الخط التاريخي لظهور البدع  6

الخط التاريخي لظهور البدع 6

الدرس في الخط التاريخي لظهور البدع 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

المرحلة الثالثة من التاريخ الإسلامي وظهور البدع

الدرس يتناول المرحلة الثالثة من تتبع التاريخ الإسلامي بين 100-150 هـ وظهور البدع والأفكار الجديدة. يركز على رؤوس البدع مثل الجعد بن درهم.

جهم بن صفوان ومقارنته بمقاتل بن سليمان في نشر البدع

المقطع يناقش جهم بن صفوان ومقاتل بن سليمان كشخصيتين بارزتين في نشر البدع في نفس الفترة. جهم أسس الجهمية ونشر أفكار الجعد.

بدع جهم ومقاتل وآثارها على العقيدة

يتناول المقطع بدع جهم بن صفوان ومقاتل بن سليمان وتأثيراتها على العقيدة الإسلامية، حيث مثل جهم التعطيل ومقاتل التمثيل والتجسيم.

انتقاد عقيدة التجسيم ووصف جهم ومقاتل

المقطع الأخير ينتقد عقيدة التجسيم التي مثلها مقاتل بن سليمان ويصف جهم بأنه رأس التعطيل ومقاتل رأس التمثيل والتجسيم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، إن شاء الله، في هذا الدرس، أخواني في الله، ننتقل إلى المرحلة الثالثة لتتبع التاريخ التي نشأت فيه البدع وتطورت، وهذه المرحلة الثالثة نحددها بين عامي المئة إلى المئة والخمسين من الهجرة. هذه الفترة، إخواني في الله، وقعت فيها الكثير من الحوادث، سنتكلم عن البدع والفرق والأفكار التي طرأت على الأمة. فمن هذه الحوادث، مثلًا، وهي كثيرة، لكن نسردها لكم سردًا، منها ما كان من مناصحة عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى والخوارج في زمنه. وأيضًا ما كان من ظهور اسم الرافضة، في دروسنا الماضية كنا نذكر شيعة، شيعة، من قسمة الشيعة، لأن في تلك الفترة الأولى لم يظهر اسم الرافضة، ظهر اسم الرافضة على التحديد في عام مئة وواحد وعشرين للهجرة. في هذه الفترة الآن التي نتكلم عنها، من مئة إلى مئة وخمسين، بالتحديد في عام مئة وواحد وعشرين للهجرة، ظهر اسم الرافضة، ظهر اسمهم وأصبح لقبًا يطلق عليهم، وذلك عندما بايعوا زيد بن علي ثم رفضوه عندما رأوا أنه يترضى على أبي بكر وعمر، فسموا بالرافضة، وقاتلهم. هذا كذلك من الحوادث، ومن الحوادث كذلك ظهور فرقة الخرمية، الخرمية فرقة ضالة تتبع الشهوات والملذات، رأسها عمار بن يزيد، دينه تتبع الملذات، أسقط الواجبات، لا صلاة، لا صيام، لا زكاة، لا حج، فعل الزنا مباح، فعل الشهوات حلال، زندقة، إلا أنه أخذ وقتل، قطعت يده وقلع لسانه وسملت عيونه وانتهى أمره. كذلك من هذه الحوادث في هذه الفترة ما وقع من أهل السنة من تكالبهم على غيلان الدمشقي، وسيأتي هذا في حينه. هذه، أخواني، حوادث نجعلها حوادث سريعة وعرضية، الذي يهمنا في هذه الفترة بين عامي 100 إلى 150 ظهور رؤوس البدع، ظهور رؤوس البدع، ظهرت ليست في رقب الرؤوس، أعيان وأشخاص كبار المبتدعة ظهروا في هذه الفترة الزمانية، وهم أربعة، عاشوا وجلسوا وظاهر أمر بين عامي 100 إلى 150. من هؤلاء الجعد بن درهم، الجعد بن درهم وهو مولى سويد بن غفلة، وهو من أهل حران، من أهل حران في هذه المنطقة التي يقطنها كثير من الناس ممن يعبدون الصابئة ومن أهل الفلاسفة في تلك البلاد، نشأ الجعد بن درهم، فما سلم من أفكار أهلها، فدخلت عليه العديد من الأفكار الغريبة التي كانت سببًا في ضلاله. ومن أشهر البدع التي ظهرت على