الدرس في شرح كتاب التوحيد 297، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع الأول حديثا نبويا يصف فيه الرسول صلى الله عليه وسلم كيف يطوي الله السماوات والأرض يوم القيامة، ويبين عظمة الله وهوان الدنيا. الدنيا لا تساوي شيئا عند الله مقارنة بالآخرة.
يفسر المقطع الثاني معنى الطي في القرآن والسنة، ويبين أن الله يطوي السماوات والأرض يوم القيامة. كما يثبت صفة اليدين لله تعالى استنادا إلى القرآن والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة.
يناقش المقطع الثالث تفسير حديث "كلتا يديه يمين" حيث اختلف العلماء في تفسيره. يُفسر الحديث بأن اليمين والشمال لله تعالى بمعنى اليمن والبركة، ويشرح الحديث القدسي الذي يذكر فيه الله تعالى ملكه يوم القيامة.
يبرز المقطع الرابع أهمية الحديث في بيان عظمة الرب سبحانه وتعالى، ويشير إلى أن المؤلف سيأتي بادلته على ذلك. يُختتم المقطع بدعاء ينفع الله به المتحدث والسامعين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولمسلم عن ابن عمر مرفوعًا: «يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض السبع، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، والذي رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث ابن عمر، وقد أورد هذا الحديث كما أسلفنا في هذا الباب: باب ما جاء في قول الله وما قدروا الله حق قدره. وهذا الحديث، إخواني في الله، احتوى واشتمل على عدة مسائل، أولاها: ما ذكره العلماء أن هذا الحديث يعد من أعظم الأحاديث الدالة على عظمة الله، ولهذا كان من براعة المؤلف رحمه الله تعالى أن انتخب هذا الحديث من الأحاديث التي يختتم بها هذا الكتاب، إشارة إلى عظيم عظمة الله سبحانه وتعالى. وهذا الحديث كذلك جاء ما يماثله في صحيح الإمام البخاري، والذي فيه قال عليه الصلاة والسلام: «يقبض الله الأرض، ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟». فهذه الأحاديث وأشباهها من الأحاديث العظيمة الدالة على عظمة الله سبحانه وتعالى. وثانيًا: كذلك في هذا الحديث بيان عظيم، أو قل: هوان الدنيا، لهوان الدنيا وما فيها، فالسماوات والأرض، ربنا عز وجل يجعلها في يده سبحانه وتعالى، كل هذا الذي نرى على وجه الأرض من الأبهة والعظمة لا شيء أمام الرب سبحانه وتعالى، يطويها طيًا ويجمعها جمعًا ويجعلها قبضة في يده. هذه الدنيا التي الواحد منا لربما أرهق نفسه، بل لربما سفك دمه من أجل أن ينال حظًا من خطامها، والدنيا كما أخبر عليه الصلاة والسلام بأنها ملعونة، ملعون ما فيها إلا ما كان من ذكر الله وما والاه. فالدنيا ما جعلها الله عز وجل لعباده إلا لأن تعمر بطاعة الله فقط لا غير، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، وأن عبوديتك لله يا عبد الله أعظم من الدنيا. أما سمعت إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «لأن أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، خير مما طلعت عليه الشمس». وما الذي تطلع عليه الشمس؟ تطلع الشمس على الأرض كلها، ومع ذلك هذه الكلمات الأربع المذكورات خير من الدنيا وما فيها، دلالة على هوان الدنيا. ولو أن الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا شربة ماء، لو أن الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة. سبحان الله، ومع ذلك لا تساوي الدنيا ما تساوي عند الله جناح بعوضة، بل هي أذل، وما سميت الدنيا إلا لدناءتها عند الله سبحانه وتعالى. ولهذا العاقل الحصيف إذا تأمل مثل هذه الأحاديث، ويرى أن هذه الدنيا وما فيها كلها عند الله لا تساوي شيئًا، فينبغي أن يكون المسلم كذلك لا يأبه لهذه