الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 15، الدرس الخامس عشر:من(وسائر الأمور كالمقاصد*واحكم بهذا الحكم للزوائد ... فما لا تتم هذه إلا به فهو مسنون كنقل الأقدام إليها ونحوه). ألقاها
الوسائل لها أحكام المقاصد، فإذا كان المقصد مشروعًا كانت الوسيلة مشروعة. ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
يناقش المقطع قواعد فقهية تتعلق بالأسباب والوسائل للوصول إلى أفعال معينة. ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب دائمًا، بل يتحدد بحسب الحال.
الوسيلة إلى الواجب واجبة، والوسيلة إلى المستحب مستحبة. يُشرح ذلك بأمثلة من الفقه الإسلامي مثل المشي للصلاة والجهاد وأداء الحقوق.
يستحب الذهاب لمجالس العلم إذا كان الذهاب ضرورياً للتعلم، ويصبح واجباً إذا تعلق الأمر بالعلوم العينية الضرورية. الحكم يتراوح بين الاستحباب والوجوب حسب نوع العلم.
قال رحمه الله: وسائل الأمور كالمقاصد، يحكم بهذا الحكم للزوائد. قال في الشرح: يعني أن الوسائل تعطى أحكام المقاصد. وهذه القاعدة يعبر عنها العلماء بقولهم: الوسائل لها أحكام المقاصد. الوسائل لها أحكام المقاصد، فإن كان المقصد مشروعًا فالوسيلة مشروعة، وإن كان المقصد حرامًا فالوسيلة حرام. فلا يجوز أن يتوصل إلى الحرام بالحرام، ولا يجوز كذلك أن يتوصل إلى الحرام بالمباح، ولا كذلك أن يتوصل للمباح بالحرام. فإن كان المقصد مشروعًا فلابد أن تكون الوسيلة كذلك مشروعًا، فالوسيلة لها حكم المقصد. قال: فإذا كان مأمورًا بشيء كان مأمورًا بما لا يتم إلا به، إذا كان مأمورًا بشيء كان مأمورًا بما لا يتم إلا به، يعني لا يتم هذا الشيء إلا به، كالصلاة مثلًا، أمر الإنسان بالصلاة ولا يمكن أن تقام الصلاة وتؤتى إلا بالطهارة، إذا فالطهارة واجبة. وهذا مما دل عليه الدليل. ومثل أيضًا، مثلا شراء الماء، الإنسان أراد أن يصلي وليس عنده ماء، وهناك من يبيع الماء ويستطيع أن يشتري، واجب عليه ماذا؟ شراء الماء، لأنه لا يمكن أن يصلي إلا بالوضوء، ولا يمكن أن يتوضأ إلا بأن يشتري الماء. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فهذا قال: فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا من فروع هذه القاعدة. ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما سمعنا، إذا ما أمكن أن يصلي إلا بأن يشتري الماء حتى يتوضأ، كان شراءه للماء واجبًا. وهكذا أيضًا كذلك ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، إذا أراد مثلا أن يحج وهو عاجز عن الحج لمرض مثلا في بدنه أو لكبر سن، وهنا لا يستطيع الحج، ما هو الواجب؟ الواجب أن ينيب غيره، أن ينيب غيره فيحج عنه، فيكون ذلك واجبًا عليه، أنه لا يمكن أداء الحج إلا بهذه الطريقة. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهكذا مثلا كذلك الإنسان يجب عليه أن ينفق على أهله وولده، وإذا كان لا يستطيع أن ينفق عليهم إلا بالعمل إلا أن يعمل ويكتسب، فيكون العمل ويكتسب هنا ماذا؟ واجب، أنه لا يتم هذا الواجب إلا بالعمل والاكتساب، إذن فهو واجب. وفرق بين أن يقال: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وبين ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب. ما لا يتم الوجوب إلا به فهذا ليس بواجب؛ لأن هذا مما يتعلق بالأسباب والشروط وإيجادها، هذا من خطاب الوضع الذي وضعه الشرع، وليس للإنسان قدرة ولا استطاعة لإيجاد الأسباب والشروط، فلا يتعلق به التكليف. فما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، كغروب الشمس سبب لصلاة المغرب، هل يجب عليه إيجاد هذا السبب وهو الغروب؟ الجواب: لا. ومثله وجوب الزكاة في المال، من شرط إيجاب الزكاة في المال بلوغ النصاب وحلول الحول، فحلول الحول شرط، وهل يستطيع أن يوجد هذا الشرط بنفسه؟ الجواب: لا، إذن فليس بواجب عليه. ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب؛ لأن هذا ليس في قدرة الإنسان ولا في استطاعته، وما لم يكن في قدرته واستطاعته فهو معفو عنه. فلو ما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون، ويعبر بعضهم: ما لا يتم الندب إلا به فهو مندوب، يعني المستحب الذي لا يتم إلا به فهو مستحب. وهذا كذلك كما قيل في الأول يقال في هذا: ما كان من الأسباب والشروط فليس هذا في استطاعة العبد فلا يكلف به، وما كان في استطاعته فهو الذي تدل عليه هذه القاعدة. ما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون، مثل الصدقة، الصدقة مستحبة، وإذا كان لا يستطيع أن يتصدق إلا بأن يعمل ويكسب المال، فعمله واكتسابه للمال هنا للصدقة مستحب. ويدل عليه حديث أبي موسى في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا رسول الله، أرأيت إن لم يجد؟ قال: فيعمل فينفع نفسه ويتصدق»، ينفع نفسه ويتصدق، إذا كان لا يمكن التصدق إلا بالعمل، فيعمل فيكون عمله مستحب. ومثل ذلك أيضًا التطيب يوم الجمعة مستحب، إذا لا يمكن أن يتطيب إلا بشراء الطيب، فشراءه للطيب ماذا؟ مستحب. ما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون. وهكذا كذلك مثلا المتابعة بين الحج والعمرة هذا من المسنون والمستحب، إذا لا يمكنه ذلك إلا بأن يعمل ويدخر له مالا يستطيع به المتابعة بين الحج والعمرة، فيكون هذا العمل مستحب. قال: وإذا كان منهيا عن شيء كان منهيا عن جميع طرقه وذرائعه ووسائله الموصلة إليه، يعني إذا كان هذا الشيء حرامًا فجميع الطرق الموصل لهذا الحرام فهي حرام. كان منهيا عن جميع طرقه أي الموصلة إليه، وذرائعه التي توقع في الحرام، ووسائله الموصلة إليه. مثل مثلا الزنا، الزنا حرام، ومن الوسائل التي توقع في الزنا ماذا؟ الخلوة والنظر، وهكذا أيضًا المصافحة، كل هذه محرمة، جاء في الشريعة تحريمها؛ لأنها ذريعة ووسائل إلى الوقوع في هذا المحرم، فلها حكم هذا المقصد، تأخذ حكم هذا المحرم وهو الزنا والتحريم. وهكذا أيضًا مثل مثلا كذلك شرب الخمر حرام، فإذا كان يشتري عنبًا حتى يعصره خمرًا، كان شراء لهذا العنب ماذا؟ حرام؛ لأنه ذريعة ووسيلة إلى فعل هذا الحرام. قال: فالوسيلة إلى الواجب واجبة، كالمشي للصلاة الفريضة والزكاة ونحوها، والجهاد وأداء الحقوق اللازمة كحقوق الله تعالى وحقوق الوالدين والأقارب والزوجات والمماليك. فما لا تتم هذه الأمور إلا به فواجب. يعني إذا كان لا يمكن أن يصلي ويؤدي صلاة في المسجد إلا بالمشي، فمشيه إلى المسجد ماذا؟ واجب. يجب عليه حتى يؤدي هذه العبادة إلا إذا كان لعذر وهو معذور. وهكذا كذلك أيضًا أداء الزكاة إذا كان لا يمكن أداؤها إلا بأن يخرج بنفسه ويذهب بها، كان ذهابه وخروجه واجب. وهكذا الجهاد، الجهاد إذا ما أمكن إلا ببذل الأموال وإعداد العدة، فإعدادها يعتبر واجبًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. وهكذا كذلك الخروج إليه يعتبر واجبًا إذا ما يمكن إقامة الجهاد إلا بالخروج، فإن الخروج إليه يعتبر واجبًا. وهكذا أداء الحقوق اللازمة كحقوق الله تعالى من زكوات وكفارات ونحوها، فما لا يتم أداؤها به إلا به هو واجب. وهكذا حقوق الوالدين والأقارب، يعني إذا ما أمكن القيام بالحقوق حقوقهم إلا بالذهاب إليهم وصِلتهم ونحو ذلك، فيكون ذلك واجب. وهكذا كذلك الأقارب والزوجات والمماليك، إذا ما أمكن كما سمعنا النفقة عليهم إلا بالعمل والاكتساب، فالعمل والاكتساب واجب؛ لأنه يجب عليه أن ينفق على زوجاته وعلى أولاده ومماليكه. قالوا: أما المسنون كالنافلة في الصلاة والصدقة والصيام والحج والعمرة، يعني هذه من النوافل والأمور المستحبة كذلك، إذا كانت لا تتم إلا بهذه الوسيلة، فهذه الوسيلة مستحبة. مثلا الحج، الحج لا يجب إلا على المستطيع، فإذا كان إنسان لا يستطيع الحج لا يجب عليه، لكن إذا عمل حتى يكتسب المال فيحج، هل هذا يستحب؟ الجواب: نعم، يستحب. أن هذا من المسارعة في الخيرات ومبادرة في الطاعات، هو مستحب. جمع المال للحج لا يجب؛ لأن هذا مما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، لكن لو فعل ذلك هل يكون فعله هذا مستحب أو لا؟ مستحب. يستحب أن يعمل ويجمع المال ويحج به، وإن كان لا يجب عليه أن يوجد سبب الحج، سبب الاستطاعة، ما يجب عليه أن يتكلف جمع المال، لكن لو فعله ذلك مستحب. وهكذا الحج المستحب، السنة الحج المستحب كذلك إذا جمع له المال، فهذا أيضًا مما يستحب. والمتعلق بالخلق، حقوق الخلق المستحب من صلة الأرحام وعيادة المريض والذهاب لمجالس العلم ونحوه، فما لا تتم هذه إلا به فهو مسنون، كنقل الأقدام إليها ونحوه. يعني إذا كان لا تتم صلة رحم إلا بالذهاب إليهم، فذهاب إليهم ماذا؟ مستحب. وقد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًا. وهكذا عيادة المريض إذا ما أمكن إلا بالذهاب إليه والمشي، فيكون مشيه وماذا؟ مستحب. وهكذا ذهاب إلى مجالس العلم إذا ما أمكن أن يتعلم إلا بالذهاب، فإنه يستحب له الذهاب. وإذا كان من العلوم العينية فيجب، ليس جرد استحباب بل وجوب. ما يتم الواجب إلا به فهو واجب.