يد جعد بن درهم القول بأن القرآن مخلوق، وسنأتي إلى مزيد شرح لهذه البدعة إذا تكلمنا عن المعتزلة، لأنهم الذين أخذوا بزمام هذه المبادرة، وهذه البدعة، لكن هذا ظهر على يد جعد بن درهم، القول بخلق القرآن. كذلك أنكر جعد أن الله جل وعلا اتخذ إبراهيم خليلًا، أنكر هذا. قال الذهبي رحمه الله تعالى، ويتكلم عن الجعد بن درهم، قال: عداده في التابعين، أي وجد في عهد التابعين وفي زمنهم، قال: عداده في التابعين، مبتدع ضال، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا. زعم أن الله لم يتخذ كذلك من بدعه أنكر أن الله جل وعلا تكلم مع موسى، إذ أن الجعد ينكر صفة الكلام، وقال بأن الله لم يكلم موسى تكليمًا. قال السيوطي رحمه الله: أول من تفوه بكلمة خبيثة في الاعتقاد الجعد بن درهم، أول من تكلم بكلمة خبيثة في الاعتقاد الجعد بن درهم، فقال بأن الله لا يتكلم. وأيضًا من بدع جعد الذي أتى بها أنه أول من قال بأن الله ليس على العرش، قال بأن الله ليس على العرش، وأن استولى بمعنى استولى، أن نستوي بمعنى استولى. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام هو الجعد بن درهم، ويعني بالمقالة وفي صد الكلام على إنكار استواء الله على عرشه، أول من حفظ عنه أنه تلفظ بهذه العقيدة هو الجعد بن درهم. كذلك نقلت عنه شيء من الغرائب، ذكر الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في اللسان، قال: وللجعد أخبار كثيرة في الزندقة، لم يقتصر الأمر على مسائل الأسماء والصفات، بل وصل أمره إلى الزندقة، كما تأثر بالبيئة التي عاش فيها، كما قلنا عاش في حران عند الزنادقة وعند الصابئة، فتأثر بأقوالهم واعتقاداتهم، وأنبت مثل هذه الاعتقادات وأعماله. قال ابن حجر رحمه الله تعالى: وللجعد أخبار كثيرة في الزندقة، منها أنه جعل في قارورة ترابًا وماء، قارورة خلطها فيها ماء وتراب، فاستحال دودًا، تكون دود من القارورة، هذا شيء معروف أن تجعل قارورة فيها ماء تتركه فترة في ظلمة يأتي بدود وحشرات. ماذا قال؟ جعل فقال: أنا خلقت هذا، لأنني كنت سبب كونه، هذا خلقي، ترابًا وماء خلطه دود، أنا خلقت هذا. قال: لأنني كنت سبب كونه، فبلغ ذلك جعفر بن محمد، فقال: ليقل كم هو وكم الزكران وكم الإناث؟ إذا كان والله يدعي أنه هو خلق خلق الدود، سألوه عن خلقه كم عدد الدود هذا الذي خلقت أنت؟ ما سيجيب؟ كم عدد زكور الإناث منه؟ ما سيجيب؟ أهذا أنت الخالق؟ ربنا قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. قال جعفر بن محمد: فقول له كم هو وكم الذكران وكم الإناث؟ فإذا نختم بها ترجمة جعد، قال ابن كثير رحمه الله تعالى في البداية والنهاية: أن الجعد أخذ بدعته عن بيان بن سمعان، وأخذها بيان عن طالوت، ومن طالوت هذا طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، ولبيد أخذها من يهودي باليمن، فهذه سلسلة جعد بن درهم بالبدع التي أدل بها على مجتمعات المسلمين عن رجل عن رجل إلى أن وصل إلى اليهود. الرجل الثاني، أو لا نقول الثاني، الثاني والثالث، نجمعهما مع بعض ثم نفصل فيهما، الثاني والثالث عبارة عن رجلين ظهروا في هذه الفترة، والسر أني سأجمع بينهما، أنه من الغرائب أنهما كانا ظهروا في زمن واحد وفي بلدة واحدة، ولربما التقيا مع بعض، وأعني بهما جهم بن صفوان ومقاتل بن سليمان. قال إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى: أخرجت خراسان لأن مقاتل وجهم كان من أهل خراسان، من منطقة بلخ، من منطقة بلخ، فلربما اجتمع في مسجد واحد وكان يتناظران. قال إسحاق بن راهويه: أخرجت خراسان ثلاثة لم يكن لهم في الدنيا نظير، ليس لهم نظير في البدع والشر والكذب، فقال جهم بن صفوان ومقاتل بن سليمان، يهمنا ذكر هذين الرجلين. قال أبو يوسف رحمه الله: بخورسان صنفان ما على الأرض أبغض إلي منهما، المقاتلة والجهمية، المقاتلة تبع لمقاتل بن سليمان، الجهمية تبع للجهم بن صفوان. وقال خارجه بن مصعب رحمه الله: كان جهم ومقاتل عندنا فاسقين فاجرين. هذه النصوص التي أدليت بها الآن كيف أن العلماء كانوا يذكرون هذين الرجلين سوية، لأنهم كما قلنا في زمن واحد وخرج من مكان واحد، وناشأت على أيديهما أعظم وأشنع البدع، لكن كل اختص ببدع، طبعًا جهم له بدعه ومقاتل له بدعته. نبدأ بجهم بن صفوان، الجهم بن صفوان، والذي كنيته أبو محرز السمرقندي، نشأ بالكوفة، عاش في الكوفة، وكان فصيحًا، ليس بعالم، ما عنده علم، ولهذا يقول الذهبي في ميزان الاعتدال: جهم بن صفوان الضال المبتدع رأس الجهمية، هلك في زمان صغار التابعين. قال: وما علمته روى شيئًا، أي ما روى شيء من علم الحديث ولا من العلم الذي يحتاج إليه، ما روى شيئًا، لكنه زرع شرًا عظيمًا، زرع الشر، بدع وتعتبر بدع من أشنع البدع التي ظهرت على يد هذا الخضال، فيترى ما هي البدع التي أظهرها جهم بن صفوان؟ جهم بن صفوان أخذ أولًا الذي كان عند الجعد، مر معنا عن الجعد بن درهم، الآن جعد بن درهم أتى ببعض البدع، أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا، أنكر استواء الله عز وجل، هذه الأفكار التي عند جعد، قام جهم وأخذ كلها، هذا أولًا، وليس هذا بل أخذها ونشرها نشرًا ذريعًا، حتى أصبحت الجماعة ما تحسب على جعد، لكن تحسب على جهم، فأصبح تسمى الفرقة بالجهمية، تعود إليه لأنه هو الذي نشط، هو الذي نشط. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو يتحدث عن الجعد بن درهم، قال رحمه الله: وأخذها عنه الجهم بن صفوان، أي البدع التي عند الجعد أخذها جهم، قال: أخذها الجهم بن صفوان وأظهرها، فنسبت مقالة الجهمية إليه، فنسبت مقالة الجهمية إليه. هل هذا فحسب؟ هل فقط أن جهم أخذ بدع جعد ونشرها وطار بها؟ لا، أضاف بدع، فيترى ما هي البدع التي أتى بها جهم؟ منها القول بأن القرآن مخلوق، هذا منها، ثانيًا أن الإنسان مجبور، قضية الجبر، أن الإنسان مجبور في فعله، فالإنسان لا يوصف بالاستطاعة ولا بالقدرة ولا باختيار عنده، قضية الجبر. يقول بفناء الجنة والنار، الجنة والنار تفنيان، فيرى أن أهل الجنة إذا تنعموا بنعيم أهل الجنة فإنهم يفنون، وأن النار إذا تعذبوا بحميمها وبنارها فإنهم يفنون، تنتهي، لأنه ما يرى إمكانية وجود حركات لا تتناهى، هذا لا يمكن، حركات تبقى تبقى إلى استمرار إلى ما لا نهاية، لا لابد لها من حد، فقال بفناء الجنة، وقال بفناء النار. يقول الجعد كذلك بأن علم الله حادث، بمعنى كونك تعتقد بأن الله قد علم بالأمور قبل حدوثها، لا ما يمكن هذا، ولا يجوز أن تقول هذا، ولا تعتقد هذا، لا الله إنما يعلم بالأمور إذا وقعت، إذا وقعت علم بها الله، فنفى عن الله علمه السابق سبحانه وتعالى. وهكذا يرى بأن الإيمان هو المعرفة فقط، كونك تعرف ربك فأنت مؤمن، هذا الإيمان ما يحتاج لأن تنطق، ما يحتاج أن تأتي بالشهادة، ما يحتاج إلى أن تأتي بعمل صالح، الحد ما يحتاج أن تأتي بعمل باعتقاد القلب، ما يحتاج، أنت تعرف ربك، عب أن الله موجود، أنت مؤمن، الذي يجهل الله هو كافر، فأدخل أصناف الأمم بأنهم مؤمنون. أخواني في الله، أقوال عديدة وبدع غليظة أتى بها جهم. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وأما اتجاه جهم، فإنه ظهر في ناحية خراسان، وأما اتجاه جهم، فإنه ظهر في ناحية خراسان، وهو شر البدع، شر البدع، كما قال في الجبر في التعنيط، طبعًا كذا نسينا مسألة أن الجهم وهي أعظم مسألة، أن جهم لا يثبت لله صفة، لا يثبت لله صفة، فهو يرى أن أي صفة يتصف بها خلق الله، فلا يتصف بها الله، ما يتصف بها الله، فألغى جميع الأسماء وصفات عن الله، فكان هو رأس المعطلة، رأس المعطلة. فهذه، أخواني في الله، بعض من يذكر عن جهم، ولهذا كان جهم من شر المبتدعة. الشخص الآخر، مقاتل بن سليمان، العجيب والغريب التناقض بين جهم وبين مقاتل بن سليمان، قبل أن نتكلم عن مقاتل بن سليمان، من هو مقاتل؟ مقاتل بن سليمان رجل كان له علم في التفسير، وأصلهم من بلخ، كما مر، كان هو جهم من بلدة واحدة، من بلخ، انتقل إلى البصرة ودخل بغداد، فكان يحدث بها، وله كتب مختصة بالتفسير. فمن كتبه: التفسير الكبير، ونوادر التفسير، والقراءات، ومتشابه القرآن، فكان يخوض في باب العلم، له ملكة وخاصة في باب التفسير. وأما من حيث منزلته العلمية في رواية الأحاديث، فكان ضعيفًا، فقد كان ضعيفًا، تكلم فيه جماعة من العلماء، كأبي داود والنسائي. قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في التقريب: كذبوه. قال الذهبي رحمه الله كما في السير: أجمعوا على تركه. قال أحمد بن سيار رحمه الله: متهم، متروك الحديث، مهجور القول، متهم، متروك الحديث، مهجور القول. لا يحظ بقوله، يا ترى ما هي البدعة التي أتى بها مقاتل بن سليمان حتى جعلناه في مصاف رؤوس المبتدعة؟ البدعة التي أتى بها مقاتل بن سليمان هي قضية التجسيم، بأنه اعتقد بأن الله جسم من الأجسام، فأتى ببدعة على نقيض ما أتى به جهم بن صفوان، هذا على بدعة، وهذا على بدعة، وكلاهما بدعتان متقابلتان، بدعتان متقابلتان. قال صديق حسن خان رحمه الله تعالى: إن أول من قال بالتجسيم مقاتل بن سليمان. وقال ابن حبان في المجروحين: كان مشبهًا، يشبه الرب بالمخلوقين، مشبهًا، يشبه الرب بالمخلوقين. من هنا يذكر عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه سئل عن جهم وعن مقاتل، سئل عنهما، فقال: كلاهما مفرط، كلاهما مفرط. قال: أفرط جهم في نفي التشبيه حتى قال أنه ليس هناك شيء، جهم كما عطل الله عن كل شيء، ما أثبت اسمًا لله، ما أثبت صفة لله، ما ترك شيء لله، كأنه ليس هناك شيء، كان ليس هناك رب، بألغ في هذا. هذا جهم، بالمقابل قال أبو حنيفة: وأفرط مقاتل حتى جعل الله مثل خلقه. وأما مقاتل على العكس، أثبت كل شيء لله حتى أنه جعل الله جسما من الأجسام. وقد قال صاحب مقالات الإسلاميين: ذكر بأن أصحاب مقاتل بن سليمان يقولون بأن الله جسم، وأنه على صورة إنسان من لحم ودم، هذه كانت عقيدة خبيثة ظهرت على يد جهم ومقاتل، وكلاهما في هذه الفترة، فكان جهم رأس التعطيل، وكان مقاتل رأسًا في التمثيل والتجسيم. إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.