الدرس في القواعد والأصول الجامعة 61، ألقاها
يجب تقديم الواجبات على المستحبات عند التزاحم، مثل تقديم النفقة الواجبة على المستحبة وطاعة الله على طاعة المخلوقين. يتم ذلك بمراعاة المصالح والمفاسد في القرارات.
يتم تقديم الأعمال ذات النفع المتعدي على القاصرة، مثل طلب العلم على نوافل الصلاة والصيام. كما يتم تطبيق قاعدة ارتكاب المفسدة الأدنى لدفع المفسدة الأعلى، مثل أكل الصيد للمحرم بدلاً من الميتة.
عند التزاحم بين أمور محرمة أو مستحبة، يقدم الأخف تحريماً أو الأعلى فائدة، مثل تقديم ميتة الشاة على ميتة الكلب وطء الصائمة على الحائض عند الضرورة.
يجوز صيام النافلة بين رمضانين بدون بأس، ويمكن للشخص أن يصوم ما شاء من أيام النافلة لزيادة طاعته وتقواه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه "القواعد للوصول" الجامعة في كلامه على القاعدة الثالثة والثلاثين: إذا تزاحمت المصالح، خدم الأعلى منها. إلى آخر القاعدة، قال رحمه الله: وكذلك يجب تقديم من تجب نفقته على من تستحب، وعلى الصدقة المستحبة. يعني إذا حصل التزاحم، إذا حصل التزاحم، فهل يقدم مثلا زوجته أو يقدم أقرباءه في النفقة؟ الجواب: زوجته؛ لأن نفقتها واجبة، ونفقة الأقارب تكون مستحبة، فنفقة زوجته مقدمة. أو كذلك أيضا إذا تعارضت النفقة لزوجته وأولاده ومن تحت يده من مماليك وبهائم، مع النفقة المستحبة أو الصدقة المستحبة لغير قريب، فلا شك أن النفقة الواجبة مقدمة؛ لأنها أوجب. قالوا: يجب تقديم من تجب طاعته على من تستحب. فطاعة الزوج واجبة، وطاعة الأخ مثلا مستحبة، وطاعة الزوج مقدمة. قالوا: أمثلة تقديم الواجب على المستحب كثيرة جدا. ومن أمثلة تقديم أعلى الواجبين: طاعة المرأة لزوجها مقدمة على طاعة الأبوين. طاعة الأبوين واجبة، وطاعة الزوج واجبة، إذا تعارضت طاعة الزوج مع طاعة الوالدين، فأيهما تقدم المرأة؟ مثاله: إمرأة قالت لها أمها: تعالي عصر هذا اليوم إلى البيت، فقال الزوج: لا تذهبي، لا تذهبي إلى بيت أهلك. الزوج هنا أمرها بعدم الذهاب، والأم تقول: تعالي. أيهما تقدم؟ هل تقدم طاعة الزوج أو طاعة أمها؟ الجواب: تقدم طاعة الزوج؛ لأن طاعة الزوج مقدمة على طاعة الوالدين، فهي أوجب. على أن الزوج يراعي المصالح والمفاسد في هذا الأمر. وهكذا أيضا في إحسان المعاملة مع الزوجة في هذه الأمور، لكن إذا يعني رأى المصلحة وأرادها أن لا تذهب وأن تجلس، فلا هو الحق في ذلك، والمرأة يجب أن تطيع زوجها. قال: ويقدم العبد طاعة الله على طاعة كل أحد. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة بالمعروف». فطاعة الله جل وعلا مقدمة على طاعة كل أحد ممن تجب طاعته، كطاعة ولي الأمر أو طاعة الوالدين أو طاعة الزوج. قالوا: لهذا لا يطيع والديه في منعهما له من الحج الواجب، والعمرة الواجبة، والجهاد المتعين. ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ لأن طاعة الله جل وعلا مقدمة. الحج واجب، أمر الله به: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾. إذا وجب عليه الحج وصار مستطيعا، وقال له والد: لا تذهب، أو أم: لا تذهب، هل يطيعها في هذا؟ الجواب: لا. هنا طاعة الله مقدمة. أو كذلك العمرة الواجبة، أراد أن يعتمر عمرة الإسلام، ولم يعتمر من قبل، ومنعه والداه، فإنه يذهب؛ لأن طاعة الله مقدمة. وهكذا الجهاد المتعين. وقوله: «الجهاد المتعين» معنى: أن الجهاد غير المتعين يجب فيه طاعة الوالدين، وهو ما كان فيه الجهاد مستحب أو فرض كفاية. وهنا لا يجوز أن يذهب إلى الجهاد من غير إذن الوالدين، لا بد من طاعة والديه. إذا أراد أن يذهب يجاهد في بلد من البلاد يوجد فيه جهاد شرعي، أراد أن يذهب، لابد أن يستأذن من والديه. إن أذنا له ذهب، وإن لم يأذنا له لم يجز له الذهاب. والرجل الذي أتى النبي عليه الصلاة والسلام يستأذنه في الجهاد معه، قال: «أيسلم أحي والداك؟ قال: نعم. قال: فيهما فجاهد». أمره أن يرجع ويحسن صحبتهما وإحسان إليهما وبرهما، وكان لم يأذن له بذلك، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع إليهم ولا يذهب إلى الجهاد. لكن إذا تعين الجهاد، متى يتعين؟ يتعين في حالات: إذا هجم العدو على بلاد الإسلام، إذا هجم العدو على بلاد الإسلام، هنا تعين عليه أن يقاتل ولو لم يرض والداه، يجب عليه حينئذ أن يشارك في القتال والدفاع عن بلاد وأرض الإسلام. أو استنفر الإمام الرعية، وجب عليه وتعين عليه حينئذ الجهاد والذهاب، ولو لم يأذن؛ لأن هنا صار واجبا عينيا، فلا إذن لهما في ذلك. وهكذا الحالة الثالثة: إذا كان في أرض العدو، إذا كان في أرض المعركة، فلا يجز له أن يوليهم الأدبار ويفر، بل يثبت ويصبر. قال: ويقدم السنن الراتبة على السنن المطلقة، والعبادات المتعدية على العبادات القاصرة، ويقدم نفل العلم على نفل الصلاة والصيام، والصدقة على القريب صدقة وصلة. يقدم سنن الراتبة على السنن المطلقة. السنن الراتبة كركعتين الفجر القبلية، وركعتين الظهر أو أربع قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء. هذه سنن راتبة مقدمة على السنن المطلقة. هذا إذا ضاق الوقت، فإنه يقدم السنن الراتبة. مثلا جاء قبل صلاة الظهر بخمس دقائق، هل يصلي نافلة مطلقة في هذا الوقت أو يصلي السنن الراتبة؟ يصلي السنن الراتبة؛ لأن الوقت لا يسع إلا لصلاة مثلا ركعتين، فالسنن الراتبة مقدمة. قال: وهكذا العبادات المتعدية على العبادات القاصرة. فكل ما كان نفعه متعديا فهو مقدم على ما كان نفعه قاصرا. فعيادة المريض، واتباع الجنائز، هذا مقدم على صلاة النافلة؛ لأن عيادة المريض واتباع الجنائز، وصلاة الجنازة، هذا نفعه متعد فهو يكون مقدما. وكذلك أيضا طلب العلم مقدم على نوافل الصلاة والصيام؛ لأن نفع الصلاة والصيام هذا قاصر على العابد نفسه، على المصلي والصائم، لكن طلب العلم وتحصيل العلم وتعليم العلم، هذا نفعه متعد فيكون أوكد، فيكون مقدما. هذا إذا حصل التعارض. أما إذا أمكن الإتيان بالجميع، فهذا لا شك أنه الذي ينبغي. قال: ويقدم نفل العلم على نفل الصلاة والصيام والصدقة على القريب صدقة وصلة. يعني كذلك أردت أن تتصدق، وعندك رجل قريب من أقاربك، وآخر أجنبي، أيهما أولى؟ نقول: القريب. هذا القريب كابن عمك مثلا، أو عمك، أو ابن خالك، أو غير ذلك من أقارب، هذا أولى بالصدقة من الأجنبي الذي ليس بينك وبينه قرابة؛ لأن الصدقة على القريب صدقة وصلة، صدقة وزيادة على ذلك أن هذه من الصلة، من صلة الرحم والإحسان إليه، هذا أولى، هو مقدم على من لم يكن بينك وبينه قرابة. قال: ومن أمثلة الأصل الثاني: من اضطر إلى أكل المحرم، ووجد شاة ميتة وصيدا وهو محرم، قدم الصيد على الصحيح. يقول: من أمثلة الأصل الثاني: يعني إذا تزاحمت المفسدتان، فيرتكب الأدنى منهما لدفع الأعلى. يرتكب الأدنى لدفع الأعلى. وهذه القاعدة دليلها، أو من أدلتها، قول النبي عليه الصلاة والسلام لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية -قول لعائشة- لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية، لدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها بابين: بابا يدخل منه الناس، وبابا يخرجون منه. والحديث الصحيح. فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يهدم الكعبة ويبنيه على قواعد إبراهيم، ويدخل الحجر الذي أخرج منها، لكن لما كان يخشى من مفسدة تأثر من أسلم قريبا، وكانوا يعظمون البيت، أن يكون ذلك سببا في ردتهم أو تأثرهم بذلك، ترك النبي صلى الله عليه وسلم ماذا؟ هدم الكعبة وإعادة بنائها. وهكذا أيضا حديث الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد، وأراد الصحابة منعه، فقال: «دعوه حتى يقضي بوله»، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه. وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله تعالى عنه. فهنا اجتمعت مفسدتان: البول وتنجيس المسجد، هذه مفسدة، والمفسدة الأخرى: قطعه عن هذا البول الذي ربما يؤدي إلى مفاسد أكثر، أن ينتشر البول في أكثر من موضع، فتقع النجاسة في مواضع متعددة. وكذلك أيضا ما قد يحصل له من ضرر بقطع البول، وهكذا أيضا ربما ما قد يقع منه من إساءة ظن أو سوء معاملة بسبب معاملته بالشدة ونحو ذلك، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستمر في هذه المفسدة لكونها أدنى، لدفع تلك المفسدة الأعلى. فيقول: من أمثلة هذا الأصل: من اضطر إلى أكل المحرم. إنسان محرم أصابه جوع، وهو محرم، وجد شاة ميتة، شاة ميتة، ووجد صيدا مثلا، وجد غزالة طيبة، أيهما يقدم؟ هل يأكل هذه الشاة الميتة أو يصيد هذه الغزالة ويأكلها؟ يقول المؤلف رحمه الله: قدم الصيد على الصحيح. قدم الصيد؛ لأن الميتة أشد تحريما من قتل الصيد؛ لأن الصيد أصله حلال، وإنما حرم على المحرم بأجل الإحرام، بخلاف الميتة، هي من أصلها محرمة، سواء كان محرما أو غير محرم. إذن يقدم الأخف، الأخف هو قتل الصيد في حال الإحرام وأكله. قال: ويقدم ميتة الشاة على الكلب. هكذا كذلك إذا اجتمعت عنده ميتة الشاة وميتة كلب، أيهما يقدم؟ إنسان مضطر، عنده ميتة شاة، شاة ميتة، وعنده كلب ميت، سواء كان حيا أو ميتا، أيهما يقدم؟ الجواب: ميتة الشاة؛ لأن الشاة في الأصل حلال، لكن حرمت بسبب كونها ماتت من غير ذكاة، بخلاف الكلب، هو محرم من أصله، سواء ذكي أو لم يذكى. إذن الشاة خف تحريم الشاة، خف حينئذ يقدم ميتة الشاة. قال: ومن اضطر إلى وطء أحد زوجتيه الصائمة والحائض، وطئ الصائمة؛ لأنها أخف، ولأن الفطر يجوز بضرورة الغير، كفطر الحامل والمرضع إذا خافتا على الولد. يقول: إذا اضطر الزوج إلى وطء أحد زوجتيه -يعني جاء مثلا من سفر وقد غلبه الشبق- فوجد زوجتيه عنده، زوجتان، إحداهما حائض، وإحداهما صائمة، أي الزوجتين يقدم في الوطء؟ الجواب: يقدم الصائمة. لماذا؟ لأن الحائض لا يجوز وطؤها، الحائض لا يجوز. أما الصائمة، وإن كان الصائمة، لكن وطؤها جائز، وكون يفسد صومها هذا أخف من أن يطأ الحائض في حال حيضها؛ لأن هذا محرم، وفيه كذلك مضرة عليه وعليها. إذن يقدم الأخف، وهو وطء الصائمة. ولأن الفطر يجوز بضرورة الغير -قال- كفطر الحامل والمرضع إذا خافتا على الولد. يعني أجاز الشارع أن تفطر الحامل لأجل الولد، ليس خوفا على نفسها، لكن خوفا على جنينها، فإذا خافت على جنينها جاز لها أن تفطر لأجل إنقاذ الغير، أو لضرورة الغير. فيقول رحمه الله: إذا جاز ذلك، إذا جاز أن تفطر الزوجة لأجل زوجها، جاز أن يفطر الصائمة لأجل زوجها، ويكون هذا من القياس الصحيح. قال: ويقدم ما فيه شبه على الحرام الخالص. يعني عندنا شيئان، أحدهما مشبوه، مشتبه، ليس بمحرم تحريما خالصا، وعندنا ما هو محرم تحريما خالصا، أيهما نقدم؟ كإنسان مثلا اضطر إلى أكل لحم، مثلا شاة، عنده شاتان، أحدهما من ذبح كتابي: يهودي أو نصراني، لكن هذا الذبح مشبوه، هذا الذبح مشبوه فيه، هل الذبح بطريقة شرعية أم لا؟ شبهة. وعنده ذبيحة مجوسي، فأيهما يقدم؟ الجواب: يقدم ما فيه شبه، ذبيحة الكتابي، وإن كانت مشبوهة، هي أخف من ذبيحة المجوسي؛ لأنها محرمة؛ لأنها محرمة تحريما خالصا، لا يجوز أكل ذبيحة المجوسي. أما الكتابي تجوز في الأصل، لكن إذا وجد الشبه، فهي أخف من الشيء المحرم تحريما خالصا. قال: هذا كله إذا ابتلي العبد بذلك، والمعافى من عافاه الله. قال: من انفلة القسم الأول: إذا ضاق الوقت للصلاة، أو قيمة تعينت المكتوبة. من القسم الأول: يعني إذا تزاحمت المصلحتان، فيقدم الأعلى منهما. يقول: إذا ضاق الوقت للصلاة، أو قيمة، أي الصلاة تعينت المكتوبة. إذا ضاق الوقت، إنسان أراد أن يصلي الفريضة، لم يبق من وقت الفريضة إلا ما يكفي لأربع ركعات، كفريضة الظهر مثلا، هل يصلي قبلها النافلة، نافلة الظهر؟ الجواب: لا. هنا ضاق الوقت، إذن يقدم الأوجب والأعلى، وهي الفريضة، يقدمها على صلاة النافلة. أو أقيمت المكتوبة، فتعينت حينئذ المكتوبة. دخل المسجد، فكبر لصلاة النافلة، أقيمت الصلاة، فحينئذ يخرج من صلاة النافلة ويدخل في صلاة الفريضة؛ لأن الفريضة مقدمة. قال: ومن: قال: ومن عليه قضاء رمضان، لم يكن له أن يصوم نفلا. يقول: ومن عليه قضاء رمضان، لم يكن له أن يصوم نفلا. وهذا أيضا إذا حصل الضيق، إذا حصل الضيق وتزاحم الوقت، فيقدم القضاء. مثاله: إنسان عليه قضاء من رمضان، مثلا خمسة أيام، لم يقض هذه الأيام حتى جاء شعبان، ولم يبق من شعبان إلا خمسة أيام أو ستة أيام، هل يصوم في هذه الأيام نافلة أو يقدم القضاء؟ الجواب: يصوم القضاء. وهنا لا يصوم النافلة؛ لأن القضاء هنا مقدم، ولأن وقته قضاء، فلا يجوز حينئذ أن يصوم شيئا من النفل. بخلاف قبل ذلك، له أن يصوم؛ لأن القضاء بابه واسع، ليس على الفور، لكن على التراخي. لك أن تقضي بعد رمضان في أي شهر، حتى بشعبان، لو أخرت القضاء إلى شعبان، ليس بذلك حرج. لكن إذا ضاق الوقت، ولم يبق من رمضان الثاني إلا أيام معدودة، حينئذ وجب عليك أن تقضي ما عليك من رمضان. وأما كونك تنفل بنفل الصيام في حال ما بين الرمضانين، فلا بأس أن تصوم ما شئت من نافلة الصوم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.