الدنيا، وأن يكون ناظره إلى ما عند الله سبحانه وتعالى، والآخرة خير وأبقى، وهي دار الجنة. تأمل يا عبد الله إلى ما عند الله، فالله سبحانه وتعالى أعد لنا الآخرة، لم يعد لنا الدنيا، وإنما الدنيا لكل من هب ودب، للمسلم والكافر، كما قال نبيًا لعمر: «يا عمر، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟». هذه المعادلة الصحيحة، الدنيا جعلها الله لكل من هب ودب، للكافر والفاجر والماجن، هؤلاء يتمتعون بهذه جنتهم في الدنيا، لكن المسلم جنته يوم القيامة. ولهذا فهذا الحديث فيه إشارة إلى حقارة الدنيا وما فيها، وأنها لا تزن عند الله شيئًا. كذلكم ثالثًا: من فوائد هذا الحديث فيه إثبات لأفعال الله عز وجل، فإن من أفعال الله الثابتة في هذا الحديث مسألة الطي، بأن الله سبحانه وتعالى يطوي السماوات، وقد جاء ذلك في آية القرآن: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. فالله عز وجل يطوي السماء، فهذه الصفات يقول عنها العلماء من الصفات الفعلية. وهذا مما سيكون يوم القيامة، صفة الطي والقبض والبسط، وصفة الهز، كما أشرنا في صحيح مسلم: بأن الله عندما يجعل هذه المخلوقات على يده، فيهزهن. فالله عز وجل أثبت هذه الصفة لنفسه، وهكذا ما يكون من صفة النزول والمجيء والإتيان، هذه الصفات قصرح بها القرآن وتكلم بها نبينا عليه الصلاة والسلام، فلا تقابل هذه بالاعتراض أو الامتعاض، لا بالاعتراض ولا بالامتعاض. بعض الناس من أهل الإفك والهوى يتجرع على الرد، وبعض ما يتجرع، لكن يتجرع، يرى أنه إذا سمع مثل هذه الأحاديث يتضايق، لماذا يا عبد الله تتضايق؟ هذا من وحي السماء، هذا خبر رسول المعصوم عليه الصلاة والسلام، ينبغي أن ينشرح له قلبه. ومن رأى من نفسه أنه إذا سمع مثل هذه الأخبار التي يحدث عنها نبينا سيد الأنام عليه الصلاة والسلام يشعر بالضيق، فليراجع تدينه وليراجع عقيدته، لماذا ما يسلم؟ فالشاهد أن هذه الأحاديث التي بين أيدينا، وما سواها، وما غيرها، مما فيها إثبات صفات الله الفعلية، فمنها ما يكون في هذه الدنيا، ومنها ما يكون يوم القيامة. والمسلم لا يغير ولا يبدل ولا يمثل ولا يعطل ولا يشبه ولا يحرف، وإنما يقول: سمعنا وأطعنا، وآمنا، القاعدة العامة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ جل في علاه. وفي هذه مسألة تأتي مسألة الطي، ما معنى الطي؟ لأن قد جاء هذا من صفات الرب يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب، وفي هذا الحديث: «يطوي الله عز وجل السماوات»، ما معنى الطي؟ كلام أهل اللغة في مسألة الطي بأنها تأتي بمعنى الجمع، أي أن الله يجمع السماوات والأرض، يأتي بمعنى كذلكم الضم، أي أن الله يضم بعضها بعضًا، يأتي بمعنى اللف، أي أن الله يلفها لفًا. هذه هي معاني الطي في لغة العرب، بمعنى الجمع، بمعنى الضم، بمعنى اللف. والطي عندنا معروف، نحن في لغتنا، وفي أعمالنا، أننا نطوي، لكن أحيانًا عملية الطي تختلف، فأحيانًا الواحد منا يطوي ثيابه، أحيانًا تطوي الحبل، أحيانًا تطوي أشياء، لكن تجد أن الطي من مقام إلى مقام، من مقام إلى مقام يختلف في الهيئة. طيب هنا ربنا عز وجل أخبر أنه يطوي السماوات، بقي هذه الطي على أي صورة؟ هنا أبان ربنا سبحانه وتعالى عن طريقة كيفية طي السماوات الذي تكون يوم القيامة، قال سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾. أشار ربنا إلى الصورة التي ستكون يوم القيامة للسماوات، وهي طي الأوراق، السجل للكتب، الورقة المكتوبة. وهذا يقع منا عندما تكتب ورقة تكتبها، ثم تريد أن تطوي هذه الورقة، الطي عندما تلف كيف تلفها؟ تديرها بعضها على بعض، هذا اللف الذي يكون للورقة هو الذي سيكون للسماوات يوم القيامة، أن الله عز وجل يأتي على السماوات بما فيها من أجرام وأفلاك وكواكب وشموس وأقمار ومجرات، كل فيها بما فيها، بما فيها من خلائق، كل من خلقه الله على وجه هذه السماوات، والكل يطوى طيًا. قد يقول قائل: إذا كان الأمر نحاول أن نفهم هذا، وصعب أن نساء يتخيل، لكن لو حصل هذا فإن الأمور تتغير. نعم، هذا الذي سيكون يوم القيامة، لن تبقى هذه الأشياء على ما هي، ستتغير، ستخرج الجبال، وتنهار الأكواكب، وتطوى، وتذهب الشمس والقمر. ولهذا كما قال ربنا في هذه الآية: ﴿كَطَيِّ سِجِلٍّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيْدُهُ﴾. سيعيد الله عز وجل الكون إلى ما كان عليه قبل خلق السماوات والأرض، وهذا هو الشاهد، هذا هو الشاهد من الطي، أن الله يعيد الأمور إلى ما كانت عليه سبحانه، وعدًا منه جل في علاه. وهذا الفعل، إخواني، إذا تأمله الإنسان، سيعلم عظيم ما سيقع في الأكوان يوم القيامة، وهذا هو الشاهد الدال على عظمة الله عز وجل، وأن الله يفعل ما يشاء جل في علاه، الكون كونه، والخلق عبيده سبحانه وتعالى. وفي هذا الحديث كذلك من المسائل، فيه بيان على إثبات صفة اليد لله سبحانه وتعالى، وهذه المسألة، إخواني في الله، من عقيدة أهل السنة والجماعة، على إثبات اليدين لله سبحانه وتعالى، وهذا بالإجماع، وهذا بالإجماع بنص القرآن، كما تقرأه يا عبد الله، يا أمة الله، ما نقرأه في كتاب الله، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. سبحانه، هذا الضمير، الضمير التثنية يعود إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. سبحانه، وبهذا أجمع أهل السنة قاطبة على إثبات صفة اليدين لله سبحانه وتعالى، وأجمع كذلك العلماء على أن إحدى اليدين توصف وتسمى باليمين، بأنها يمين، بيمينه، قد ورد هذا. وإنما وقع الخلاف في لفظ الشمال، هل يطلق على اليد الأخرى لفظ الشمال أم لا؟ هذا الحديث الذي بين يدي فيه إثبات لصفة اسم الشمال، وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: «يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض السبع، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟». هذه المسألة، نعم، وقع النزاع بين أهل السنة، هل في هذه اللفظة إثبات للفظ الشمال في اليد الأخرى أم لا؟ أول اختلف العلماء في ذلكم نظرًا لهذا الحديث، وإن كان في صحيح مسلم، إلا أن من أهل العلم من انتقد هذا الحديث، ومن ذلكم ما ذهب إليه الإمام البيهقي رحمه الله تعالى، انتقد هذا الحديث، ورأى أن لفظ الشمال غير ثابت، لأن هذا الحديث مداره على عمر بن حمزة، وعمر بن حمزة هو من الرواة الذي قد تكلم فيهم. وعمر بن حمزة روى هذا الحديث عن عبد الله بن عمر، وذكر لفظ الشمال، مع أن غيره من الرواة، ك نافع، وعبيد الله، وغير واحد، رووا هذا الحديث عن ابن عمر من غير لفظ الشمال، لذا حكموا، حكم علماؤنا، بعض العلماء طبعًا على لفظ الشمال بأنها لفظة شاذة، ومن من ذهب إلى ذلك، الإمام القرطبي رحمه الله تعالى. ومن أهل العلم من رأى أن هذه اللفظة صحيحة، ليست شاذة، بدليل أن الإمام مسلم رواها في صحيحه، فقال: إذن لله سبحانه وتعالى يدان، يد يمنى، ويد شمال. لكن يبقى الإشكال فيما ثبت في صحيح مسلم: ما قاله عليه الصلاة والسلام: «إن المقسطين على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين». في مسلم: «وكلتا يديه يمين». قالوا: إذن كيف تقولون بأن هناك يمين وشمال؟ قالوا: علماء، ما هناك إشكال، إذن من حيث التسمية، عندي يمين، وعندي شمال، لهذه الرواية، وأن اليمين والشمال كلها، كلها بمعنى اليمن والبركة، هذا معنى يمين، بمعنى اليمن والبركة، ولله المثل الأعلى. نحن كبشر، إخواني في الله، الواحد منا لربما يرى أن أحد الجهات أضعف من الثانية، والأخرى أقوى من الأولى، نجد هذا في أعمالنا، وفي جوارحنا، ولله المثل الأعلى. لكن، بالنسبة للرب عز وجل، فما هناك نقص أبدًا، ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. أي في العطاء، والقوة، والقدرة، والإنعام، كلاهما يمن وبركة، هذا معنى الحديث. إذن هذا الذي خلاف هو حاصل بين أهل السنة والجماعة، بعد إجماعهم لإثباتهم لصفة اليدين لله، وإثبات صفة اليمين لله، بقي: هل تثبت اسم الشمال أم لا؟ على الخلاف الحاصل بين أهل العلم في هذه الرواية، بين من حكم عليها بالشذوذ، وبين من حكم عليها بالصحة. وأيضًا في هذا الحديث من الفوائد، في قوله عليه الصلاة والسلام: في قول الله: «أنا الملك، أنا الملك، أنا الملك». هذه جملة إسمية، مبتدأ وخبر، والجملة الإسمية إذا كانت عبارة عن معرفة ومعرفة، «أنا» معرفة، و«ملك» معرفة، دل على أن هذا الأمر، كما عند أهل اللغة والبلاغة، يدل على الحصر، «أنا الملك»، بمعنى أن الملك لي، لا لأحد سواي، سبحانه. فالملك لله، قد يقول قائل: أليس لله جل وعلا ملك الدنيا والآخرة؟ الجواب: نعم، بلى، لله جل وعلا ملك الدنيا والآخرة، إلا أن ملك الله في الدنيا وجد من ينازعه، وجد الفراعنة والكبراء، ومن يدعي الألوهية، ومن يدعي الربوبية، من يقول: «أنا ربكم الأعلى»، ومن يقول: «لي ملك مصر»، نازعوا، هؤلاء الحثالة من البشر، نازعوا الرب عز وجل في ملكه وربوبيته. لكن يوم القيامة ما يوجد منازع، ما يوجد منازع، ولهذا يقول الله يوم القيامة: «لمن الملك اليوم؟» فلا يجيبه أحد: «لله الواحد القهار». في ذلكم اليوم يظهر ملك الله سبحانه وتعالى لعدم وجود المنازع والمزاحم، فلله عز وجل ملك الدنيا والآخرة بلا إشكال، لكن ملك الآخرة يظهر على الكل، فما هناك من ينازع الله عز وجل في ملكه. ثم في آخر الحديث يقول الله عز وجل: «أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟». والجبار والمتكبر هم من الصفات التي فيها العلو لمن أراد العلو في هذه الدنيا على الخلق، الجبار هو الذي يتعالى على الناس بقهره وبطشه وشدته، والمتكبر هو الذي يتعالى على الناس بماله وحسبه ونسبه. فهذا يتعالى، وهذا يتعالى في هذه الدنيا، هؤلاء يخصهم الله جل وعلا يوم القيامة بالنداء: «أين المتكبرون؟ أين الجبارون؟». وهذا السؤال، كما قال العلماء: سؤال تحدي، لا يسأل ربنا عنهم سؤال استفهام، لا، بل سؤال تحدي، يتحدى ربنا هؤلاء في ذلكم اليوم العظيم، ولهذا يذلهم الله عز وجل أيما إذلال، وفي ذلكم إشارة إلى ذم هاتين الصفتين، أن تكون يا عبد الله متجبرًا، متغطرسًا، متكبرًا، احذر، احذر من الكبر. وأن تتعالى على خلق الله جل وعلا، الأمر ما يحتاج، فما الذي تملكه من صفات القبول حتى تترفع على غيرك؟ فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، «إن أكرمكم عند الله أتقاكم». فلا تترفع على غيرك يا عبد الله، لا ببطشك، لا بقوة سلاحك، لا بأمنك، تملك، تملكت زمام زمام الأمور، ولا هاتك تتعالى على غيرك بحسبك أو نسبك، أو أن الله أعطاك مالًا أو جاهًا أو سلطانًا، فكل ذلك يفنى ويبيد، وعند الله تلتقي الخصوم. وحين تعلم أن من الذي عولت عليه يذهب هباءً منثورًا، وأن الإنسان إذا أراد أن يفتخر بشيء، فافتخر بدينك الذي حباك الله جل وعلا به. فالشاهد، إخواني في الله، هذا الحديث الذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى من الأحاديث العظيمة التي تدل على عظيم عظمة الرب سبحانه وتعالى. وسيأتي معنى كذلك استدلالات المؤلف في هذا الباب، مما يدلل به على ما يدل على عظمة الرب، أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.