شرح أعلام السنة المنشورة  69

شرح أعلام السنة المنشورة 69

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 69، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الإيمان بكتب الله وتفاصيل إنزالها

الإيمان بكتب الله يعني التصديق الجازم بأنها منزل من عند الله، وأن الله تكلم بها حقيقة. هناك أنواع مختلفة من الإنزالات الإلهية.

طرق إنزال الوحي على الأنبياء والرسل وتفاصيلها

الله أنزل الوحي على أنبيائه بطرق مختلفة: الرؤيا المنامية، الكلام المباشر، وإرسال الملك جبريل. القرآن نزل بواسطة جبريل.

مخالفة الإيمان بالكتب السماوية وعواقبها

الاستهزاء أو الجحود أو التكذيب بآيات الله يعد كفرا وردة عن الدين، ويجب تعظيم القرآن وتجنب الاستهزاء به.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما معنى الإيمان بكتب الله عز وجل؟ وهذه من الأسئلة المهمة التي ينبغي أن يعتني بها كل مسلم ومسلمة. فكرنا، إخواني في الله، في المسائل السابقة المتعلقة بهذا المبحث، بمبحث الإيمان بالكتب، وكان أولى الأسئلة: ما هي أدلة الإيمان بالكتب؟ ثم ما يتعلق بتسمية بعض الكتب، والآن هذا السؤال، وهو الجوهر، وهو المقصود من هذا المبحث، وهو: كيف يكون إيماننا بالكتب؟ ما الذي نطالب به حتى نكون ممن التزمنا بهذا المبدأ، وهو من أهم أصول إيمان الإيمان بالكتب؟ فقال رحمه الله تعالى: ما معنى الإيمان بكتب الله عز وجل؟ قال رحمه الله تعالى: معنى التصديق الجازم بأن جميعها منزل من عند الله عز وجل، وأن الله تكلم بها حقيقة. هذا ينبغي أن نعتقده في كتب الله سبحانه وتعالى أنها كتب أنزلها الله جل وعلا من عنده، فمنها بدأت، جل في علا، وأن الله سبحانه وتعالى تكلم بها تكلمًا حقيقيًا. وهذا قد مر معنا في صفات الله أننا نثبت لله كلامًا حقيقيًا، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. ومن كلامه سبحانه وتعالى ما أنزله على رسله من كتبه سبحانه وتعالى. والأدلة كثيرة تدل على ذلك، على أن هذه الكتب السماوية أنزلها الله من عنده، وتكلم الله سبحانه وتعالى بها. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَلِيَحْكُمَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾، بما أنزل الله، فسمى ربنا ما في الإنجيل هو من إنزاله سبحانه وتعالى. وهكذا ما ذكره ربنا في حق التوراة: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. جاء أهل التفسير، بل لا يكاد يكون بينهم خلاف في أن المقصود هنا في قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، أن هنا كلام الله بمعنى التوراة، بمعنى التوراة، فأربنا سبحانه وتعالى تكلم به. وأيضًا القرآن، قال ربنا في حقه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، هنا كلام الله بمعنى القرآن، فسماه ربنا كلامه، إذ أن الله تكلم به. إذن، فهذه الكتب السماوية نزلت من عند الله وتكلم الله بها، فهذا مما ينبغي أن نعتقده جميعًا في كتب الله. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: معناه التصديق الجازم بأن جميعها منزل من عند الله عز وجل، وأن الله تكلم بها حقيقة. فمنها المسموع منه تعالى من وراء حجاب بدون واسطة الرسول الملكي، ومنها ما بلغه الرسول الملكي إلى الرسول البشري، ومنها ما كتبه الله تعالى بيده. هذه أنواع من أنواع الإنزالات التي أنزلها ربنا عز وجل من الكتب السماوية، منها ما كان من وراء حجاب، ومنها ما كان عن طريق ملك، ومنها ما كان عن طريق الكتابة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾. هذه الآية ذكر فيها ربنا عز وجل الطرق التي يكون فيها التواصل مع أنبيائه ورسله، وكيف يكون إرساله للرسل وتبليغه للرسل وللأنبياء. فذكر ربنا عز وجل ثلاثة طرق، ويعتبر ثلاثة وسائل. قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾، هذه الصورة الأولى من صور إنزال الله على أنبيائه ورسله، أن يكون عن طريق الوحي. وصورته أن الله عز وجل يقذف في قلب عبده من نبيه ورسوله ما يشاء أن يبلغه ويطلعه عليه، فهذا الموحى إليه يجد أن في قلبه شيء، فهو وحي من عند الله، ولا يتطرق إليه شك بأنه من عند الله. فهذا هو الوحي، ولهذا الوحي يعرف في لغة العرب بأنه إعلام خفي، إعلام خفي. وكما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها». وأدخل العلماء في هذه الصورة من صور الإرسال، وهو الوحي، أدخل فيه جماعة من أهل العلم الرؤى الرؤى المنامية التي تعتري الأنبياء والرسل، فإنما يجده النبي والرسول من رؤيا، فإنها تعتبر وحيًا، لأن رؤيا الأنبياء حق، ولأن رؤيا الأنبياء وحي، كما قال