الدرس في القواعد والأصول الجامعة 67، ألقاها
القاعدة الفقهية تنص على أن التحريم إذا تعلق بذات العبادة أو شرطها أدى إلى فسادها، بينما إذا كان خارجا عنها لم يفسدها. هذا المبدأ يسري أيضا على المعاملات حيث يفسد العقد إذا كان النهي متعلقا بذاته أو بشروطه.
النهي عن فعل معين أثناء العبادة أو المعاملة قد يؤثر على صحتها إذا كان متعلقا بذات العبادة أو شرطها، بينما إذا كان النهي متعلقا بأمر خارج عن العبادة أو المعاملة فإنها تبقى صحيحة مع الإثم. الأمثلة تشمل الصلاة إلى القبور واستعمال إناء مغصوب للوضوء.
يتناول المقطع بعض البيوع المحرمة مثل بيع الربا والغرر والنجش والتدليس، ويشرح تأثير النهي على صحتها، حيث يفرق بين النهي الذي يعود إلى ذات العبادة أو شرطها فيبطل البيع، والنهي الذي يعود إلى شيء خارج عنها فلا يبطل البيع.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعد رحمه الله في كتاب القواعد والأصول الجامعة: القاعدة الثامنة والثلاثون: إذا عاد التحريم إلى نفس العبادة أو إلى شرطها فسدت، وإذا عاد إلى أمر خارج لم تفسد، وكذلك المعاوضة -يعني المعاملات-. هذه القاعدة هي أشبه بالقواعد الأصولية. إذ إنها تذكر في علم أصول الفقه، وهو أن التحريم أو صيغة التحريم التي هي الأصل الفعل المضارع، إذا قلنا: لا تفعل، ماذا تفيد؟ فيذكر أهل الأصول أنها تفيد شيئين: الأول التحريم، تفيد تحريم هذا الفعل، والشيء الثاني أنها تفيد الفساد، تقتضي فساد هذا الفعل. لكن هذا الاقتضاء للفساد فيه تفصيل، وما ذكره المؤلف رحمه الله في هذه القاعدة أن التحريم إذا عاد إلى نفس العبادة -يعني إلى ذات العبادة- أو عاد إلى شرطها، فإنها تفسد وتبطل، وإذا عاد إلى أمر خارج -يعني خارج عن أصل العبادة وعن شرطها- لم تفسد، بل تصح مع الإثم. وهكذا أيضا المعاوضة في المعاملات كذلك، إذا عاد النهي إلى ذات المعاملة أو شرطها فسدت، وإذا عاد إلى أمر خارج لم تفسد فصحت، ربما مع الإثم. قال: وهذا هو الفرق بين العبادات التي تفسد والتي لا تفسد إذا اجتمعت على أمر محرم. إن عاد التحريم إلى ذاتها أو شرطها فسدت، فإنه يعود على موضوعها بالإبطال. وإن عاد إلى أمر خارج، حرم على الإنسان ذلك الفعل، ولم تبطل العبادة، وإنما ينقص ثوابها. وقد تكون صحيحة مع الإثم. قال: مثال ما عاد إلى نفسها وشرطها: لو توضأ بماء محرم كمغصوب، أو صلى في ثوب محرم، عالما ذاكرا، بطلت طهارته وصلاته -أي لم تنعقد-. هنا عاد النهي إلى ذات العبادة أو شرطها. إذا توضأ بماء محرم كماء مغصوب، الماء المغصوب لا يجوز الوضوء به، واستعماله لا يجوز. فإذا توضأ به وهو مأمور بالوضوء، فقد توضأ بماء محرم لا يجوز أن يستعمله. فإذا توضأ به وصل به لم تصح صلاته، لأنه نهي عن استعمال مثل هذا الماء. أو صلى في ثوب محرم كثوب حرير وهو يعلم ذلك، يعلم أنه لا يجوز أن يستعمله لأن الحرير محرم على الذكور، وهو ذاكر أيضا لذلك، ليس ناسيا، بل عالما ذاكرا، بطلت طهارته وصلاته. لماذا؟ لأنه فعل شيئا محرما، وهما يتعلق بذات العبادة أو شرطها. فمثلا الوضوء شرط من شروط الصلاة، فهو الآن توضأ بماء محرم لا يجوز له أن يستعمله، فلا تصح طهارته. أو صلى في الثوب المحرم، إذا ستر عورته بثوب حرير، لابس مثلا إزار من حرير، فحينئذ يكون قد ستر عورته بثوب محرم، وستر العورة شرط من شروط الصلاة، فعلى هذا لا تصح طهارته ولا صلاته. هكذا ذكر المؤلف رحمه الله، وبعض أهل العلم يرى بمثل هذه الصورة أن الصلاة صحيحة مع الإثم. لو صلى بثوب حرير، فيقولون: صلاته صحيحة، وهو آثم على لبسه الحرير، لأن الحرير لبسه محرم، سواء في الصلاة أو خارج الصلاة. فكونه يصلي بثوب حرير هو آثم على لبسه للحرير، لكن من حيث صلاته صحيحة، لأنه