الدرس في القواعد والأصول الجامعة 56، ألقاها
القاعدة الثلاثون من كتاب 'القواعد والوصول للجامعة' للعلامة السعدي تنص على أن الشركاء في الأملاك يشتركون في الزيادة والنقصان بحسب نصيب كل منهم، ويتحملون المصاريف اللازمة للتعمير والإصلاح بنفس النسبة. يشرح المقطع أيضاً أحكام الشركاء في الممتلكات المشتركة مثل الأنهار والآبار والأراضي.
يشرح المقطع أحكام الشراكة في الزيادة والنقصان، حيث يشترك الشركاء في الزيادة المتصلة والمنفصلة وكذلك في النقصان بحسب ملك كل منهم. كما يوضح كيفية توزيع الخسارة على الدائنين عند عدم كفاية موجودات المدين.
يتساوى الشركاء في تحمل الزيادة والنقصان بنسبة متساوية حسب عددهم، فإذا كانوا اثنين تحمل كل واحد النصف، وإذا كانوا ثلاثة تحمل كل واحد الثلث. هذا التوزيع يحل الخصام والنزاع بين الشركاء.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه «القواعد والوصول للجامعة»، القاعدة الثلاثون: «الشركاء في الأملاك يشتركون في زيادتها ونقصانها، ويشتركون في التعمير اللازم، وتقصط عليهم المصاريف بحسب ملكهم، ومع الجهل بمقدار ما لكل منهم يتساوون». هذه قاعدة صغرى، أو ضابط من الضوابط التي تتعلق بالشركات. يقول رحمه الله: «الشركاء في الأملاك» يعني فيما يملكون «يشتركون في زيادتها ونقصانها»، أي كلٌّ يكون على حسب نصيبه من الشركة، فمن له النصف له نصف الزيادة، ومن له الربع له ربع الزيادة، ومن له الثلث له ثلث الزيادة، وهكذا النقصان، أي الخسارة، فمن له النصف فإنه يملك نصف الخسارة، ومن له الربع فإنه يملك ربع الخسارة، ومن له الثلث فثلث الخسارة وهكذا. قالوا: «ويشتركون في التعمير اللازم»، يعني الشيء الذي يحتاج إلى إصلاح، فإنهم يشتركون في إصلاحه كشركاء، مثلا ثلاثة شركاء في بيت، وهذا البيت أوشك على السقوط، فاحتاج إلى تعمير وإصلاح، فهنا يشتركون جميعا في إصلاحه، ويجبرون على ذلك، ويقسم ما سينفقون أو يدفعون في إصلاح هذا البيت على حسب نصيب كل واحد، فإن كانوا قد اشتركوا أثلاثا فعلى كل واحد الثلث فيما سيدفع أو يخسر في إصلاح هذا البيت. قالوا: «وتقصط عليهم المصاريف بحسب ملكهم»، الثلث عليه الثلث، صاحب النصف عليه النصف، صاحب الربع عليه الربع وهكذا. قالوا: «ومع الجهل بمقدار مال كل منهم» يعني إذا لم يكن نصيب كل واحد منهم محددا، «يتساوون»، إذا كانوا اثنين، إذا كانوا اثنين فعلى كل واحد النصف، إذا كانوا ثلاثة فعلى كل واحد الثلث، إذا كانوا أربعة فعلى كل واحد الربع. قالوا: يدخل في هذا شيء كثير، فإذا احتاجت الدار المشتركة إلى تعمير وامتنع أحد الشركاء، ألزم بذلك، يعني مثلا ثلاثة شركاء في بيت، فاحتاج البيت إلى إصلاح وتعمير، فوافق اثنان ورفض الثالث، هذا الثالث يلزم بالتعمير ودفع ما يحتاج إلى إصلاح هذا البيت، يلزم بذلك ويجبر على ذلك. قال: مع أنه لو كان وحده لم يجبر، يعني لو كان هذا البيت يملكه شخص واحد، وهذا البيت تشقق واحتاج إلى تعمير وإصلاح، هل يجبر على إصلاحه؟ الجواب: لا، ما يجبر، هو حر، يريد أن يصلحه وأصلحه، ما يريد إصلاحه وتركه، لماذا؟ لأن هنا ليس هناك نزاع، ليس هناك نزاع وخصومة، هذا البيت يملكه لنفسه، هو حر فيه، لكن إذا كان الشركاء ستقع خصومة ونزاع، فهنا لا بد من وضع حل لرفع النزاع والخصومة التي قد تقع بين الشركاء، فحينئذ يلزم كل واحد ويجبر على إصلاح هذا البيت. قال: لأن الشيء إذا تعلق به حق الغير وجب فيه ما لا يجب في الشيء الذي ليس لأحد فيه شيء، يعني يختلف الحكم، الشيء الذي يتعلق به حق الغير، أنت الآن شريك مع غيرك، لو أنت قلت: أنا ما سأصلح، طيب سيتضرر الشريك، لأن هذا البيت ليس لك وحدك، أنت وشريكك، إذا أنت امتنعت سيتضرر الشريك وسيخسر ضعف ما سيصلح فيه هذا البيت، فحينئذ تلزم وتجبر على الدفع، بخلاف لو كان الإنسان وحده، لا يتعلق به حق للغير، فهنا لو خسر أو انهدم البيت فهو الخسران، ليس هناك ضرر على غيره. قال: وكذلك عليهم أن يقوموا بمؤنة المماليك من البهائم والآدميين، ونفقاتهم على قدر أملاكهم، يعني لو كان هناك شركاء في مماليك، أي عبيد أو بهائم كأغنام مثلا، شركاء اثنان أو ثلاثة اشتركوا في أغنام، طيب هذه الغنم تحتاج إلى علف، تحتاج إلى علف وإطعام وسقي، يعني رعاية، فهنا يلزم الجميع بذلك، على النفق عليها، وتكون النفق على حسب أملاكهم، الذي يملك النصف عليه نصف النفقة، والذي يملك الربع عليه ربع النفقة، والذي يملك الثلث عليه ثلث النفقة وهكذا. قال: وكذلك لو احتاج النهر أو البئر أو الأرض إلى تعمير، عمروها جميعا على قدر ملكهم، لو احتاج النهر، لو أن هناك مثلاً طريق يمر فوق النهر فتعطل وتضرر الناس من ذلك، هنا يتعاون الجميع في إصلاح هذه الطريق لأجل رفع الضرر عن الجميع، أو هكذا بئر مثلاً، بئر تعطلت والناس ينتفعون منها وينزحون منها الماء، فهنا يجتمعون، وكذلك يدفعون جميعاً ما يكون به إصلاح لهذه البئر، وإن كانوا شركاء، فعلى قدر ملكهم، يعني لو كانت هذه البئر لثلاثة، فكل واحد عليه ثلث الخسارة في إصلاح هذه البئر. قال: ولا فرق بين الأملاك الحرة والأوقاف، لا فرق بين الأملاك الحرة والأوقاف، يعني ما كان ملكاً للإنسان يملكه بنفسه، فهذا كما أنه يلزم ويجبر على إصلاحه إذا احتاج إلى تعمير ومعه غيره من الشركاء، كما مثلنا في الأمثلة السابقة كالبيت ونحوه، كذلك الوقف، لو أن هناك وقف للمساكين مثلاً، بيت أوقف للمساكين وسكن فيه أناس من المساكين، طيب هذا البيت احتاج إلى تعمير، فمن الذي يعمره؟ هؤلاء الموقوف عليهم من المساكين هم الذين يشتركون في تعميره، فينظرون كم يحتاج إلى إصلاح، ثم يقسمونه بينهم بالسوية، يقسمون هذا الخسارة التي سيخسرونها في إصلاح هذا البيت، يقتسمونه بينهم بالسوية، لا فرق كما قال بين الأملاك الحرة والأوقاف، مع أنهم لا يملكون هذا البيت، لكن يملكون الانتفاع به، فهنا كذلك يلزمون بإصلاحه. قال: وكذلك يلزم الجار مباناة جاره إذا اشترك في الحاجة، معنى مباناة جاره، يعني أن يشارك جاره في الخسارة، أن يشارك جاره في الخسارة فيما كان بينهم من اشتراك في الجوار، مثلا هذا الجار بنى جدار احتاج إلى بناء