شرح أعلام السنة المنشورة  85

شرح أعلام السنة المنشورة 85

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 85، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

معنى الاختلاف الذي أدى إلى إرسال نوح عليه السلام وتاريخ ظهور الشرك

كان الناس على التوحيد لفترة عشرة قرون بين آدم ونوح، ثم اختلفوا وظهر الشرك، فأرسل الله نوحا عليه السلام لدعوتهم إلى التوحيد مرة أخرى.

رد على فكرة ظهور الشرك قبل قوم نوح وبداية الشرك

يرد المقطع على فكرة ظهور الشرك قبل قوم نوح مستندا إلى أقوال العلماء وأحاديث نبوية، ويشرح كيف بدأ الشرك في قوم نوح من خلال نصب تماثيل للصالحين.

تحذير من الشيطان ودور الأنبياء في مواجهة الشرك

يجب على المسلمين الحذر من وسائل الشيطان في إغواء الناس، وقد بعث الله الأنبياء مبشرين ومنذرين لمواجهة الشرك، ويطلب المتحدث من الله النفع بما قاله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال حفظ الحكم رحمه الله تعالى: قال متى كان الاختلاف؟ وسؤاله، رحمه الله تعالى، إنما يتفرع من السؤال الذي مر معنا في درس أمس، وذلك عندما تطرق إلى هذا السؤال: من هو أول الرسل؟ ثم أجاب بقوله: أولهم بعد الاختلاف نوح عليه السلام. ومضى معنا ما يتعلق بهذه المسألة في الأولية التي كانت نوح عليه السلام، لكن قوله: أولهم بعد الاختلاف نوح، هنا أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يبين لنا ما الذي يعنيه بالاختلاف. قال متى كان الاختلاف الذي على أثره أرسل الله سبحانه وتعالى نوحا عليه السلام؟ قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. هذه إجابته رحمه الله تعالى، والتي بها أزال الإشكال حول ما هو الاختلاف الذي وقع ومن ثم أرسل الله سبحانه وتعالى نوحا كأول رسول يرسله ربنا إلى أهل الأرض، وهو الذي بينه لنا ابن عباس رضي الله تعالى عنه بقوله: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا، إذن هذا هو الاختلاف. قال ثم قرأ ﴿فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين﴾، والآية ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين﴾. وهذه الآية بعض الناس لربما ما يدري كيف تفهم، قال: كيف كان الناس أمة واحدة ثم بعث الله الأنبياء والرسل فوقع الخلاف؟ لا، وإنما الخلاف وقع قبل بعثة الأنبياء والرسل، فتقدير الآية: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. ويؤيد هذا المعنى قراءة ويقرأ بها الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه القراءة التفسيرية، إذ كان يقرأ هذه الآية بهذا اللفظ: ﴿كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين﴾. وهذا الأثر إخواني في الله فيه مسائل عديدة، منها أولا علمنا ما هو الاختلاف الذي وقع، وهو أن فترة ما بين آدم إلى نوح كانت على خير ثم دب الخلاف. وسيأتي معنا ما هو الخلاف الذي دب، على إثر هذا الخلاف أرسل الله سبحانه وتعالى نوحا عليه السلام. هذا الحديث بين أولا هذا الأثر عن ابن عباس فيه بيان على أن الفترة الزمنية بين نوح وآدم استمرت عشرة قرون، استمرت عشرة قرون. وهذا الأثر أولا هو صحيح، فقد رواه الحاكم في مستدركه وصححه ولم يعقب عليه الذهبي بشيء. زد على ذلك أن هذا الأثر الوارد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في تحديد المدة ما بين آدم إلى نوح بعشرة قرون جاء كذلك في السنة، فالشيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة أورد حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه عندما سئل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آدم: أنبي؟ قال: نعم مكلم، ثم أتبع بهذا السؤال: وكم بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون. قال: عشرة قرون، ففيه أن هذه المدة كذلك ثبتت عن رسول الله، وهذا على هذا الحديث ويحسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، فمن يرى صحة هذا الحديث فهو حجة في هذا الباب، ومن لم يرى بصحته فقد جاء موقوفا، وأيضا ما عندنا من أثر ابن عباس فإنه يستدل به ويستأنس به، إذن هذه المدة صحيحة بين آدم وبين نوح عشرة قرون. هذه القرون ما معناها؟ ما معنى القرن؟ للعلماء في ذلك تفسيران، التفسير الأول: منهم من قال أن القرن هو بمعنى مئة سنة، القرن الواحد مئة سنة، إذن عندي عشرة قرون تعتبر ألف سنة ما بين آدم إلى نوح ألف سنة، هذه فترة كان الناس فيها على خير، وهذا على قول من حسبها بالعددية. ومنهم من حسبها بالوصفية، فقال: أن القرن لا يعد بفترة ولا يعد بعدد، وإنما القرن باعتباره الجيل أو الطائفة، الجيل أو الطائفة، واستدل هؤلاء بقوله عليه الصلاة والسلام مثلا: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم»، ما معنى قرني؟ أي جيل الذي أنا فيه، الجيل أو الزمن الذي أنا فيه بغض النظر عن المدة، فهذا بعضهم يقول: عشرة قرون أي عشرة أجيال، ونحو ذلك من المدد ما يحددها بسن معين. فهذه معنى القرون بين العلماء، قال ابن عباس: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، أي كلهم كانوا على الإسلام، كلهم كان على الإسلام على التوحيد على دين الفطرة، ما كان يعرف في هذه الحقبة الزمنية ما كان يعرف شرك ولا كفر، لا شرك ولا كفر، وهذا هو الصحيح في هذا المبحث، وعلى هذا التأصيل وعلى هذا التقعيد فيه الرد على بعض الناس. وهي كذلك فكرة أخذها الملاحدة ونعق بها الفلاسفة واغتر بها كذلك بعض الكتاب، ومفاد هذه الفكرة أن الأمر على العكس، أن الأمر على العكس، نحن الآن نقرر على أن الفترة من بين آدم إلى نوح عشرة قرون كلها فيها التوحيد الصافي، ثم ظهر الشرك بعد ذلك، هؤلاء يعكسون يقول: لا، بالعكس، إنما أول ما بدأ الإنسان على الشرك، ما بدأ الإنسان على الشرك، كان مشركا. وكانوا يربطون علاقة الشرك بعلاقة التطور، كان الإنسان متخلفا في المساء المادية، وكان تخلفه ظهر أثره في تفكيره، إذ أنه لا يدري من الإله الذي يعبده، فكان في بداية أمر الإنسان وبداية الخليقة أنه يتخذ آلهة متعددة، فكان منهم من يعبد الآباء، ومنهم من كان يعبد الأجداد، ومنهم من كان يعبد المخلوقات الضخمة، ومنهم من كان يعبد الأفلاك كالشمس والقمر والكواكب. هكذا كان حالهم بداية الإنسان البدائي، ثم لما تطور الإنسان في طريقته وفي أسلوب حياته تطور أيضا في تفكيره، فأصبح يتخلى عن كثير من آلهة، كلما ارتقى في تطوره كلما ارتقى في نمط تفكيره حتى وصل