شرح السنة للإمام البربهاري 88

شرح السنة للإمام البربهاري 88

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 88، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل إلقاء السلام وتحية المسلمين

يعتبر إلقاء السلام من أعظم حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وهو سبب لدخول الجنة والمحبة بين الناس. اليهود يحسدون المسلمين على هذه الشعيرة لما فيها من فضائل.

كيفية التسليم على الناس وأحكامه

التسليم على جميع الناس هو السنة المحمودة، وينبغي أن يسلم على الصغير والكبير. التسليم الشرعي يبدأ بـ "السلام عليكم" ويمكن زيادته إلى "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

أحكام المصافحة وصلاة الاستسقاء

يستحب المصافحة عند اللقاء والمغادرة، ولها فضيلة كبيرة. صلاة الاستسقاء مستحبة وليست سنة أو بدعة، مستندة إلى عموم الأدلة الشرعية.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «والتسليم على عباد الله أجمعين»، هذه الفقرة إخواني في الله، والتي جاءت كذلك في بعض النسخ بقوله: «والسلام على عباد الله أجمعين». أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يبين أن من آداب السنة ومما جاءت به السنة والشريعة إلقاء السلام. فقوله: «والتسليم على عباد الله أجمعين»، والتحية وإلقاء السلام إخواني في الله تعتبر من أعظم حقوق المسلمين بعضهم لدى بعض، فهي التحية التي أرادها الله جل وعلا بين عباده أن يلقوا بينهم بالسلام. بل السلام إخواني في الله هي تحية المؤمن لربه يوم يلقاه، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾. وهكذا الملائكة كذلك إذا سلموا على المؤمنين إثر دخولهم الجنة، فإنه بلفظ السلام، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾. والسلام إخواني في الله هي تحية المؤمن لأخيه المؤمن، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن الله جل وعلا لما خلق آدم أمره أن يذهب إلى الملائكة فأمره أن يسلم عليهم وأن يستمع لما يقولونه، فإنها تحيتك وتحية ذريتك من بعدك. فذهب آدم عليه السلام وسلم على الملائكة بقوله: «السلام عليكم»، فردوا عليه: «وعليك السلام ورحمة الله». قال عليه الصلاة والسلام: «فزادوا ورحمة الله». فهذه إخواني في الله هي تحية المسلم. والفضائل في هذا الباب كثيرة، والأسف الكثير من الناس من تركوا هذه السنة العظيمة، فكم فيها من الفضائل وكم فيها من المناقب؟ ويكفيك يا عبد الله شرفا في مشروعية السلام أنه سبب، وأنه كذلك من أعظم الطرق المؤدية إلى الجنة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام، دخل الجنة بسلام». من أفشى السلام سلم على هذا وسلم على ذاك، وما هجر هذه السنة كان من مآله. ومن فضائله أن الله جل وعلا يدخله الجنة. وكذلكم إخواني في الله، السلام يعتبر من أعظم الأسباب المؤدية إلى التحابب وإلى التصافي، وكذلك إلى جمع القلوب. قال عليه الصلاة والسلام: «أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». فالسلام وإفشاء السلام سبب للمحبة الذي يكون بين الأفراد وبين المجتمعات. بل لعظم فضل السلام ولعظم تمسك هذه الأمة بالسلام كان ذلك من المواقف التي جعلت اليهود يحسدون المسلمين على دينهم. ثبت في مسند الإمام أحمد، قال عليه الصلاة والسلام: «ما حسدتكم اليهود على شيء مثل ما حسدتكم على التسليم والتأمين». والحديث حسنه وصححه شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في «الصحيح المسند»، وهكذا الشيخ الألباني في كثير من كتبه. فحسد اليهود أهل الإسلام على هذه الشعيرة، وهي شعيرة الإسلام لما فيها من فضائل في الدنيا والآخرة. فإخواني في