جدار، وهذا الجدار فيه منفعة له ولجاره، فهنا يلزم هذا الجار بمشاركة هذا الجار في الخسارة في بناء هذا الجدار، فيتكلف الجار نصف الخسارة، تكون نصف عليه ونصف على جاره. قال: إذا اشترك في الحاجة، ويلزم الأعلى منهم سترة تمنعه من مشارف تجاره الأسفل، لأن الضرر مدفوع شرعا، كذلك يقول: يلزم الأعلى منهم سترة، الآن عندنا جاران أحدهما بيته طابق واحد والآخر بيته طابقان أو ثلاث طوابق، هذا الآن الأعلى سيكون ماذا؟ متكشف على بيت جاره الأسفل، وهذا فيه ضرر على جاره الأسفل، فهنا يلزم هذا الجار الأعلى أن يتخذ سترة، يعني جدار يبني جدار بحيث يكون ساتراً من التكشف على جاره، أو يسد الفتحات والنوافذ التي في جهة الجار، ويفتح نوافذ من الجهات الأخرى، فيعمل يعني ما فيه سداً لأذية جاره ودفع الضرر عنه، فهذا يلزم به. قال: لأن الضرر مدفوع شرعاً، يعني أن الشريعة جاءت دفع الضرر، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ضرر ولا ضرار». قال: وكذلك إذا زادت الأملاك المشتركة بذاتها أو أوصافها أو نمائها المتصل أو المنفصل أو مكسبها أو نقصت، فالشركاء مشتركون في الزيادة والنقص. إذا زادت الأملاك المشتركة بذاتها، مثل شاء هذه الشاء ولدت، هذه الشاء ولدت الآن زادت، فكيف يشتركون في هذا الولد؟ مثلاً الأصل وهي الأم هي نصف أو نصفان لكل واحد نصف في الشراكة بين اثنين، كل واحد يملك منها نصفاً، أتت بولدت، فكذلك يشتركون في هذا الولد كاشتراكهم في الأصل، كما أنهم يشتركون في الأم كل يملك منها نصفاً، كذلك الولد فكل واحد منهم يملك نصفاً، إذا كانوا ثلاثة فكل واحد يملك ثلثاً، كما أنهم يشتركون في الأصل بالثلث. قال: أو أوصافها، كذلك إذا كانت الزيادة في الوصف، مثل اشتركوا في عبد، اشتركوا في عبد، هذا العبد كان أمياً لا يحسن القراءة والكتابة، ثم تعلم وصار محسناً للقراءة والكتابة، فهنا سيزيد ثمنه وسعره، هذه الزيادة الآن زيادة في الوصف، ليس في ذاته، هو واحد، هو في ذاته واحد، لكن الزيادة هنا في الوصف، في وصفه أصبح متعلماً، وهنا سيرتفع ثمنه، فيشتركون في هذه الزيادة، لا حسب أملاكهم، صاحب الثلث له الثلث، وصاحب النصف النصف وهكذا. قال: أو نمائها المتصل، أو نمائها المتصل مثل الشاء اشترك فيه اثنان، وكانت نحيفة، ثم سمنت، سمنت وصار السمينة، هذا السمن الذي حصل لها زيادة متصلة، زيادة متصلة بالأصل، فهم كذلك يشتركون في هذه الزيادة، وهذا النماء المتصل، يعني مثلاً لو كانت قيمتها قبل السمن تساوي عشرين ألف، وبعد أن سمنت صار تساوي أربعين ألف، هذه الزيادة يشتركون فيها على حسب ملك كل واحد منهم منها. قال: أو المنفصل، يعني إذا كانت الزيادة منفصلة كالولد المنفصل عن أمه، أو كاللبن، هذه زيادة منفصلة، كذلك يشتركون فيها على حسب أملاكهم. قال: أو مكسبها، كالعبد المملوك إذا اكتسب عمل واكتسب مالاً، طيب هذا العبد مملوك لثلاثة مثلاً، كل واحد يملك منه ثلث، وهو اكتسب ثلاثة آلاف، فكل واحد له ألف، هذا له ثلث، وهذا له ثلث، وهذا له ثلث. قال: أو نقصت، هنا الآن بدل الزيادة جاء