إلى التوحيد باتخاذ إله واحدة، باتخاذ إله واحدة، هذه فكرة يدند بها الزنادقة من الملاحدة. والأسف أن بعض حتى من ينتسب إلى الإسلام من بعض الكتاب الإسلاميين كالعقاد مثلا تبنى هذا الرأي، وهذا غلط، هذا غلط، ورد على هؤلاء من عدة أمور، هذه الآية وهذا الأثر الذي بين أيدينا فيه أن الناس أول ما بدأوا على التوحيد، ما ظهر الشرك إلا مؤخرا، فما كان هناك شرك، فلا يقال أن الإنسان بدأ بالشرك. وكيف يقال أن آدم عليه السلام كان مشركا؟ وربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿إن الله اصطفى آدم﴾، ربنا اصطفى بماذا اصطفى؟ يصطفي وهو مشرك لا حاشا، وكل آدم عليه السلام عندما أكل من الشجرة ما الذي فعل؟ تاب وأناب واستغفر، من استغفر ربه جل وعلا فعلا، إذن يعتقد بربوبية الله عز وجل، فهذا دليل قاطع يدل على أن هذه الفكرة ليست بصائبة أبدا وأنها خاطئة. وأن الصحيح في هذه المسألة كما قال العلماء: على أن أول ما بدأت البشرية من لدن آدم عليه السلام إلى قوم نوح إلى أن بعث الله نوحا عليه السلام، هذه الفترة كلها على التوحيد الصافي، ما عرف شركا ولا كفرا ولا بأصنام ولا بأوثان، ضهى طبعا. وكذلك مسألة أخرى أنبه عليها في هذا المقام، وهي رد على بعض المؤرخين ممن زعم أن الشرك ظهر، لكن ليس في قوم نوح، وإنما كان بعد موت آدم عليه السلام، وقد ذكر ذلك أهل التاريخ كالكلب في كتابه «الأصنام»، ألف هذا المؤلف وكان يتتبع أصنام العرب الموجودة، وذكر أن أول صنم عبد كان بعد زمن آدم عليه السلام. فذكر قصة مفادها على أن رجل من بني قابيل ابن آدم، أن آدم عليه السلام كان موجودا وكان جثمانه موجودا وكان يتلمسون بها البركة، إلى أن جاء رجل قال: لماذا لا ننحت له صنما؟ ننحت له صنما، فصنع له صنما، فعبد من دون الله، وهذا كذلك مردود، وهذا قال به بعض المؤرخين، لكنه مردود، ليس لنا فيه إسناد، وإنما الذي ثبت هذا الذي يرجع إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا، متى جاء الاختلاف؟ الاختلاف ظهر في قوم نوح. ويؤيد هذا المعنى ويوضحه تلكم القصة التي رواها وذكرها لنا الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه من طريق عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أنه كان يذكر أسماء تلكم الأصنام الذي جاء ذكرها في سورة نوح: «ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر»، أنه رضي الله تعالى عنه قال: بأن هذه الأسماء هي أسماء لرجال صالحين من قوم نوح. هؤلاء الخمسة عبارة عن أسماء لرجال كانوا من أهل الصلاح من قوم نوح، وأنهم لما ماتوا، وقال علماء: أن موتهم كان في زمن متقارب، طبعا لم يكونوا في بلد واحدة، بل كانوا هنا وهنا وهنا وهنا في أماكن شتى، لكن موتهم كان في زمن متقارب، فلما ماتوا أوحى الشيطان إليهم إلى أقوامهم وإلى محبيهم: أن انصبوا في مجالسهم التي تجلسون فيها أنصابا. إذ أن هؤلاء بادئ الأمر ما بدؤوا إلا بعقد مجالس، بمجالس بمجالس، كل يذكر مآثر هذا الصالح، أصحاب ود يذكرون مآثر ود، وأصحاب سواع يذكرون ما كان من محاسنه، وكل يذكر مآثر هذا الرجل الصالح الذي عندهم، ثم أوحى الشيطان بعد ذلك إليهم: أن يتخذوا أصناما أو أنصابا، ما سميت بصنم، سميت بنصب تذكاري، كما يسمى الآن نصب تذكاري، أنصابا، لماذا؟ هذه الأنصاب توضع حتى تذكرهم بها. انظر نعم هذا هو نعم الرجل الصالح سواع أو يغوث أو يعوق أو نسر، فكان الشيطان أوحى إليهم أن يتخذوا بعد عقد المجالس أن ينصبوا لهم نصبا، ثم قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: قال: ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم، أي متى جاءت عبادة هذه الأصنام؟ في الفترة الأولى ما عبدت، لأنها إنما جعلت كنصب تذكاري. ثم بعد ذلك إذا مات هذا الجيل جاءت الأجيال تلو الأجيال، عبدت من دون الله، مع ذهاب العلم كما قال: «حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت»، هذا الأثر إخواني في الله لا غبار على صحته، وهذا قول جماهير العلماء، وكفاه أن البخاري أورده في صحيحه وجعله أصلا في تفسيره. زد على ذلك أن المحدثين من القدامى ما عقبوا عليه بشيء، أضف إلى ذلك أن هذا الحديث مؤيد بآيات قرآنية تثبت حقائق هذه القصة، إلى أن هؤلاء كانوا في قوم نوح، هذه القصة إخواني في الله عظيمة ومسائلها كثيرة، لا يسع المقام لذكرها، لكن إشارة إلى فعل الشيطان مع قوم نوح، وكيف توصل بهم إلى هذا الحال، مما ينبغي أن يتنبه له من هذه القصة. إخواني في الله: أن الشيطان أحيانا يفتح لك بابا من أبواب الخير، لكن ليس للخير، إنما ليوصلك إلى باب شر، الشيطان قد يضطر إلى هذا، وإلا هذا على خلاف طبيعته، الشيطان لو أراد أن يجعلك في الشر المحض، لكن إذا ما كان لذلك سبيل إلا عن طريق يدخلك إلى باب خير، وهذا من طريقه يوصلك إلى الشر سيفعل، سيفعل. كما فعلها أولا أمرهم بأن ينصبوا نصبا، لماذا؟ هذه النصب لكي يذكروا أهل الأخيار، طبعا هذه محسنة، هذه حسنة، التذكر الأخيار والاقتداء بهم والاعتبار بفضائلهم، هذه أمر خير، لكن ما أراد الشيطان هذا الخير ذاته، وإنما أراد ما بعده، ولهذا تجد الشيطان إخواني في الله لربما يدلك على أمر مفضول، على عبادة تعتبر مفضولة مقابل أن تترك الفاضل. يجعلك تنشغل في مستحب مقابل أن تترك واجبا، لربما يجعل فيك غيرة على الإسلام والمسلمين، لكن مقابل أنك تسفك الدماء، وعلى أنك تطعن في أعراض المسلمين وترميهم بالكفر، هذا من مداخل الشيطان، فيفتح عليك بابا من أبواب الخير، لكن مؤداه بعد ذلك إلى الشر، ومن هنا كان من فقه المسلم: أنه إذا أراد أن يقدم على عمل ينظر إلى حاله وينظر إلى مآله. ينظر إلى الحال وينظر إلى المآل، فإن كان هذا الخير الذي هو فيه مآله أنه يبعد عن خير أفضل، لا يترك هذا الخير، إن كان يبعدك عن خير هو أفضل من هذا الخير الذي أنت فيه، وهذا الذي استطاع الشيطان من خلاله أن يتلاعب بقوم نوح أيضا، من فوائد هذا الأثر: على أن الشيطان عنده سعة نظر، سعة نظر، انظر ما استعجل في الأمور. وإنما هذا الجيل أعطاهم برهة من الزمن إلى عقد مجالس، ثم أعطاهم مدة في أنهم ينصبوا النصب للتذكار فقط، ثم أخذ مدة حتى جاءت العبادة المحضة لهذه الأصنام، فالشيطان إخواني في الله عنده الحرص، عنده الصبر، عنده سعة النظر، فإذا كان هذا من حال الشيطان وما كان من أوليائه في أذية أهل الإسلام والتخطيط للصد عن سبيله. فإن أهل الإيمان والإسلام ينبغي أن يكونوا أحرص في هذا المقام، أن الواحد عنده سعة نظر وصبر في دعوة الناس إلى الخير، فلا تيأس عبد الله ولا تستوحش الطريق وإن بعدت الشقة، فعليك أن تصبر وعليك أن تصابر، فهذا الشيطان يصبر السنوات الطوال في سبيل ماذا؟ في إدخال الناس إلى هذا الشر. كذلك من فعل الشيطان التدرج، كما في هذه القصة، فإنه لم يأت لهم بالشرك المحض، ما أتى من أول وهلة إلى قوم نوح بعد موت ود وسواع ويغوث قالوا: عبدوهم، لو قال ذلك لرد الناس دعوة الشيطان وما أصغى أحد إلى وحيه، لكن ما الذي فعل؟ تدرج، مرحلة بعد مرحلة، مرحلة بعد مرحلة حتى أوصلهم إلى الكفر الأكبر، إلى الكفر الأكبر. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾، فالشيطان إيصالك إلى أبواب الشر قد لا يكن من أول وهلته، وإنما يتدرج معك درجة بعد درجة حتى يوصلك إلى ذلك، كذلك من هذا الأثر: أن أعظم ما يريده الإنسان، أن ما يريده الشيطان من بني آدم: الوقوع في الشرك، هذه أمنيته، هذه أمنيته، وهذا الذي يعمل به ليل نهار أن يوقع الناس في الشرك. أول طلب له، لماذا؟ الشيطان إخواني في الله مقره جهنم، خالدا مخلدا فيها، وهو يريد من يؤانسه في جهنم، العصاة من أهل الإسلام فإنهم إن دخلوا النار فإنهم يدخلون فيها لفترة ثم يخرجهم الله لإيمانهم وإسلامهم، لإيمانهم وإسلامهم، لكن من وقع في الكفر فإنه يبقى خالدا مخلدا في نار جهنم مع إبليس. ولهذا إبليس يريد أن يستكثر من هؤلاء ممن يكون معه أبد الآبدين، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان جلس لابن آدم بأطرقه»، بجميع طرقه، قال: «فجلس له في طريق الإسلام»، قال: أتسلم؟ إذا رأى رجلا أراد أن يسلم، جلس له في طريق الإسلام، قعد له يثنيه عن الإسلام. قال: «أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟» قال: «فعصاه فأسلم»، قال: «فجلس له في طريق الهجرة»، قال: أتهاجر وتدعى أرضك وسماك؟ قال رسول الله: «فعصاه فهاجر»، «فجلس له في طريق الجهاد»، قال: أتجاهد جهد المال والنفس فتقسم الأموال وتنكح المرأة؟ قال رسول الله: «فعصاه فجاهد»، قال: «فبينا فوالذي نفسي بيده من فعل ذلك كان من أهل الجنة - أو كما قال -» والحديث حسنه الحسين والشيخ الألباني رحمهما الله. فانظر إلى الطرق، أول طريق: طريق الإسلام، فإن الشيطان لك بالمرصاد، فأول ما يريد الشيطان من بني آدم أن يوقعهم في الشرك، وهذا الذي فعله مع قوم نوح كذلك، في هذا الأثر من فوائده: عدم التساهل، عدم التساهل في الوسائل الموصلة للشرك، أحيانا بعض الناس إخواني في الله يتساهلون في هذا الباب. إذا علم أن هذا شرك، وأن هذا من الشرك اللفظي أو أن هذا من الشرك الأصغر أو أن هذا من الشرك الخفي أو أن ذلك وسيلة للشرك، يعني مهو شرك، يقول: يا أخي هذا وسيلة، وسيلة، يقول: يا أخي مهو شرك، يعني فيرى أن إذا ما كان بالشرك وأنه دون الشرك فيضع بعض الناس لربما يحوم حوله، يحوم حول هذه الوسيلة، لكنهم متى ما وقع في هذه الوسيلة فإنها تجره إلى الكفر. كما وقع مع من؟ مع قوم نوح، تساهل في وسائل الشرك، ومنها وضع الأصنام، وضع النصب، فإنها وسيلة من وسائل الشرك، ولهذا جاءت الشريعة بتحريم التصاوير، تحريم التصاوير وتحريم التماثيل: «لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته»، التماثيل تطمس وتلغى وتكسر، لماذا؟ لأنها وسيلة لأن تعبد من دون الله سبحانه وتعالى. ولهذا كانت الشريعة صارمة في هذا الباب، عدم جعل التصاوير، وجعل الأصنام، وجعل التماثيل المنحوتة والمنقوشة هنا وهنا، لأن ذلك ذريعة إلى تعظيمها، ومن ثم الدخول في الشرك، كذلك في هذا الأثر، أثر ابن عباس: فيه من فوائده: أن من أعظم ما يدخل الناس في الشرك والكفر: الغلو في الصالحين. ما هي الطريقة التي بها الشيطان استطاع أن يصطاد من قوم نوح أقواما في إدخالهم بالكفر؟ وهذا الوتر: الغلو في الصالحين، هذا ود، هذا سواع، هذا يغوث، هذا يعوق، هذا صالح، هذا عابد، هذا تقي، هذا نقي، هذا الطاهر، هذا العفيف، هذا وهذا، فلا زال ينفخ في أمثال هؤلاء، هذا ولي من أولياء الله، ولي من أولياء الله. فيعظم أمثال هؤلاء الصالحين في قلوب الأتباع، حتى يوصلهم إلى درجة الاعتقاد فيهم، وأن مما يعتقد فيهم النفع والضر، وأنهم وجوه عند الله جل وعلا، وأنهم المدد، وأنهم الباب الموصل إلى الله سبحانه وتعالى، ولهذا قال بعض من قال من علمائنا: من أوسع عود الباطل: الغلو في الأفاضل. وأخيرا من فوائد هذا الأثر إخواني في الله: ماذا؟ فضيلة العلم، متى وقع العلم كما قال ابن عباس: «وما عبدت حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم»، أي ذهب العلم، فلما ذهب العلم ما الذي صار؟ وقع الشرك، فوجود العلم، ووجود العلماء في الأمة يعتبر صمام أمان من الفتن، من فتن الشهوات ومن فتن الشبهات. وجود العلماء حماية، وجود العلم الشرعي حماية لهذا المجتمع، ومن أراد إخواني في الله أن يحصن المجتمعات بشيء، فوالله ما حصنت الأفراد والمجتمعات بمثل بث العلم هنا وهنا، معرفة الحلال والحرام، معرفة الفرائض والواجبات، معرفة العقيدة والتوحيد، معرفة التعلم من الشريعة الربانية والسنة النبوية. متى بث العلم بين الناس كان الناس في حماية، وأينما وجدت البلاد التي فيها العلماء فالناس فيها في حماية، لكن لا علم ولا علماء، حينها تجد أن الشر ينتشر، ينتشر، مثاله: هذه البلدة لما كان فيها ود، وكان فيها سواع، وكان فيها نسر، كانوا أهل صلاح، ويقال: أنهم كانوا من أهل العلم، ما عبدوا مع وجودهم. لكن لما ذهب العلماء الأخيار، ثم نسي العلم، فبقي الجهل هو المتمكن، ما الذي يرجى بعد ذلك؟ يرجى بعد ذلك الظلام، ما يرجى من تلك البلاد وتلك البيئات إلا الكفر والشهوات والشبهات تترامى على أهلها، فبهذا إخواني في الله: فمن أراد أن يحصن نفسه أو أهله أو عياله أو بلده أو وطنه من هذه المدلهمات. فعليه بالعلم، ونعني به العلم الشرعي، إخواني في الله، هذه خلاصة بعض المسائل المتعلقة من هذه الفقرة، والتي سأل فيها المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: متى كان الاختلاف؟ فذكر لنا أثر ابن عباس رضي الله تعالى عنه، والذي قال فيه: أن بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا. وعلمنا الاختلاف الذي وقع، وهو ظهور الشرك، كيف أن الشيطان استطاع أن يتغلغل ويتغلل مع قوم نوح حتى أوصلهم إلى ما أوصلهم إليه، حينها فبعث الله نوحا عليه السلام، وبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.