شرح نواقض الإسلام 1

الدرس في شرح نواقض الإسلام 1، الدرس الأول ( اعلم أن نواقض الإسلام عشرة نواقض ... وما للظالمين من أنصار ). ألقاها

مقدمة في نواقض الإسلام

ناقش الشيخ مفهوم نواقض الإسلام مستندًا إلى كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب، حيث عرّف نواقض الإسلام بأنها الأفعال التي تُفسد الإسلام وتُخرج من الملة. يُوضح أن هناك عشرة نواقض مذكورة في النص ويتناول الإشكال حول تحديد عددها.

الناقض الأول: الشرك في عبادة الله

الناقض الأول من نواقض الإسلام هو الشرك في عبادة الله، ويشمل الشرك في الألوهية والربوبية والأسماء والصفات. يُبين أن الشرك في العبادة هو صرف العبادة لغير الله، وقد كان هذا النوع من الشرك منتشرا في زمن الشيخ.

تعريف الشرك وأقسامه

يشرح المقطع مفهوم الشرك في العبادة ويبين أنه ناقض للإسلام وأعظم الذنوب، مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. كما يتناول تعريف الشرك الأصغر واختلاف العلماء حول مغفرته.

التفريغ النصي الكامل

رَبَّ الْعَالَمِينَ حَمْدًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ، فَمَا زِلْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي دُرُوسِ التَّوْحِيدِ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُعِينَنَا عَلَى اتْمَامِ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ، وَعَلَى أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ تَعَلَّمَهَا وَفَهِمَهَا فَهْمًا حَسَنًا، وَكَذَلِكَ مِمَّنْ عَمِلَ وَيَعْمَلُ بِمُقْتَضَى مَا عَلِمَ، وَكَذَلِكَ بِأَنْ يَدْعُوَ إِلَى ذَلِكَ الْعِلْمِ الَّذِي قَدْ عَلِمَهُ بِأَنْ يُعَلِّمَ وَيُبَلِّغَ مَا تَعَلَّمَهُ، إِنْ كَانَ قَدِ اتَّخَذَ ذَلِكَ الْعِلْمَ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. دَرَسْنَا الْيَوْمَ -كَمَا أُعْلِنَ عَنْهُ- فِي «نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ»، فِي «نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ» لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «نَوَاقِضُ الْإِسْلَامِ». قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «اعْلَمْ أَنَّ نَوَاقِضَ الْإِسْلَامِ عَشْرَةٌ». قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «اعْلَمْ» تَكَرَّرَ مَعَنَا مِرَارًا أَنَّ هَذَا الْأُسْلُوبَ يُسْتَخْدَمُ لِلتَّنْبِيهِ إِلَى الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ وَالْأُمُورِ الْجَلِيلَةِ الْعَظِيمَةِ. أَوَّلًا: لِأَنَّهُ جَاءَ بِأُسْلُوبِ فِعْلِ الْأَمْرِ الدَّالِّ بِمَعْنَاهُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ أَوْ عَلَى الْجَزْمِ وَالْحَزْمِ. ثَانِيًا: أَنَّهُ ذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْفِعْلَ بِقَوْلِهِ: «اعْلَمْ»، وَالْعِلْمُ كَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، يَدُلُّ عَلَى الِاهْتِمَامِ. فَقَوْلُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «اعْلَمْ» كَأَنَّهُ يَقُولُ لِهَذَا الْمُتَعَلِّمِ: «احْرِصْ غَايَةَ الْحِرْصِ عَلَى مَا سَيُذْكَرُ لَكَ مِنَ الْعُلُومِ وَمِنَ الْمَسَائِلِ وَقَيِّدْهَا»، وَكَذَا «اعْمَلْ بِمُقْتَضَاهَا». فَالشَّاهِدُ أَنَّ فِيهِ مَعْنَى الِاهْتِمَامِ وَالِانْتِبَاهِ وَالتَّهْيِئَةِ لِلطَّالِبِ لِمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ. وَهَذَا الْأُسْلُوبُ -كَمَا سَمِعْتُمْ- مَأْخُوذٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فَعِنْدَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ يُؤْتَى بِمِثْلِ هَذَا الْأُسْلُوبِ الْجَلِيلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الِاهْتِمَامِ. قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «اعْلَمْ أَنَّ نَوَاقِضَ الْإِسْلَامِ...». «نَوَاقِضُ» جَمْعُ «نَاقِضٍ»، وَ«النَّاقِضُ» فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الْمُفْسِدِ. فَيُقَالُ: «أَفْسَدْتُ الشَّيْءَ بَعْدَ إِحْكَامِهِ»، وَكَذَلِكَ «نَقَضْتُ الْبِنَاءَ» إِذَا