الله، فينبغي أن نفهم ونفقه لعظم هذه الشعيرة التي تجاهلها الكثير من الناس في مثل هذه الأزمان. وانظر لعبارة المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «والتسليم على عباد الله أجمعين»، فقوله «أجمعين» لها حظ من النظر. فالتسليم إخواني في المتعارف عليه ما ينبغي أن ينحصر فيمن تعرفهم، وهذا الموجود في هذه الأزمان أن الواحد منهم لو خرج من هنا إلى طرف البلاد مثلا، وواجه في طريقه المئات والمئات من المسلمين، فإنه لن يعطي سلامه إلا لمن يعرف. مر على قوم نظر فيهم ما عرف منهم أحد تركهم، نظر إلى فئة أخرى من الناس وجد منهم رجلا يعرفه سلم عليه وترك البقية. لربما حظه من الناس القلة، وذلك لأن ميزانه في التسليم المعرفة، وهذا خطأ. ولهذا نبه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «والتسليم على عباد الله أجمعين» أن يسلم ماذا؟ على جميع الناس، يسلم على جميع الناس، على الصغير وعلى الكبير. فقد كان نبينا كما جاء في الصحيح من حديث أنس، كان يسلم على الصبيان. وأما أنك تخص السلام يا عبد الله لمن تعرفهم من الأقارب والأرحام والأصحاب، فهذا من علامات الساعة، هذه من علامات الساعة. ثبت في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «إن من أشراط الساعة تسليم الخاصة». وجاء برواية: «إن بين يدي الساعة أن يكون السلام بالمعرفة». فهذا يذم، هذا مذموم أنك لا تسلم إلا على من تعرف. لا يا عبد الله، اجعل السلام عاما كما قال مؤلفنا لعباد الله أجمعين. مررت على قوم السلام عليكم، على الآخر السلام عليكم، على محل على كذا، فتجعل هذا ديدنك أنك تسلم على الناس جميعا، لا تخص من تعرف ومن لا تعرف، بل تلقي السلام على من استطاعت أن تلقي عليه السلام، فهذه السنة المحمودة. وأما أنك تحصر السلام على من تعرف وهذا الذي معمول به في هذه الأزمان أن الناس يسلمون على من يعرفون، وهذا من علامات الساعة التي انتشرت وفشت في مثل هذه الأزمان. فقوله: «والتسليم على عباد الله أجمعين». وأما التسليم إخواني في الله المقصود به التسليم الشرعي، والتحية التي أرادها الله جل وعلا. أما ما عليه الناس من استبدال التسليم ببعض التحيات غير المعروفة، فلا يجوز أن يبتدأ بها. كان بعض الناس إذا اتصل على صاحبه: «صباح الخير»، «مساء الخير»، «أهلا وسهلا»، «يا مرحبا»، مثل هذه العبارات هي تجوز، لكن تكون بعد السلام الشرعي. ابدأ بالسلام الشرعي ثم خذ بما بدأ لك من هذه العبارات، لكن أول ما تبتدأ ابدأ الناس بالسلام الشرعي. والسلام الشرعي أقل ما يبدأ به «السلام عليكم» فقط، هذا أقل ما يبدأ. لا تقول «السلام»، قل «السلام عليكم». إن أردت أن تزيد «السلام عليكم ورحمة الله»، أحببت أن تزيد في العبارة وتزداد في الأجر «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، وبهذا جاءت الأدلة. هل لك أن تزيد أكثر من ذلك؟ كان تقول: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه»؟ هذا محل نظر، هذا محل نظر. أما عبارة «ورضوانه» فلم تثبت أبدا، لم تأت أحاديث متعلقة برضوانه. أما المغفرة نعم، جاءت أحاديث في بعض الروايات. السنة أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال هذا: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته». وكلمة «مغفرته» هي محل نظر بين العلماء لأنها مسألة حديثية، هل يشرع أن تزاد لثبوتها في السنة أو لا يشرع؟ اختلف العلماء في ذلك، وهي رواية جاءت على رواية من بيهقي في «شعب الإيمان» من حديث يوسف بن زيد، واختلف العلماء في تصحيحها وتضعيفها. والكثير من العلماء على ضعفها، الكثير من العلماء على ضعفها، وأنه لا يشرع لأنه أخص ما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام أن قال «وبركاته». ويستأنس بفعل الصحابة كما جاء ذلك في «موطأ» مالك رحمه الله تعالى من حديث محمد بن عمر، أن رجلا من أهل اليمن قدم على ابن عباس رضي الله تعالى عنه، فقال: «السلام عليك ورحمة الله وبركاته»، وزاد شيئا. قال الراوي: «وزاد شيئا»، فقال ابن عباس: «من هذا؟» -وكان ابن عباس قد ذهب بصره في آخر عمره- فقال: «من هذا؟» أي: من المسلم؟ فقيل له: «يا ابن عباس، إنه رجل من أهل اليمن»، في رواية: «إنه رجل يماني يغشاك»، رجل يماني يغشاك، فقال ابن عباس رضي الله تعالى: «حسبك إلى بركاته»، وفي رواية: «حسبك إلى البركة»، حسبك إلى البركة، أي: لا تزد على البركة، أي: «السلام عليك ورحمة الله وبركاته». فيستأنس بهذه الآثار وما في معناها، وخاصة أن الأحاديث المتفق على صحتها كلها تصل إلى حد البركة، فالزيادة على ذلك فلا تشرع على القاعدة. ومن قال بتصحيح الرواية التي فيها «أو مغفرته»، فالأمر في ذلك إن شاء الله -يعني- ينظر على حسب صحة الرواية وتصحيحها والقول بها. فهذا إخواني في الله مسألة أخرى، وانتهى بنا الكلام على مسألة كذلك وهي تتعلق بالتسليم، موضوع مصافحة. فممن يتبع وممن يلحق بموضوع التسليم المصافحة، فالتسليم باللسان والمصافحة باليد. فقال: جاء من حديث البراء، والصحيح أنه موقوف على البراء بن عازب، أنه قال رضي الله تعالى عنه: «قال: من تمام التحية أن تصافح أخاك»، من تمام التحية أن تصافح أخاك. فالمصافحة كذلك مع التسليم، والمصافحة مع أن التسليم له فضيلة، فكذلك المصافحة لها فضيلة أخرى. قال عليه الصلاة والسلام: «من لقي أخاه المسلم فأخذ بيده فسلم عليه، وأخذ بيده وصافحه، تناثرت خطاياه كما تتناثر ورق الشجر». فهذا فضيلة في استحباب المصافحة عند التسليم، وهذا إذا أمكن، وهذا إذا قرب منك. إذا قرب منك وأمكنت المصافحة فصافح، فإن بعد عنك فيمكن ماذا؟ أنك تومئ بإيماءة، تومئ إيماءة، تقوم بعد السلام عليكم فنشر بيدك، هذا إذا أبعد. أما إذا قرب فموقفك يا عبد الله المصافحة، وهذا الذي يقال عند اللقاء، حكمه حكم المغادرة. طبعا قلنا: أنت لقيت أخا من إخوانك من المسلمين: «سلام عليكم» باللسان، وأخذت كذلك بيده. عند المغادرة أردت أن تنصرف من المجلس، هل يستحب هذا الفعل أم لا يستحب؟ الصحيح من أقوال العلماء أنه يستحب أنك عند المغادرة وعند الفراق لك أن تسلم، لك أن تسلم «السلام عليك» انصرافا. وهل يتبع السلام بالمصافحة؟ نعم يتبع. واستدل العلماء ببعض الأحاديث، فمن ذلك في قول نبينا: «إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم، فإذا انصرف فليسلم»، فليست الأولى أحق من الأخرى، فدل ذلك على أن التسليم يكون عند الابتداء وعند الانتهاء. واستدل العلماء وبما أن المصافحة على حكم التسليم فيشرع ويستحب المصافحة عند اللقاء والمصافحة عند المغادرة. فأنت يا عبد الله إذا كنت ستغادر مجلسا أو أردت أن تذهب عن أخيك تقول: «السلام عليك»، لك أن تصافحه، لك أن تصافحه. وإن كانت الروايات في باب المصافحة عند المغادرة لها ألفاظ لكنها ضعيفة. لكن بعض العلماء أخذوا بتمام الحديث: «من تمام التحية المصافحة»، فأخذوا أن ما يقال في التسليم يقال في المصافحة، بما أن التسليم يشرع عند الابتداء وعند المغادرة فهكذا المصافحة تشرع عند الابتداء وعند المغادرة. ولهذا قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: قال: «ولا يمكن ولا يقال أن المصافحة عند المغادرة بدعة، لا يقال بهذا». قال: «أقل أحوالها أن يقال أنها مستحبة»، قال: «لا نقول أنها سنة ونقول أنها بدعة، بل نقول هي مستحبة»، هي مستحبة، وذلك لعموم الأدلة. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.