النقصان، كانت مثلاً الشاة تساوي أربعين ألف، ثم ضعفت فصار تساوي عشرين ألف، فإنهم يشتركون في هذا النقصان، كلٌّ ينقص عليه بقدر ملكه منها، طيب صاحب النصف ينقص منها النصف، وصاحب الربع الربع وهكذا. قال: فالشركاء مشتركون في الزيادة والنقص، كما أنهم يشتركون في الزيادة ويقتسمون على حسب أملاكهم، كذلك يشتركون في النقصان ويتحملون من النقصان والخسارة على حسب أملاكهم. قالوا: من ذلك المحجور عليه لحق الغرماء إذا لم تفي موجوداته بحقوقهم، وزعت عليهم على قدر ديونهم، المحجور عليه لحق الغرماء، إنسان أخذ ديون من الناس، أخذ من هذا ومن هذا، ثم جاء أصحاب الديون يطالبون بديونهم، وإذا به ما عنده من المال لا يفي ولا يكفي لسداد هذه الديون، فحجر عليه، يعني منع من التصرف في ماله، وهذا يسمى حجر لفلس، أفلس، فصارت الديون أكثر من ماله الذي معه، هنا يحجر عليه ويمنع من التصرف في أمواله. فيقول: إذا لم تفي موجوداته بحقوقهم، وزعت عليهم على قدر ديونهم، الآن مثلاً الدين عشرة آلاف الذي أخذه من الناس عشرة آلاف، فلما جاءوا ينظرون إذا به لا يملك إلا خمسة آلاف، لا يملك إلا خمسة آلاف، الآن عنده أقل من الدين الذي عليه، كيف نفعل؟ قال: هنا توزع عليهم على قدر ديونهم، فينظر إلى هذا المتبقي، إلى هذا المتبقي معه بالنسبة للدين، ما هي النسبة؟ تخرج هذه النسبة، ثم توزع عليهم، أي على الغرماء بقدر هذه النسبة. قال: وكذلك العول في الفرائض، تنقص به الفروض كلها، كلٌ بحسبه، والرد تزيد به الفروض كلها، هكذا أيضاً في الإرث، أو العول مثل من مسائل الميراث، وهو أن تزيد الفروض على أصل التركة، فهنا يقول: تنقص به الفروض كلها، كلٌ بحسبه، يعني يدخل النقص على جميع الورثة، لأنهم شركاء في هذا الإرث، وهنا ما أمكن أن يُعطى كل واحد نصيبه كاملا، لأن التركة نقصت عن أصل الفروض، فهنا يدخل النقص على الجميع. قال: والرد تزيد به الفروض كلها، كذلك الرد هو عكس العول، الرد أن تنقص الفروض وتزيد التركة، فحينئذ ترجع، يرد هذا الزائد ويرد على الورثة، كهالك مثلاً عن زوج وبنت فقط، الزوج له الربع، والبنت لها النصف، أين الباقي؟ يرد على الورثة، ويرد على البنت. قال: وإذا علم مقدار ما لكل من المشتركين فذاك، يعني إذا علمنا مقدار ما لكل واحد من الشركاء، هذا علمنا أنه له نصف، إذن نعطيه النصف من الزيادة، ويتحمل النصف من الخسران، وهذا له الثلث، إذن يتحمل له الثلث من الزيادة، ويتحمل الثلث من النقصان وهكذا. قال: فإن لم نعلم مقدار ما له من الشركة، فإنه يحكم بينهم بالتساوي، عندنا اثنان شركاء مثلاً في شاء، كم مقدار الشراكة؟ ما ندري، ليس هناك شيء محدد، إذن يتساوون في الزيادة وفي النقصان، يتساوون في الزيادة وفي النقصان، كل واحد، له النصف في الزيادة، وعليه كذلك النصف في الخسران، إذا كانوا ثلاثة، فكل واحد يتحمل الثلث، له الثلث في الزيادة، وعليه الثلث في النقصان. وبهذا يعني يحل الخصام والنزاع الذي قد يقع بين الشركاء. قال: والله أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.