم. فنحن دائمًا نقول: قال الإمام البخاري رحمه الله، قال الإمام مسلم رحمه الله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية، قال الإمام أحمد. هؤلاء كم لهم منذ أن ماتوا وغادروا هذه الدنيا، ومع هذا لا يزال ذكرهم باقيًا بيننا. "ويبقى ذكره لك إن ذهبت". فهذا لا شك أنه يدعو جميعًا للاهتمام والحرص على طلب العلم والاجتهاد فيه. وهكذا واصل المؤلف رحمه الله تعالى ذكر هذه الفضائل للعلم، فقال رحمه الله تعالى: هو العضب المهند ليس ينبو *** تصيب به مقاتلا من أردت هو العضب: يريد بالعضب والمهند السيف، فهو من أسمائه، من أسماء السيف. وسُمي السيف عضبًا لأنه قاطع، العضب هو القاطع، فنُسب إلى حده وهو القطع وشدته. فالعضب بمعنى القطع، أي أن هذا السيف قاطع. وأما المهند فهو اسم كذلك من أسماء السيف، وسُمي مهندًا نسبة إلى الهند، البلد التي يُصنع فيها أو يُؤتى به منها، فيقال له: المهند. وقوله: "ليس ينبو" بمعنى: لا يخطئ، لا يخطئ ولا يميل. فالسيف إذا كان قاطعًا حادًا، وأُتي به من بلاده التي يُصنع فيها وتتقن صناعته فيها، فلا يكاد أن يخطئ إذا وضع في موضع القتل. ولذلك قال: "تصيب به مقاتلا من أردت". أراد بهذا أن حامل العلم الراسخ في هذا العلم إذا رد على أهل الباطل باطلهم، وأهل الأهواء أهواءهم، أصابهم في مقتل، أصابهم في مقتل، ولا تقوم لهم قائمة؛ لأن العلم غالب، وهو حجة قاهرة على كل باطل. العلم حجة قاهرة على كل باطل. فقوله: "تصيب به مقاتلا من أردت"؛ المقاتل هي مواضع القتل في الإنسان، هناك مواضع من جسد الإنسان لو ضرب بها، ولو ضربة واحدة، لربما مات. أي أن هذا العلم بمنزلة السيف القاطع القوي الحاد، إذا ضرب به في موضع القتل فإن من يضرب به يصرع. وهكذا العلم: من يحاج به من أهل الباطل يصرع، وتذهب بدعته، ويزول باطله. فهذا هو المعنى: "تصيب به مقاتلا من أردت". وهذا أيضًا واقع فيما يرد به العلماء على أهل البدع. انظر إلى ردود أهل السنة: ردوا على جميع أهل الباطل من فرق الصوفية، والرافضة، والجهمية، والمعتزلة، وكذلك الأشاعرة، وغيرها من الفرق المعاصرة كفرق التكفير والتفجير، وفرق البدع، وفرق السياسة، ونحو هذه الفرق الضالة التي تظهر بين الفينة والأخرى، فينبرئ لها علماء السنة فيضربونها في مقتل، فلا تقوم لها قائمة، وتكون السنة ظاهرة. وهذا من فضل العلم. ثم قال رحمه الله تعالى: وكنز لا تخاف عليه لصًا *** خفيف الحمل يوجد حيث كنت فقوله: "وكنز"، المراد بالكنز هنا العلم الذي في الصدر، بدليل قوله: "لا تخاف عليه لصًا". فليس المراد بالكنز هنا العلم الذي في الكتاب أو في الأجهزة الحديثة الذكية، وإنما المراد بالعلم هنا العلم الذي في الصدر، وهذا هو حقيقة العلم. كما مدح الله عز وجل أهل العلم بقوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: 49]، في صدور الذين أوتوا العلم. ومن حفظ فهو العالم، من حفظ فهو العالم. وقد جاء حديث بهذا المعنى، منها حديث أبي زيد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، والحديث في الصحيح، في صحيح مسلم: لما خطب النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة في خطبة طويلة من أول النهار إلى آخره، ففي آخر هذا الحديث قال زيد، قال أبو زيد عمر بن الخطاب: «كان أعلمنا أحفظنا»، كان أعلمنا أحفظنا، يعني: كان العالم فيهم في هذا اليوم، وفي هذه المجالس الطويلة، من يحفظ، لا من يسمع فقط أو من يكتب فقط. فهذا دليل على أن حقيقة العلم هو الحفظ. وكما يقول الرحب في قصيدته: «فاحفظ، فكل حافظ إمام». فاحفظ، فكل حافظ إمام. وكما قال القائل أيضًا: «واعلم بأن العلم بالتعلم والحفظ والإتقان والتفهم». إذن لا بد من الحفظ، لا بد من الحفظ. وقال آخر: «استودع العلم