هَدَمْتُهُ. وَمِنْهُ كَذَلِكَ «نَقْضُ الثَّوْبِ بَعْدَ غَزْلِهِ». وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾. وَشَرْعًا: الْمُرَادُ بِهِ الْإِتْيَانُ بِمُفْسِدٍ مِنْ مُفْسِدَاتِ الْإِسْلَامِ، الْإِتْيَانُ بِمُفْسِدٍ مِنْ مُفْسِدَاتِ الْإِسْلَامِ الَّذِي إِذَا وُجِدَ سَقَطَ اسْمُ الْإِسْلَامِ، أَوْ انْتُزِعَ اسْمُ الْإِسْلَامِ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي قَامَ بِهِ ذَلِكَ الْوَصْفُ بِشُرُوطِهِ. وَالْإِسْلَامُ لُغَةً: هُوَ الْخُضُوعُ وَالتَّذَلُلُ. وَشَرْعًا: عِنْدَمَا نُعَرِّفُهُ شَرْعًا تَقَدَّمَ مَعَنَا فِي دُرُوسٍ مَضَتْ: «عِزُّ الْإِسْلَامِ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالْقِيَامِ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْبَرَاءَةِ مِنْ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ»، كَمَا عَرَّفَهُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي «الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ»، وَقَدْ تَقَدَّمَ. فَمَعْنَى «اعْلَمْ أَنَّ نَوَاقِضَ الْإِسْلَامِ»: أَيْ «مُفْسِدَاتِ الْإِسْلَامِ»، «مُفْسِدَاتِ الْإِسْلَامِ الَّتِي إِذَا وُجِدَ وَاحِدٌ مِنْهَا لَمْ يَبْقَ مَعَ الْإِسْلَامِ مَعَ الْإِنْسَانِ، لَمْ يَبْقَ مَعَ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ إِسْلَامٌ، بَلْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَصَارَ مُرْتَدًّا». قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «اعْلَمْ أَنَّ نَوَاقِضَ الْإِسْلَامِ عَشْرَةٌ». هَكَذَا جَاءَ فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ: «اعْلَمْ أَنَّ نَوَاقِضَ الْإِسْلَامِ عَشْرَةٌ». وَجَاءَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: «اعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ عَشْرَةٌ». «اعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ عَشْرَةٌ». وَعَلَى النُّسْخَةِ الْأُخْرَى لَا إشْكَالَ فِي الْكَلَامِ. وَعَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ وَقَعَ إشْكَالٌ، وَهُوَ: كَيْفَ يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «إِنَّ النَّوَاقِضَ عَشْرَةٌ»؟ وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى نَوَاقِضَ كَثِيرَةً فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، فِي أَبْوَابِ الرِّدَةِ، أَوْصَلَهَا بَعْضُهُمْ إِلَى نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ نَاقِضٍ. فَكَيْفَ يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «إِنَّهَا عَشْرَةٌ»؟ أُجِيبَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ، وَوُجِّهَتْ بِثَلَاثَةِ تَوْجِيهَاتٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَشَرَةِ «النَّوَاقِضُ» أَيْ: الْعَشَرَةُ «النَّوَاقِضُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ». فَالنَّوَاقِضُ الْمَذْكُورَةُ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّهَا نَوَاقِضُ مِنْ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا «النَّوَاقِضُ» الَّتِي «فَشَتْ وَانْتَشَرَتْ بَيْنَ النَّاسِ»، أَشْهَرُهَا «النَّوَاقِضُ» الَّتِي «فَشَتْ وَانْتَشَرَتْ بَيْنَ النَّاسِ». الثَّالِثُ: أَنَّحُ أَنَّهَا «كَالْأُصُولِ لِبَقِيَّةِ النَّوَاقِضِ»، وَ«بَقِيَّةُ النَّوَاقِضِ لَهَا كَالْفُرُوعِ». هَذِهِ التَّوْجِيهَاتُ ثَلَاثَةٌ وَاضِحَةٌ. قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «الْأَوَّلُ» أَيْ: «النَّاقِضُ الْأَوَّلُ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ». قَالَ: «الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى». قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. قَالَ: «وَمِنْهُ الذَّبْحُ لِغَيْرِ اللَّهِ، كَمَنْ يَذْبَحُ لِلْجِنِ أَوْ لِلْقَبْرِ». قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «الْأَوَّلُ: الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ». يَعْنِي: أَوَّلُ هَذِهِ النَّوَاقِضِ «الشِّرْكُ»، وَ«الشِّرْكُ» فِي اللُّغَةِ: «مِنَ الْمُشَارَكَةِ»، وَهِيَ: «أَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا فِي أَمْرٍ مَا». وَ«الشِّرْكُ» شَرْعًا عُمُومًا: هُوَ «تَسْوِيَةُ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». يَدْخُلُ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ: «الشِّرْكُ فِي الرُّبُوبِيَّةِ»، وَ«الشِّرْكُ فِي الْأُلُوهِيَّةِ»، وَ«الشِّرْكُ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ». «الشِّرْكُ فِي الرُّبُوبِيَّةِ»: كَمَنْ اعْتَقَدَ فِي غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ «يَمْلِكُ النَّفْعَ وَالضَّرَّ»، أَوْ أَنَّهُ «يَرْزُقُ»، أَوْ أَنَّهُ «يَخْلُقُ»، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي. فَهَذَا قَدْ أَشْرَكَ فِي الرُّبُوبِيَّةِ. وَأَمَّا «الشِّرْكُ فِي الْعِبَادَةِ»، أَوْ «الشِّرْكُ فِي الْأُلُوهِيَّةِ»: فَهُوَ «أَنْ يُعْبَدَ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ غَيْرُهُ». وَ«الشِّرْكُ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ»: هُوَ «أَنْ يُشْبِهَ الْخَالِقُ بِالْمَخْلُوقِ»، أَنْ يُشْبِهَ الْخَالِقُ بِالْمَخْلُوقِ، أَوْ أَنْ يُشْبِهَ الْمَخْلُوقُ بِالْخَالِقِ. وَ«الشِّرْكُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصِفَاتِهِ» يَجْمَعُهُمَا هَذَا الْمَعْنَى: «تَشْبِيهُ الْخَالِقِ بِالْمَخْلُوقِ». كَمَنْ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ كَذَاتِنَا وَصِفَاتِنَا»، هَذَا شَبَّهَ الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ. وَ«الْمَخْلُوقُ بِالْخَالِقِ»: كَمَنْ يَجْعَلُ لِلْمَخْلُوقِ مِنْ أَسْمَاءِ الْخَالِقِ، أَوْ أَفْعَالِهِ، أَوْ صِفَاتِهِ مَا هُوَ مُخْتَصٌ بِالْخَالِقِ. فَهَذَا مِنْ «الشِّرْكِ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ». وَالشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَاهُنَا خَصَّ «الشِّرْكُ فِي الْعِبَادَةِ»؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ «الشِّرْكُ» أَنَّ غَالِبَ «الشِّرْكِ الْوَاقِعِ فِي الْأُمَمِ هُوَ الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». لِذَا أَرْسَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الرُّسُلَ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ؛ لِأَجْلِ أَنْ يُحَذِّرُوا وَأَنْ يَتَبَرَّأُوا وَأَنْ يُنْذِرُوا مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَهُوَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»، وَأَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَالرُّسُلُ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ بُعِثُوا بِتَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ. وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ. فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ الرُّسُلَ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ دَاعِينَ إِلَى تَوْحِيدِ الْعِبَادَةِ، وَإِلَى إِفْرَادِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْعِبَادَةِ، وَالْبَرَاءَةِ مِنْ «الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ»، وَالتَّحْذِيرِ وَالْإِنْذَارِ مِنْ «الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ»، بَلْ وَمُقَاتَلَةِ الْمُشْرِكِينَ إِنْ لَمْ يَرْجِعُوا إِلَى اللَّهِ وَإِلَى دِينِهِ. فَالشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى خَصَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ: «وَشِرْكِ الْعِبَادَةِ» لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ، هَذَا بَعْضُهَا. وَأَيْضًا: لِأَنَّهُ «الشِّرْكُ الَّذِي كَانَ مُنْتَشِرًا فِي زَمَنِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَبْلَهُ بِأَزْمَانٍ، وَكَذَلِكَ بَعْدَهُ بِأَزْمَانٍ». فَالشِّرْكُ الْوَاقِعُ الَّذِي رَآهُ الشَّيْخُ، وَرَآهُ مَنْ قَبْلَ الشَّيْخِ، وَرَآهُ مَنْ بَعْدَ الشَّيْخِ: هُوَ غَالِبًا مَا