الدرس في التعليق على مذكرة أحكام الصيام 58، ألقاها
يتناول المقطع أحكام الصيام والفطر في رمضان، مثل نية الإفطار ومضغ العلك والفطر في السفر. كما يوضح الأحكام الشرعية لهذه الحالات ويستند إلى أقوال العلماء والشريعة الإسلامية.
يجب على الطالب المقيم للدراسة أن يصوم، ولا يجوز الفطر إلا للمسافر الذي تقطع مسافة معينة. كما أن رخص السفر تكون للمسافر إذا كانت المسافة ثمانين كيلو تقريبا أو حسب العرف.
يتناول المقطع أحكام الفطر لإنقاذ الغير وعدم جواز الفطر للرعاة، كما يشرح أن النية محلها القلب ولا يجب التلفظ بها في الصلاة والصيام.
تكبير الإحرام هو شرط لدخول الإنسان في الصلاة ولا تصح بدونها. الإمام الشافعي رحمه الله يقصد بالدخول في الصلاة بلفظ التكبير وليس التلفظ بالنية.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ محمد الوهاب مصابي رحمه الله في كتابه «مذكر في أحكام الصيام» في ذكره للفتاوى: قال: «الثالث والأربعون: من نوى الإفطار وهو صائم في رمضان، فعليه القضاء؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وهذا قد نوى وعزم على الفطر، فإنه يكون بذلك مفطرا؛ ولهذا فعليه القضاء». هذا بالنسبة لنية الإفطار، أما في فعل المحظور، فإنه لا يفطر إلا إذا فعله؛ يعني لو أراد أن يشرب الماء، لم ينو الفطر، ولكن رأى ماء فأراد أن يشربه مثلا أو يتناوله، فإنه لا يفطر بذلك إلا إذا فعله. ومثله مثلا لو عزم على إتيان أهله وهو صائم، فإنه لا يفطر بذلك إلا إذا حصل منه ذلك؛ إذا حصل منه الجماع في نهار رمضان، وهو ذاكر عامد، يحصل به الفطر. قال: «الرابع والأربعون: من مضغ علكا وهو صائم في رمضان، فقد أفطر وعليه القضاء». مضغ العلك -العلك- على نوعين: علك فيه مادة تتحلل إلى الجسم، كالعلك الاصطناعي، هذا الذي يباع في الدكاكين، الذي فيه السكر؛ فمثل هذا يحصل به الفطر؛ لأنه إذا مضغه تحلل ما في هذا العلك ودخل إلى جوفه. وهناك علك -يعني- ليس له مادة تتحلل، يابس جاف؛ فهذا لا يحصل به الفطر إذا مضغه من غير أن يتحلل منه شيء. فيكون المراد بهذه الفتوى العلك الذي يتحلل وتصل أجزاؤه إلى داخل البدن، الله أعلم. قال: «خامس والأربعون: يستحب للمسافر في رمضان أن يفطر، ولو كانت وسيلة السفر مريحة كالطائرة؛ يستحب للمسافر في رمضان أن يفطر، ولو كانت الوسيلة مريحة؛ لأن الفطر في رمضان رخصة رخصت به الشريعة؛ فيستحب له أن يفطر». هذا قول لأهل العلم: أنه يستحب للمسافر أن يفطر في سفره. هنا قول آخر: وهو أنه إذا كان السفر ليس فيه مشقة، والفطر والصوم فيه سواء، فالأولى أن يصوم؛ ويستحب له الصيام؛ حتى يدرك فضيلة الصوم في شهر رمضان؛ يدرك فضيلة الصيام في شهر رمضان. وكذلك أيضا تبرأ ذمته بأداء هذه الفريضة، ويكون في ذلك معنى المسارعة والمبادرة في فعل الخيرات؛ على أن الفطر جائز؛ لو أراد أن يفطر فله ذلك. قال: «السادس والأربعون: لا يجوز الإفطار في نهار رمضان من أجل الأعمال الرياضية، من كرة القدم وغيرها؛ لأن ذلك ليس من الأعذار الشرعية المبيحة للفطر». لو أن إنسانا يصوم ويقول: «أنا أعمل في الرياضة في كرة القدم أو في غيرها من أنواع الرياضة، وأشعر بالتعب والمشقة؛ فهل لي أن أفطر؟». فيقال: «ليس لك الفطر؛ لأن الرياضة وما كان بمعناها ليس من الأعذار الشرعية التي تبيح للإنسان الفطر». ومثل أيضا أصحاب الأعمال الشاقة؛ كذلك من يعمل في المناجم، وفي تكسير الأحجار، أو نحو ذلك؛ أيضا هؤلاء ليس لهم رخصة في الفطر؛ بل الفطر في حقهم حرام؛ وليس لهم عذر بتركه. ومن أفتى لهم بالفطر فهو مخطئ؛ وهؤلاء جميعا يلزمهم قول الله جل وعلا: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمۡهُ﴾. قال: «السابع والأربعون: من سافر إلى بلد للدراسة، فلا يجوز له الإفطار؛ لأنه مقيم في موطن الدراسة، وليس في حكم المسافرين». إذا سافر الإنسان إلى بلد لأجل الدراسة، فهل له أن يفطر؟ في هذه الفتوى: ليس له الإفطار؛ لماذا؟ لأنه يعتبر في حكم المقيمين؛ فهو مقيم في هذه البلد، وإن كان ذهب لأجل الدراسة؛ فهو أقام فيها؛ فيكون حكمه حكم المقيمين؛ فيجب عليه أن يصوم؛ وليس فيه معنى المسافرين من الضرب في الأرض وغير ذلك من معاني السفر. قال: «ثامن والأربعون: القصر والجمع والفطر في السفر، لا بد أن تكون المسافة ثمانين كيلو تقريبا طولا، برا أو جوا أو بحرا». فلو حلقت الطائرة فوق البلد الذي يقيم فيه، فهذا ليس بسفر؛ ولو سارت في هذه التحليقات ثمانين كيلو. هذه الفتوى في تحديد المسافة التي يحصل بها معنى السفر، ويترخص فيها المسلم برخص السفر من الفطر والقصر وغيرها؛ فيقول: «لا بد أن تكون المسافة ثمانين كيلو تقريبا». وقال: «على قول جماعة من أهل العلم». وينسى بيضا إلى الجمهور: على أن القول الأرجح بتحديد السفر هو المرجع؛ الرجوع إلى العرف؛ لأنه لم يرد في الشرع تحديد المسافة التي يتكون بها السفر؛ وإنما هي عبارة عن اجتهادات؛ اجتهاد بها أهل العلم في النظر في بعض الأحاديث؛ وليس فيها ذكر حد للسفر. ولهذا كان القول الصحيح -كما رجع شيخ الإسلام ابن تيمية ومن سار على نهجه- أن المرجع في ذلك إلى العرف؛ فما تعارف عليه الناس أنه سفر؛ فيكون سفرا؛ سواء كانت مسافته ثمانين كيلو أو أكثر أو أقل. فإذا سافر الإنسان ما يعد سفرا؛ حينئذ يجز له الفطر، وقصر الصلاة؛ وكذلك أيضا الجمع بين الصلاتين؛ سواء كان السفر برا أو كان عبر الجو بالطائرات، أو كان بحرا بالسفن؛ فله الترخص برخص السفر. فيقول هنا: «فلو حلقت الطائرة فوق البلد الذي يقيم فيه، فهذا ليس بسفر؛ يعني إذا صعد على الطائرة، وحلقت الطائرة على بلده -يعني- ثمانين كيلو؛ فهذا لا يعد سفرا؛ لأنه ما زال في بلده؛ يعني في فوق بلده؛ لم يفارق بلده بنحو هذه المسافة». فالمراد بالسفر: الضرب في الأرض، أو مفارقة البلاد بمسافة تعد سفرا. قال: «التاسع والأربعون: لا يجوز لموظفي الدفاع المدني الفطر، إلا لمن خشي الهلاك على نفسه، أو احتاج إلى الإفطار لإنقاذ معصوم من هلكة يتوقف إنقاذه له على الإفطار». فمن يعمل في الدفاع المدني، من موظفي هذه القطاعات؛ الشرطة؛ وكذلك أيضا من يعمل في الإطفاء الحريق، ونحو ذلك؛ وهكذا أيضا من ربما يرابط في بعض الثغور؛ ربما أنه يصاب بشيء من التعب والمشقة؛ فهؤلاء الأصل أنهم يصومون؛ الأصل أنهم يصومون؛ ويجب عليهم الصيام؛ إلا من خشي الهلاك على نفسه؛ إذا خشي على نفسه الهلاك من شدة العطش أو الجوع؛ فحينئذ له الفطر؛ من باب قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗ﴾. وهكذا أيضا إذا احتاج إلى الإفطار لإنقاذ معصوم؛ كشخص مثلا غرق في البحر، ولا يستطيع من عنده أن ينقذه إلا إذا أفطر؛ لكونه ضعيف بسبب الصوم؛ هل له أن يفطر؟ الجواب: نعم؛ له أن يفطر وينقذه. أو كذلك أيضا احترق بيت، ولم يمكن إطفاؤه إلا بالفطر؛ حتى يتقوى على إطفائه؛ فيجوز له أن يفطر ويطفئ هذه الحريقة، وينقذ من في البيت؛ ثم يقضي هذا اليوم الذي أفطره؛ يقضي هذا اليوم الذي أفطره. بسم الله. أهل العلم على جواز الفطر لإنقاذ الغير؛ بفطر الحامل لأجل جنينها، وفطر المرضعة لأجل رضيعها؛ فأجاز الشرع للمرأة الحامل أن تفطر لأجل ولدها وجنينها؛ وأجاز للمرضعة أن تفطر لأجل رضيعها؛ وتقضي هذا اليوم الذي أفطرته؛ فيلحق به ما كان فيه هذا المعنى من إنقاذ الغير؛ فيفطر لأجل ذلك؛ ثم يقضي ما أفطره من أيام. قال: «الخمسون: العمل في الرعي ليس عذرا يبيح الفطر في رمضان؛ يعني من كان يرعى البهائم من غنم أو إبل أو بقر في نهار رمضان؛ هل له أن يفطر؟ الجواب: ليس له الفطر؛ فليس الرعي بعذر من الأعذار التي تبيح الفطر». قال: «حادي والخمسون: من صام رمضان، ثم أصيب بعطش شديد خشي معه الهلاك، فإنه يفطر بتناول ما يبقي على حياته، ثم يمسك ويقضي هذا اليوم في وقت آخر». إنسان صام، ثم شق عليه الصيام، وأوشك على الهلاك من شدة العطش؛ ربما يكون هذا بسبب شيء من التكليف النفس فوق طاقتها؛ كمن يعمل مثلا في الرعي؛ يرعى في وقت نهار رمضان مع شدة الحر؛ فأصابه العطش الشديد؛ أو يعمل مثلا في البحر؛ فأهلك نفسه وأثعب نفسه؛ حتى شق عليه وكاد أن يهلك؛ أو نحو ذلك من الأعمال التي ربما يوقع الإنسان فيها نفسه في مثل هذا الحرج. فإذا أصابه العطش الشديد، خشي على نفسه من الهلاك؛ فإنه يفطر بما يدفع به الهلكة؛ يشرب اليسير من الماء الذي يعود به النشاط، ويدفع به حصول الهلاك؛ ثم يمسك؛ لأن الواجب عليه الإمساك؛ وليس له الفطر؛ فيمسك ويقضي هذا اليوم؛ يمسك ويقضي هذا اليوم. وليس معنى هذا أن الإنسان إذا كان الأمر هكذا؛ لا بأس أنا سأعمل؛ وإذا عطشت شربت الماء؛ والحمد لله. لا؛ الأصل أنه يجب عليك الصوم؛ ويجب عليك كذلك ترك الأعمال التي بها توقع نفسك في الحرج، وتشق على نفسك؛ أو كذلك أيضا -يعني- تصل بنفسك إلى حد أنك تفطر؛ لأن الواجب عليك أن تصوم وأن تمسك؛ لكن لو حصل ذلك من غير قصد أو تعمد؛ أوشك على الهلاك؛ فإنه يشرب ما يتيسر من الماء؛ ليدفع به الهلك؛ ثم يمسك ويقضي هذا اليوم. قال: «الثاني والخمسون: النية محلها القلب، والتلفظ بها في الصلاة والصيام بدعة؛ وقد غلط من غلط على الشافعي؛ فإنه لا يوجد عنه نص واحد في التلفظ بالنية؛ كما حرره الإمام ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد»». النية محلها القلب؛ لأن النية هي عزم القلب على فعل أمر من الأمور؛ فأنت عندما تنوي؛ فمعنى ذلك: تعزم في قلبك على فعل شيء. فإذا كان الأمر كذلك؛ فلا يحتاج أن تتلفظ بلسانك: أنك نويت أن تصوم، أو نويت أن تصلي، أو نويت أن تتصدق؛ فالنية موجودة في قلبك؛ فلا حاجة إلى التلفظ؛ والتلفظ بها بدعة؛ التلفظ بالنية في العبادات بدعة؛ في الصيام، وفي الصلاة، وفي غيرها؛ لأنه ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام، ولا فعله الصحابة رضي الله عنهم؛ وخير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام. وبعض الشافعية ينسب هذا القول إلى الإمام الشافعي؛ وهذا أيضا قول خاطئ؛ وذلك أنه وجدوا عنه لفظا أو نصا يقول فيه: «أن المصلي لا يدخل في الصلاة إلا بلفظ». فذهب من ذهب من الشافعية؛ فقال: «أراد الإمام الشافعي التلفظ بالنية». وهذا ليس بصحيح؛ وإنما أراد الإمام الشافعي رحمه الله بالتلفظ: هو التكبير؛ أن الإنسان لا يدخل في الصلاة إلا بالتكبير؛ فهو مفتاح الصلاة؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مفتاح الصلاة التكبير». فلا يدخل الإنسان في الصلاة، ويكون مصليا إلا إذا كبر؛ لو جاء إنسان نقف في الصلاة، وقرأ الفاتحة من غير أن يكبر؛ لم يعد بذلك مصليا؛ ولم تصح صلاته. فمراد الإمام الشافعي رحمه الله: أنه لا يدخل فيه إلا بلفظ؛ أراد بذلك التكبير؛ ليس التلفظ بالنية. فمن نسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله أنه يقول بالتلفظ بالنية؛ فهو مخطئ؛ وقد غلط عليه رحمه الله رحمة واسعة. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.