ربنا عز وجل في حق إبراهيم: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾، حينها علم ابنه أن هذا وحي، قال: «يا أبت افعل ما تؤمر»، سمه أمر، افعل ما تؤمر، مع أن أبا قد أخبره أنه رؤيا، لكن ذلك لما استقر عندهم بأن رؤيا الأنبياء وحي، وأنها حق. فهذه المرتبة الأولى من مراتب إرسال الله وإنزال الله لرسله عن طريق الوحي. أو الصورة الثانية، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، ويكون ذلك، إخواني في الله، أن الله يكلمه، يكلم بعض أنبيائه ورسله، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾. وربنا يتكلم مع عباده من أنبيائه ورسله، كما وقع ذلك لموسى عليه السلام. والصورة الثالثة، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾، وهو ملك يرسل ربنا ملكًا إلى أنبيائه وإلى رسله، فعن طريق هذا الملك يخبر الملك، كواسطة بينه وبين أنبيائه، كما يرسل ربنا جبريل عليه السلام، وهو المكلف بإنزال الوحي، مكلف بإنزال الوحي، فيرسل ما يريد الله إنزاله عن طريقه إلى نبيه ورسوله. فهذه طرق ثلاث، إخواني في الله، من طرق إنزال الله على أنبيائه، إما أن يكون كلامًا يكلمه، وإما أن يكون رسولًا يرسله عن طريق ملك جبريل، وإما أن يكون وحيًا، شيء يخذه الله على قلب نبيه، فهو الوحي. والقرآن، إخواني في الله، ما كان إلا في الصورة الثالثة، كما يقول علماء القرآن، لم يأت عن طريق منام، وما كان عن طريق كلام، وإنما كان عن طريق ملك، هكذا القرآن نزل من أوله إلى آخره، عبارة عن وحي أنزله ربنا عن طريق جبريل عليه السلام. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى لموسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾. الآن سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى، سيدلل على ما ذكره سابقًا، وهو أن كتب الله من التوراة والإنجيل والقرآن أن الله أنزلها من عنده، فمنها ما تكلم به ربنا، ومنها ما كتبه سبحانه وتعالى، ومنها ما أرسل الله فيها وحيًا. فقال رحمه الله تعالى: وقال تعالى لموسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. ربنا جل وعلا هو الذي تكلم مع موسى، وكلم الله موسى تكليمًا، وهذا من صور الوحي. وقال: وقال تعالى في شأن التوراة: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا﴾. هنا الألواح المغصوب بها التوراة، إذ أن ربنا عز وجل كتب التوراة بيده، ربنا كتب التوراة بيده، كما جاء ذلك في محاجة آدم مع موسى، قال: «يا آدم إن الله اصطفاك بكلامه وخط لك التوراة بيده». وقال في عيسى عليه السلام: ﴿آتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾، من الذي آتاه الإنجيل؟ ربنا جل في علاه هو الذي أنزل وأتى عيسى الإنجيل من عنده. وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾، والزبور هو الكتاب المقدس السماوي الذي أنزله الله على داود، فعبر عنه ربنا: ﴿وَآتَيْنَا﴾، أي من عنده سبحانه وتعالى. قال: وتقدم ذكرها بلفظ التنزيل. وقال تعالى في شأن القرآن: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، فيه أن الله أنزل القرآن من عنده. وقال تعالى فيه، أي في القرآن: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾. وقول سبحانه وتعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾، هنا على قراءتين، على قراءة التخفيف: فرقناه، وعلى قراءة التشديد: فرقناه، وكلاهما من القراءات الصحيحة. وعلى القراءة المعروفة: وقرأناه. وقرآن فرقناه بالتخفيف بمعنى: فصلناه عن اللوح المحفوظ، ونزلناه إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل منجّمًا مفرقًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي أنزل مفرقًا، أنزل منجّمًا. وقرآنا فرقناه، وعلى قراءة فرقناه، أي بيناه وفسرناه، بيناه وفسرناه. قال: وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس، أي لتبلغه للناس على مكث، أي على مهل. ولهذا نزل القرآن في سنوات، وهذا مما تميز به القرآن عن باقي الكتب السماوية، الكتب السماوية نزلت جملة على أنبيائها وعلى رسلها، أما القرآن فقد نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام مفرقًا منجّمًا على حسب الوقائع والحوادث. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. وهذا كله في وصف القرآن الكريم، إذ أنه منزل، إذ أنه منزل من عند الله جل وعلا. وقد نبه العلماء على أن كلمة التنزيل تفيد أنه نزل مفرقًا منجّمًا. وقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾، وهو جبريل عليه السلام، وهذا الذي جعل طائفة من أهل العلم يقولون بأن كلمة التنزيل إنما تفيد ماذا؟ الإنزال درجة درجة، دفعة دفعة، بخلاف الإنزال، الإنزال يكون دفعة واحدة. وهكذا كثيرًا ما يعبر عن القرآن بلفظ التنزيل، وبلفظ نزل، كهذه الآية: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. الآيات وغيرها كثير، أي هذه الآيات أو ما أحال إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وهي آيات كثرة، كلها تصب في هذا المصب، وهي الدلالة على أن الكتب السماوية منزلة من عند الله، وأن الله تكلم بها حقيقة، سبحانه وتعالى تكلم بها حقيقة، من هنا، إخواني في الله، إذن هذا أصل، هذا أصل في الإيمان بالكتب، الاعتقاد الجازم بأنها منزلة من عند الله، وأن الله تكلم بها. فمن ابتلي بناقض يضاد هذا الأصل، فهو مكذب بالكتب، إذن فهو كافر بالله، مرتد عن الدين والملة. فانتبه، يا عبد الله، هذا أصل. فهذا أصل أصيل في الإيمان بالكتب، التصديق والاعتقاد الجازم بأنها من عند الله. ومن هنا قال علماء: ومن الذي يخالف هذا الأصل؟ عدة أمور، مما يخالف هذا الأصل: الاستهزاء والاستهتار والاستخفاف والضحك، إذا كان هذا تعاملك مع شيء من كتب الله، من القرآن أو التوراة أو الإنجيل أو الزبور أو الصحف أو أي كتاب من كتب الله، كانت تعاملك معه بهذه الوسائل، من الاستخفاف بأمره والاستهانة بحقه والضحك، فهذا يعد منك ردة، سواء كان في القرآن أو حتى قل في التوراة والإنجيل. واستدل العلماء بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. وإذا علم شيئًا، أي شيء من آيات الله، من القرآن ومن غير القرآن، هي آية معصوبة من آيات الله، موجودة في الكتب، منزلة على أنبياء الله ورسله، فإذا اتخذتها هزوًا، فإن لك العذاب المهين. قد يقول قائل: لا، ما يظهر لي شيء من التكفير في هذه الآية، لأن الله توعده بالعذاب، حاله كحال الفسقة. لا، انتبه هنا، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال: ولا يأتي العذاب المهين إلا في حق الكفار. ذكر هذا شيخ الإسلام في «الصارم المسلول»، على أن العذاب المهين إذا جاء في القرآن، إنما يكون في حق الكفرة، هكذا ذكر رحمه الله تعالى في «الصارم المسلول». ومنه يستفاد أن من اتخذ شيئًا من آيات الله هزوًا، فإن له العذاب المهين، بمعنى أنه من عداد الكفرة. وأيضًا مما يعارض به هذا النص، إخواني في الله، ما كان، ما هو أعظم من الاستهزاء، وهو الإنكار، وهو الجحود، أو التكذيب، أو الكفر بآيات الله، من التوراة والإنجيل والقرآن، فإن المسلم يكفر به، جحد كفر، أنكر ما اعترف بأنها شيء من كتب الله. فإذا وصل فيك نوع من أنواع الجحود، الأول نوع من أنواع الاستهزاء والاستخفاف والضحك والهزو، كل هذا كفر. والصورة الثانية: ما كان من جحود، ما كان من استكبار، ما كان من نكارة وإنكار لها، فهذا أيضًا يعد ردة، لماذا؟ لأنك خالفت هذا الأصل، لأن الأصل أنك تعتقد أنها منزلة، فإن لم تعتقد الإنزال، فأنت كافر. وبهذا يقول القاضي عياض رحمه الله تعالى في كتابه «الشفاء»، قال رحمه الله تعالى، وهو يتكلم عن القرآن، طبعًا كان كلام طويل، لكن أختصره، تكلم عن القرآن وعن عظمة القرآن، ثم قال: «وَكَذَلِكَ مَنْ جَحَدَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَكُتُبَ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ وَكَفَرَ بِهَا»، أو لعنها، أو سبَّها، أو استخف بها، فهو كافر. فأدخل في ذلك أنواعًا من الجحود، فدخل في ذلك الإنكار، ودخل في ذلك التكذيب، وأخذ في ذلك الكفر، ودخل في ذلك الاستهزاء. فقال: «وكفر بها أو لعنها أو سبَّها أو استخف بها فهو كافر». ويدخل كذلك أعظم من ذلك، السب والشتم واللعن لأي كتاب من الكتب المقدسة، فإن هذا يدخل كذلك، يدخل صاحبه بالكفر. سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في «مجموع الفتاوى» عن رجل سبَّ اليهود وسبَّ كتابهم، أي سبَّ التوراة، ولعن التوراة، فقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ليس لأحد أن يلعن التوراة، بل من أطلق لعنة التوراة، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. هذا كله يدخل ماذا؟ يدخل في هذا الأصل، وهو الاعتقاد الجازم بأن الكتب السماوية منزلة من عند الله. فهذا يستوجب منك التعظيم لها، والاعتقاد بها، وأن الله تكلم بها، فلا يهتأتى بعد ذلك الجحود أو النكارة أو الإدبار أو الإعراض، أو الاستهزاء والاستخفاف، أو فضلًا عن السب والشتم واللعن، فكل ذلك يجعلك تقدح في الأصل الأول فيها، تكون عبد الله مكفرًا أو مكذبًا لكتب الله، فخرجت بهذا عن الدين والملة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.