يَكُونُ فِي «شِرْكِ تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ». أَمَّا «تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ»: فَكَمَا تَقَدَّمَ مَعَنَا فِي «الْقَوَاعِدِ الْأَرْبَعِ»: «أَنَّ الْمُشْرِكِينَ مُقِرُّونَ بِهِ»، أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الْخَالِقُ وَالرَّازِقُ وَالْمُدَبِّرُ وَحْدَهُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. وَهَكَذَا فَهُمْ مُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الْخَالِقُ لِهَذِهِ السَّمَاوَاتِ، وَهُوَ الْخَالِقُ لَهُمْ، وَهُوَ الْمَالِكُ لِلنَّفْعِ وَالضَّرِ. وَلَكِنَّهُمْ أَشْرَكُوا فِي الْعِبَادَةِ؛ لَمَّا أَمَرَهُمْ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ، وَيَدَعُوا مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ، قَالُوا: «أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ». أَيْ: عَلَى الْمَعْبُودَاتِ الَّتِي نَعْبُدُهَا مَعَ اللَّهِ: «هُبَلَ وَمَنَاةَ وَالْعُزَّى وَغَيْرَهَا كَثِيرٌ». وَكَمَا ذَكَرْنَا فِي دَرْسٍ مَضَى: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَاتِحًا لِمَكَّةَ، وَكَانَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا، ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا، كُلُّهَا آلِهَةٌ تُعْبَدُ مَاذَا؟ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تُعْبَدُ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ: «اعْبُدُوا اللَّهَ»، قَالُوا: «أَجَعَلَ الْآلِهَةَ» أَيْ: هَذِهِ الْآلِهَةَ كُلَّهَا، ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ مَعْبُودًا، «نَجْعَلُهَا إِلَهًا وَاحِدًا وَنَتْرُكُ عِبَادَةَ هَؤُلَاءِ؟» فَاسْتَنْكَرُوا وَاسْتَكْبَرُوا، وَوَقَعَ مِنْهُمْ مَا وَقَعَ مِنْ كُفْرٍ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَشِرْكٍ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، شِرْكِ مَاذَا؟ شِرْكِ الْعِبَادَةِ، «الشِّرْكِ فِي الْعِبَادَةِ»، مَعَ أَنَّهُمْ مُقِرُّونَ وَمُوَحِّدُونَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَوْحِيدًا فِي «تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ». قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى». وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ أَوَّلُ هَذِهِ النَّوَاقِضِ». مَعْنَى هَذَا: «أَنَّ أَوَّلَ النَّوَاقِضِ وَأَعْظَمَ النَّوَاقِضِ الْمُخْرِجَةِ عَنْ دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». وَ«الشِّرْكُ الْوَاقِعُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَقَبْلَهَا مِنَ الْأُمَمِ هُوَ الشِّرْكُ فِي الْعِبَادَةِ». وَابْتَدَأَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِ «الشِّرْكِ بِالْعِبَادَةِ»، وَأَنَّهُ أَوَّلُ نَاقِضٍ؛ «اقْتِدَاءً بِدَعْوَةِ الرُّسُلِ»، «اقْتِدَاءً بِدَعْوَةِ الْمُرْسَلِينَ». فَإِنَّ الْمُرْسَلِينَ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ -كَمَا سَمِعْتُمْ- جَاءُوا دَاعِينَ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَمُنْذِرِينَ مِنَ الشِّرْكِ. فَأَسَاسُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ هُوَ هَذَا: «عِبَادَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ»، وَ«الْنَهْيُ وَالْبَرَاءَةُ وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَيِّ شِرْكٍ كَانَ، مُتَوَاتِرًا وَظَاهِرًا». وَسَبَبٌ آخَرُ: «أَنَّ أَعْظَمَ الذُّنُوبِ هُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. «لَا يَغْفِرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الشِّرْكَ». وَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا: «أَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْمُكَفِّرَاتِ -أَيْ: الَّذِي يُكَفِّرُ بِهَا الْإِنْسَانُ- أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَغْفِرُهَا لَا». وَلَكِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مَعْنَى