قرطاسًا فضيعه، فبئس مستودع العلم القراطيس». ويقول ابن حزم: «علمي معي حيث ما يممت يصحبني، قلبي وعاء له، لا بطن صندوق، لا بطن صندوق». في البيت كان العلم فيه معي، أو كنت في السوق كان العلم في السوق. أي: العلم معه في كل مكان إذا كان في صدره، وإذا كان حافظًا له. أما إذا كان في كتبه أو في جواله، فالكتاب تعرض له أمور تفسده: إما حرق، وإما ضياع، وإما إتلاف. وكم من المحدثين من حرقت كتبهم وضعفوا بسبب ذلك، كابن لهيعة رحمه الله تعالى. فإذا ينبغي على طالب العلم في سيره العلمي أن يعتني عناية فائقة بالحفظ، لا يكتفي طالب العلم بالكتابة أو بالفهم فحسب. وليس معنى ذلك أن تترك الكتابة، وأن الكتابة مذمومة، لا، لا بد من الكتابة؛ لأن الكتابة تعين على مذاكرة العلم وعلى حفظ العلم. لأن ذاكرة الإنسان، خصوصًا في هذا الزمان، لا يمكن أن تحفظ كل ما تسمعه، فتستعين بالكتاب على الحفظ، بالكتابة على الحفظ، فتقيد العلم من أجل الحفظ. فبعدما تنسخ وتكتب تذهب وتحفظ. وينبغي لطالب العلم أول ما يبدأ في الحفظ بكتاب الله سبحانه وتعالى، ثم بما تيسر له من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ما تيسر له من كتب ومتون أهل العلم. فهذا معنى قوله: "وكنز لا تخاف عليه لصًا". ما تخاف أن يسرقه أحد، أين سيسرقه وهو في قلبك؟ هل سيشق قلبك ويخرج هذا العلم؟ لا يستطيع ذلك. "خفيف الحمل": يعني في حمله لا يكلفك عناء، ولا يكلفك كذلك مكان وكنوز وخزائن ونحو ذلك، مثله أو مثل المال أو الذهب أو الفضة. إن كان معك مال أو ذهب أو فضة، هذا يحتاج منك إلى خزائن وإلى مكان تحفظ فيه هذا المال. أما العلم فلا يحتاج منك إلى حفظ. المال تحرسه، والعلم يحرسك، كما قال علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فالعلم هو الذي يحرسك، لا أنت تحرسه. أما المال فالمال أنت تحرسه ولا يحرسك. نعم، فهذا أيضًا يدلنا على فضل العلم ومكانة العلم، وأنه أفضل من كل كنوز هذه الدنيا، من أموالها، ومن ذهبها، ومن ورقها، ومن غير ذلك. ثم قال رحمه الله تعالى: يزيد بكثرة الإنفاق منه *** وينقص إن به كفا شددت ومعنى هذا أن هذا العلم كلما أنفقت منه، وذلك بتعليمه وبثه وبإعطائه لغيرك، يزيد هذا العلم. "يزيد بكثرة الإنفاق منه". وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 3]، كلما رزقك الله علمًا زدت نشاطًا ودعوة وتعليمًا لأبناء المسلمين، فيبارك الله عز وجل لك في هذا العلم ويزداد علمك. ومن معاني زيادة العلم: أنك إذا علمت العلم، دعاك ذلك إلى البحث، وإلى المطالعة، وإلى المذاكرة، وإلى القراءة، وكل هذه الأمور تزيد من علم الباحث، تزيد من علمه. ومعنى آخر: أن الله عز وجل بنفعك للناس بهذا العلم يبارك لك في هذا العلم، فيعينك على حفظه، وعلى نشره، وعلى ضبطه. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 282]، ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 113]. فإذا من أنفق العلم بارك الله عز وجل له في علمه. وأما إذا كنت بخيلًا بالعلم لا تنفقه ولا تعلمه، كلما قيل لك: افتح درسًا، علم إخوانك، تقول: أنا مشغول، أنا عندي مراجعة، أنا عندي كذا وكذا. بخيل بالعلم، شديد على بثه وإخراجه، فهذا ينقص العلم. "وينقص إن به كفا شددت"، يعني: ما تنفق هذا العلم ولا تبثه بين أوساط المسلمين. فهذا كله حث على الدعوة إلى الله عز وجل، فالعلم لا يكفي وحده، بل لا بد من الدعوة إليه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3]. "تواصوا بالحق" يعني: نشروا هذا الحق وبثوه وعلموه، وصبروا عليه، كما في قوله: "وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر". ثم قال: ولم يشغلك عنه هوا مطاع *** ولا دنيا بزخرفها فتنت أي: لا تشتغل عن