الدرس في القواعد والأصول الجامعة 72، ألقاها
تنص القاعدة على أن قبول قول من قبض عينًا أو مالًا يعتمد على الغرض من القبض، فإذا كان لحظ نفسه لا يقبل قوله إلا ببينة، وإذا كان لحظ مالكها فيقبل قوله دون بينة.
القاعدة الفقهية تُفرّق بين من يقبض العين لحظ نفسه ومن يقبضها لحظ صاحبها، وتحدد شروط قبول قولهم في الرد، وتطبق على الوكلاء والأمناء والوصياء.
إذا ادعى الأمناء والوكلاء رد الأمانات والأموال إلى أصحابها بدون مقابل، فإن قولهم يقبل بدون بينة ما لم يأت صاحب الحق ببينة عكس ذلك.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه «القواعد والفوائد الجامعة»، القاعدة الثالثة والأربعون: من قبض لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة، فإن قبضها لحظ مالكها قبل قوله من غير بينة. يعني: قبض عين مال أو غيرها من الأمانات والأموال، إن قبضها لحظ نفسه، يعني لأجل أن ينتفع هو، كأن يأخذ مقابلًا على هذه العين التي قبضها. قال: لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة، يعني إذا قال: أنا رددتها لك - أي لصاحبها - لم يقبل منه ذلك إلا ببينة. يعني إذا أنكر صاحب الحق لم يقبل قوله إلا ببينة تبين أنه ردها لصاحبها. فإن قبضها لحظ مالكها قبل قوله من غير بينة، إن قبضها لحظ مالكها يعني من غير مقابل، أخذ هذه الوديعة ووضعها عنده، ثم أخبر أنه ردها إليه، فإننا لا نطالب، ويُقبل قوله على ذلك. لماذا؟ لأنه أخذها لحظ مالكها، لم يأخذ لحظ نفسه، وما أخذ مقابلًا على ذلك، هو محسن، فهو محسن، وما على المحسنين من سبيل. قال: وذلك لأنه إذا قبضها لحظ مالكها فهو محسن محض، يعني هو محسن غاية الإحسان، إحسانًا كاملًا، لم يأخذ مقابلًا على ذلك، وإنما أراد أن ينفع صاحبها، كالوديعة ونحوها. وما على المحسنين من سبيل، الله عز وجل يقول: «ما على المحسنين من سبيل». كيف أن نلومه ونأخذه أو نغرمّه وهو محسن؟ وهو محسن في هذا العمل وفي هذا الفعل. قال: ولكن يقيد ذلك إذا ادعى رده للذي أتمنه، إذا ادعى رده للذي أتمنه، يعني إذا رد هذا الحق إلى الذي أتمنه، فحينئذ لا نطالبه ببينة، لا نطالبه ببينة. فلو قال صاحب الحق: أنا لم تصلني أو لم تعطني، فإذا نقول: ما دام أنه قد ادعى ردها، وهو محسن، فليس عليه شيء، إلا إذا أتى صاحب الحق ببينة تدل على أنها عنده وأنه لم يردها إليه، فهذا أمر آخر. لكن كان مجرد دعوى، وهذا الذي ردها إنما قرضها لأجل صاحبها، فإننا نقبل قوله من غير بينة. قال: فالمودع والوكيل والوصي وناظر الوقف وولي اليتيم، إذا كان ذلك منهم بغير عوض، إذا ادعوا الرد قبل قولهم، يعني رد هذه الحقوق إلى أصحابها، فإننا نقبل ذلك منهم بغير بينة. إذا ادعى المودع - يعني من وُدعت عنده الأمانة والوديعة - أنه ردها إلى صاحبها، فإننا نقبل قوله. وهكذا الوكيل إذا ادعى رد الحق إلى الموكل، فإننا نقبل قوله إذا كان ذلك من غير مقابل. وهكذا الوصي، وهكذا ناظر الوقف، وهكذا ولي اليتيم إذا ادعى أنه رد المال للأيتام، وهو لا يأخذ مقابلًا على ولايته عليهم، فإننا نقبل قوله. قال: وأما من قبض العين لحظ نفسه، كالمرتهن والأجير، ومنهم المذكورون، كالمرتهن والأجير، يعني إذا أخذ الرهن وجعله عنده مقابل مقابل مال أعطى له بعض الناس مالًا ورهن عنده شيء من متاعه. وهكذا أيضًا الأجير، مقابل أجرة أخذ السيارة مثلًا، استأجرها حتى ينتفع بها. وهكذا أيضًا ما كان بمعنى ذلك مما ذكر، إذا كان بمقابل. وهذا قالوا: منهم المذكورون، يعني المودع والوكيل والوصي وناظر الوقف وولي اليتيم إذا كانت هذه الأعمال كلها بمقابل. قال: إذا كانوا بعوض، يعني لم يقبل قولهم. قال: إذا كانوا بعوض، لأنهم يكونون أجراء، فإذا ادعى أحد من هؤلاء الرد لم يقبل قوله إلا ببينة، لأنه يدعي خلاف الأصل. والأصل في ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر». والأصل بقاء هذه العين عنده، فإذا ادعى أنها خرجت من ذمته فلابد من بينة تبين ذلك. وذلك أنه لم يقبضها لحظ صاحبها، وإنما قبضها لحظ نفسه، هو أراد أن ينتفع بذلك بالمقابل الذي يجده، فلا يقبل قوله إلا ببينة تدل على ذلك. هذا إذا حصل نزاع، إن لم يحصل نزاع فلا إشكال، يعني لو أخذ الإنسان عينًا من شخص بمقابل وردها إليه ولم يحصل نزاع، هنا ما في إشكال. لكن الإشكال إذا حصل النزاع، وقال صاحب العين: أنا لم أستلم هذه العين منك، وهو يدعي أنه ردها، نقول: إذن نطالبك بالبينة، هات البينة أنك رددتها إليه، وأنت أخذتها بمقابل، فلا بد من بينة. والأصل أنها باقية عندك. هذا معنى هذه القاعدة: التفريق بين من قبض العين لحظ نفسه ومن قبضها لحظ صاحبها. فإن كان قبضها لحظ صاحبها، فإنه يُقبل قوله في ردها إذا قبضها لحظ صاحبها. وأما إذا قبضها لحظ نفسه، فإنه لا يقبل إلا ببينة. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.