الْكُفْرِ. وَ«الشِّرْكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالْكُفْرُ بِهِ أَعْظَمُ». فَإِنَّ الْكُفْرَ دَرَكاتٌ، وَمِنْ أَعْظَمِ أَوْ مِنْ أَشَدِّ دَرَكاتِهِ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ -كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ-: «أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ». فَالشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ أَوَّلَ النَّوَاقِضِ بِهَذَا الْأَمْرِ لِأُمُورٍ، هَذِهِ بَعْضُهَا. فَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ»: «الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ» مَا مَعْنَاهُ؟ كَمَا تَقَدَّمَ: «بِأَنْ يَتَّخِذَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَعْبُودًا يُعْبَدُ بِمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ اللَّهِ وَحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ حَقٌّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا لِغَيْرِ اللَّهِ. لِذَا قَالَ الشَّيْخُ: «الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى»؛ لِأَنَّ عِبَادَةَ الْعِبَادَةِ خَاصَّةٌ بِمَنْ؟ خَاصَّةٌ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَصَرْفُ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الشِّرْكُ. وَهُوَ أَصْنَافٌ وَأَنْوَاعٌ. وَأَشَارَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى بَعْضِهَا، قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى دَلِيلًا». ذَكَرَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى دَلِيلًا عَلَى أَنَّ «الشِّرْك فِي عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ نَاقِضٌ مِنْ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ». قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ صَرِيحٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّ «الشِّرْك لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ»، وَأَنَّهُ «نَاقِضٌ مِنْ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ». وَأَنَّ مَنْ وَقَعَ فِي الشِّرْكِ وَصَارَ مُشْرِكًا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَعِبَادَتِهِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ أَشَدَّ، فَهُوَ كَافِرٌ مُشْرِكٌ مُرْتَدٌّ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ: وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. أَيْضًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْأُخْرَى تَنْبِيهٌ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى: «إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». وَلَا تُحَرَّمُ الْجَنَّةُ إِلَّا عَلَى مَنْ؟ إِلَّا عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ وَالشِّرْكِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ وَالطَّاعَةِ. «فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ». قَالَ: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. وَالظَّالِمُونَ هَا هُنَا: أَيْ «الْمُشْرِكُونَ الْكَافِرُونَ الْمُشْرِكُونَ الْكَافِرُونَ». وَالْآيَةُ -كَمَا تَرَوْنَ- الْآيَةُ الْأُولَى فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ تَفِيدُ الْعُمُومَ. تَفِيدُ الْعُمُومَ: «أَنَّ كُلَّ شِرْكٍ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ». وَوَضَّحَ هَذَا الْأَمْرَ أَمْ لَا؟ وَلِذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى هَا هُنَا فِي مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ: «هَلِ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؟ أَمْ أَنَّهُ يَغْفِرُ؟ وَدَاخِلٌ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ؟». وَقَبْلَ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا: نَعْلَمُ مَا هُوَ «الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ». «الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ»: هُوَ «كُل

شاركنا على