هذا العلم بما تهواه نفسك، بما تهواه نفسك من زخرف في هذه الدنيا وملذاتها، فلا تغرك هذه الدنيا وتجعل جل وقتك في جمعها وفي تحصيلها، وإنما تشتغل بالعلم، تشتغل بالعلم. "ولم يشغلك عنه": أي عن هذا العلم، "هوى مطاع": أي تطيع ما تهواه نفسك وما تحبه نفسك. فإن من أحب شيئًا صرف وقته وجهده إليه. فدليل محبة طالب العلم للعلم الإقبال عليه، ودليل محبة العبد للدنيا الإقبال عليها. فمن انشغل بالعلم فهذا دليل على محبته وتوفيقه طلب العلم، ومن اشتغل بالدنيا وجمعها وتحصيلها فهذا دليل على محبته لهذه الدنيا. فليكن شغلك ووقتك وجهدك وتفكيرك في تحصيل العلم. "ولا دنيا بزخرفها فتنتا": يعني ما يشغلك الهوى المطاع وما تهواه نفسك من الشهوات والملذات، وما تمليه عليه النفوس الأمارة بالسوء. ولا دنيا كذلك، لا دنيا كذلك بزخارفها وبزهرتها تفتنك، وكذلك تغرك. ثم قال: ولا ألهاك عنه أنيق روض أو "أنيق روض"، ومعنى "أنيق الروض": أي جماله وحسنه، جماله وحسنه. هذا يسمى روض، يسمى روض، والرياض هي البساتين الخضراء الجميلة التي يحب العبد أن يرتع فيها، وأن كذلك يتنقل في ثمارها وبين أشجارها ونحو ذلك. فلا يشغلك هذا الاخضرار وهذا الروض الأنيق عن الاشتغال بالعلم، عن الاشتغال بالعلم. والروض قد يكون معنويًا، وهو رياض مجالس العلم، كما جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه عند الترمذي، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا». هذه رياض الجنة، ليست رياض الدنيا. فقول المؤلف: "ولا ألهاك عنه أنيق روض"، أي: من رياض الدنيا. لكن العاقل الكيس اللبيب هو الذي يشغل نفسه برياض الجنة، لا برياض الدنيا. وما هي رياض الجنة؟ هي ما أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، حديث أنس: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا». قيل: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: «حلق الذكر». حلق الذكر، أي: حلق العلم. قال الإمام النووي: مجلس ذكر، أي مجلس علم، مجلس علم. ولذلك فإن العلماء يؤلفون الكتب ويسمونها بالروض المعنوي، مثل ما سمى الإمام النووي "رياض الصالحين". "رياض الصالحين" ليس رياض أهل الدنيا العاصين، وإنما هذه رياض، رياض الصالحين، يطوفون في هذه الرياض ويقطفون من ثمارها ومن جميل أشجارها. وهكذا "الروض المربع"، وهكذا "بستان العارفين"، وهكذا "الرياض الناظرة". هذه كلها كتب لأهل العلم، لأهل العلم. فينبغي لطالب العلم أن يحمد الله عز وجل على ما وفقه إليه ربه من هذه النعمة العظيمة، ومن هذه الرياض اليانعة، رياض العلم. ثم قال: ولا خدر بزينتها كلفت يعني: ولا يلهيك عن هذا العلم أنيق روض، يعني: لا يلهيك عن هذا العلم هذه الرياض. وليس معنى هذا تحريم أن يروح طالب العلم عن نفسه بين الفينة والأخرى، فيذهب نزهة إلى شيء من هذه الرياض لكي يستجم، ولكي يعيد من نشاطه، أو نحو ذلك. لا، ليس معنى ذلك. وإنما المراد بالانشغال والالتهاه عن طلب العلم. ولذلك قال: "ولا ألهاك"، لهو بمعنى الاشتغال، وكذلك الاهتمام بهذه الأمور الدنيوية التي ترغبها النفوس عن طلب العلم، عن طلب العلم. ومثله في قوله هنا: "ولا خدر، ولا خدر بزينتها كلفتا". ويريد بالخدر هنا: الزوجة، الزوجة الجميلة. ومعنى "كلفتا": أي شغلت ولهيت بها. فلا تلهيك هذه الزوجة عن طلب العلم، فتبقى معها كل وقتك. وإنما تعاشرها بالمعروف، وتعطيها ما يكون فيه عشرتها والقيام بحقها، والقيام بحقها. أما أن تشغل بها، وتبقى عندها، وتترك طلب العلم، فهذا هو الذي أراده المؤلف من التحذير في هذا البيت. ثم قال رحمه الله تعالى: نعم، هذا تنبيه، يقول في بيت: «فلو قد ذقت من حلواه طعما»... هذا قفزنا عليه. قال: «ولم يشغلك عنه هوى مطاعا، ولا دنيا بزخرفها فتنت، ولا ألهاك عنه... ولا خذر». نعم، هذا بعده عندكم مقدم، أنا عندي مؤخر، أنا عندي في النسخة هذه مؤخر. نعم، لا بأس إن شاء الله، ما بين التقديم والتأخير. نعم، فهذا هو معنى هذا البيت. ثم قال رحمه الله تعالى: «فلو أنذقت»... لانه عندكم هذا الآن الرابع عشر... نعم، نعم، أين النسخة؟ أنا ما عندي نسخة منها. طيب، قال: «يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفا شددت». أنا عندي: «ولم يشغلك». أنتم عندكم: «فلو قد ذقت من حلواه طعما». طيب، لا بأس، نشرح هذا البيت. كأن بعض النسخ فيها تقديم وتأخير، فيها تقديم وتأخير، والله تعالى أعلم. قال هنا: «فلو قد ذقت من حلواه طعما لآثرت التعلم واجتهدت». وهذا أيضًا فضل عظيم من فضائل العلم، وهو ما يجده العالم من لذة العلم، من لذة العلم. فإن العلم له لذة لا تدانيها ولا تساويها لذة شهوات الدنيا وملذاتها. وهذا ما عبر عنه أهل العلم، ما عبر عنه أهل العلم في بعض عباراتهم، كقول القائل: سهري لتنقيح العلوم ألذ لي *** من وصل غانية وطيب عناقي وتمايلي طربا لحل عويصة *** أشهى وأحلى من مدامة ساق إلى آخر ما ذكر، وهو يعبر عن مدى لذته، وعن مدى فرحته بالعلم، وحل المسائل، ومعرفة الله سبحانه، ومعرفة الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته، وما يقرب إليه. فالعلم النافع يدلك على كل خير، فهو حياة للقلوب، بها يطمئن هذا القلب، وبها يستلذ هذا القلب بطاعة الله سبحانه وتعالى. فلو ذقت حلاوة وطعم هذا العلم، لما طابت نفسك أن تترك التعلم، «لآثرت التعلم واجتهدت»، أي: لحرصت على طلب العلم، وزدت اجتهادًا وطلبًا لهذا العلم، لهذا العلم. فلا شك أن ألذ ما يجده المسلم في هذه الحياة هو مجالس العلم ومجالس الذكر. كيف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة»؛ السكينة هي طمأنينة القلب وراحة البال. نعم، «نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». وتعلمون كذلك حديث حنظلة في صحيح مسلم، لما جاء إلى أبي بكر الصديق وقال: يا رسول الله، نافق حنظلة. قال: وما ذاك؟ قال: يا رسول الله، نكون عندك... لما ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، نكون عندك فتذكرنا بالجنة والنار حتى وكأنها رأي عين. فإذا انصرفنا إلى أهالينا وإلى كذلك بيوتنا عافسنا الزوجات والأولاد والضيعات. فقوله هنا: «حتى وكأنها رأي عين»، حتى وكأن على رؤوسنا الطير، يعني: من السكينة، ومن الطمأنينة، ومن اللذة. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال له في آخر هذا الحديث: «لو أنكم تدومون على ما أنتم... على ما تكونون عليه عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقاتكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة». فهذا دليل على أن مجالس العلم، وطلب العلم، وتحصيل العلم، من أعظم ما يتلذذ به العبد في هذه الحياة، في هذه الحياة. ولذلك كان شيخنا دائمًا يردد ويقول: «لو أعطينا رئاسة الجمهورية على أن نترك العلم لما أجبنا إلى ذلك، لما أجبنا إلى ذلك». نعم، لو أعطي ملك الرؤساء والأمراء في هذه الدنيا، لما تنازل عما هو فيه من طلب العلم، لما يرى من الراحة واللذة والسعادة في هذا الطريق. طريق العلم هو الطريق الذي به يسعد الإنسان في دنياه وفي أخراه. فلو ذقت حلاوة هذا العلم، لما طلبت عنه حولا أو بديلًا. نعم، وكما قال القائل: «يا طالب العلم لا تبغي به بدلا، فقد ظفرت ورب اللوح والقلم». نعم، «فقد ظفرت ورب اللوح والقلم». ف هنا يبين المؤلف فضلًا من فضائل العلم، وهو ما يجده طالب العلم من اللذة والراحة في طلب العلم. ونكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في دروس قادمة. إلى هنا، والله تعالى أعلم.