أتى بشروطها وأركانها، وقد ستر عورته، وإن كان سترها بثوب محرم، هو آثم على ذلك، لكن من حيث أن العورة قد سترت، إذن الصلاة صحيحة. ولعل هذا أظهر. ولكن قد يمثل بعود النهي إلى ذات العبادة، كصوم أيام العيد، صوم أيام العيد هذا الصوم لا يجوز، محرم أن يصوم الإنسان أيام العيدين كعيد الفطر وعيد النحر أو أيام التشريق لغير من لم يكن متمتعا وأراد أن يصوم بدل الهدي. فصوم أيام العيد لا يجوز، لو صامها صومه باطل، لأن النهي هنا يعود إلى ذات العبادة، العبادة منه عنها في هذه الأيام، فهنا تبطل وتفسد. وهكذا أيضا النهي عن الصلاة إلى القبور، النهي عن الصلاة إلى القبور، لو صلى إلى القبور فصلاته باطلة، لأن النهي هنا يعود إلى ذات العبادة. فلو صلى إلى قبر فصلاته باطلة. قال: وإن كان الماء مباحا، ولكن الإناء مغصوب، حرم ذلك الفعل، وصح الطهارة. إذا كان الماء مباحا -أليس بمغصوب- ماء مباح استعماله، لكن الإناء الذي فيه الماء هذا الإناء مغصوب، وهذا الماء الذي فيه مباح، وتوضأ به، فإن صلاته تصح، وطهارته صحيحة مع الإثم لاستعماله لهذا الإناء المغصوب. قال: وكذلك لو صلى عليه عمامة حرير وهو رجل، أو خاتم ذهب، حرم عليه الفعل، والصلاة صحيحة. لماذا؟ قال: وهو رجل، لأن المرأة يحل لها أن تلبس الحرير وأن تلبس الذهب، لكن الحرير والذهب محرم على الرجل. فلو لبس الرجل عمامة حرير أو تختم بخاتم ذهب، فهذا الفعل منه محرم، لكن صلاته صحيحة. لماذا؟ لأن النهي هنا لا يعود إلى شرط العبادة، فلبس العمامة ليست من شروط الصلاة، إذن النهي هنا لا يعود إلى ذات العبادة ولا إلى شرطها، إنما إلى شيء خارج. فهو يحرم عليه لبس الحرير في الصلاة وفي خارج الصلاة، وهكذا أيضا يحرم عليه لبس الذهب في الصلاة وفي خارج الصلاة. فكونه يصلي وهو لابس لعمامة من حرير أو خاتم من ذهب، هو آثم على هذا اللبس، وأما صلاته فصحيحة. قال: لأن النهي عاد إلى أمر خارج. والصائم إذا تناول شيئا من المفترات فسد صومه، فإن فعل شيئا من المحرمات في حق الصائم وغيره كالغيبة والنميمة والفعل المحرم، صح صومه مع الإثم. يقول: الصائم إذا تناول شيئا من المفترات فسد صومه، لأن هذا الشيء يعود إلى ذات العبادة، فالصائم منهي عن تناول شيء من المفترات من أكل أو شرب أو جماع، فإذا فعل ذلك عالما ذاكرا، فسد صومه وبطل. لكن إذا فعل شيئا من المحرمات التي لا تتعلق بذات الصيام أو بشرطه، فإن صومه لا يفسد، كالصائم الذي يغتاب أو يقع في النميمة أو يفعل شيئا محرما كشهادة الزور أو يسب أو يشتم أو غير ذلك من الأمور المحرمة، فصومه صحيح مع الإثم، هو آثم على فعل هذه الأشياء المحرمة، لكن صومه صحيح. لماذا؟ لأن النهي عن هذه الأشياء لا يعود إلى ذات الصيام ولا إلى شرطه، وإنما خارج عنه. قال: ومثال المعاملات والقول بصحة صومه مع الإثم هذا قول الجمهور، خلافا للظاهرية. فبعض الظاهرية قال: إن الصائم إذا اغتاب أو وقع في شيء من المحرمات بطل صومه، لكن هذا خلاف الصحيح، فالصحيح أن صومه صحيح مع الإثم. قال: ومثال المعاملات: إذا باع مالا يملك أو بغير رضا معتبر، أو بيع ربا أو غرر ونحو ذلك، فسد البيع، لأنه متعلق بذاته وشرطه. وإن تلقى الجلب أو دلس أو باع بنجس أو بنجش -لعله بنجش عندكم بشين نعم- أو باع بنجش أو معيبا يعلمه وغش فيه المشتري، فالفعل محرم والعقد صحيح، وللآخر الخيار. يقول: إذا باع مالا يملك، إنسان باع مالا يملك، باع سيارة جاره، السيارة ما يملكها هي لجاره، فباعها. أو بغير رضا معتبر، بغير رضا معتبر، كان يأخذ مثلا دراجة أخيه لكونه هو الأكبر، أخذها منه وقال: سأبيعها، وأخوه غير راض بذلك، فباعها. أو كان البيع بيع ربا، أو بيع غرر -يعني بيع جهالة- كان يبيع شيء لا يعلم، يقول لشخص: أبيع لك ما في هذا الكيس أو ما في جيبي أو نحو ذلك من بيع الغرر. قال: هنا فسد البيع. لماذا؟ لأنه متعلق بذاته وشرطه، لأن البائع منهي أن يبيع شيئا لا يملكه، وهذا من شروط البيع أن يبيع شيئا يملكه. وكونه يبيع شيئا بغير رضا، هذا أيضا لا يصح، لأنه من شروط البيع حصول الرضا، حصول التراضي. وكون البائع راض بأن يبيع ما معه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما البيع عن تراض». وهكذا أيضا بيع الربا والغرر، هذه بيوع محرمة في ذاتها، بيوع محرمة في ذاتها، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغرر، ونهت الشريعة عن بيع الربا، إذن النهي هنا يعود إلى ذات العبادة أو إلى شرطها، فلهذا فإن البيع يبطل في مثل هذه الصور، فيكون البيع فاسدا. وأما تلقي الجلب، تلقي الجلب -أي ما يجلب إلى البلد من خارجها- وغالبا ما يطلق على البهائم كالأغنام نحوها، كانت توتا تجلب من خارج البلد، فيأتي ناس فيستقبلون البائع قبل أن يدخل البلد ويشترون منه ما معه من السلع، فيقول: أنبع، فيبيع ربما بأنقص مما في السوق، ثم إذا جاء إلى السوق وجد أنه قد غبن وغش وباع بأقل، فجعل له النبي عليه الصلاة والسلام الخيار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تلقوا الجلب، فمن تلقاها فباع، فإذا ورد السوق فإن سيده بالخيار» -يعني البائع له الخيار- إذا وجد أنه قد غبن في هذا البيع، له أن يرجع. وهكذا إذا دلس، التدليس أن يظهر السلعة على خلاف حقيقتها، يجملها ويزينها حتى يغتر بها المشتري فيشتريها، ويظن أنها كما ظاهرها كباطنها، فيغتر بذلك فيشتريها، ثم يتبين له أنه قد دلس عليه، فله الخيار، المشتري كذلك له الخيار. وهكذا إذا باع بنجش، والنجش أن يزيد البائع في ثمن السلعة أو المشتري في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها، أن يزيد المشتري في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها، لكن يريد أن ينفع البائع أو يضر المشتري، يضر المشتري آخر، وهذا أيضا من البيوع المحرمة، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النجش. قد يتفق مع البائع، يقول: أنا سأرفع لك ثمن السلعة حتى يعطيه مقابل، يدخل السوق، وخاصة إذا كان ذلك في سوق الحراج، فيزيد في ثمن السلعة، وهناك مشتري آخر ما يدري بهذا الاتفاق الذي بينهما، فيظن أن هذه السلعة تستحق هذا الثمن، لما يرى هذا الرجل يزيد في الثمن، هو يزيد حتى إذا رأى أنه قد أوصل الثمن المطلوب انسحب المتفق مع البائع، فهنا يقع هذا المشتري المسكين في الفخ، فيشتري السلعة بأرفع من ثمنها، فإذا حصل هذا له ثم تبين له أنه قد وقع في النجش، فله الخيار، له حق الخيار برد السلعة. قال: أو بعيبا يعلمه وغش فيه -يعني إذا غش البائع المشتري بعيب في السلعة يعلم أن هذه السلعة معيبة، لكن كتم ذلك ولم يبينه للمشتري، ثم علم المشتري بوجود هذا العيب، فله الخيار-. فهذه البيوع محرمة، هذه البيوع محرمة، تلقي الجلب والتدليس في البيع وإخفاء العيب والنجش، ومع ذلك جعل الشرع للمشتري الخيار، وهذا يدل على صحة البيع، هذا يدل على صحة البيع، فدل ذلك على أن النهي لا يعود إلى ذات العبادة ولا إلى شرطها، ولكن إلى شيء خارج، إلى شيء خارج عنها، إلى ذات المعاملة أقصد النهي في هذه الأمور في هذه المعاملات لا يعود إلى ذات المعاملة ولا إلى شرطها، ولكن إلى شيء خارج عنها، فلهذا صحت. وجعل النبي صلى الله عليه وسلم للمشتري أو للبائع الخيار، وهذا دليل على صحة هذا البيع، لكن من غش أو دلس فهو آثم، فهو آثم على هذا الفعل، لكن البيع صحيح، بدليل ثبوت الخيار في هذا البيع، وهذا يدل على صحته، بخلاف النوع الأول من البيع، لما كانت النهي فيها يعود إلى ذاتها وشرطها، فسدت وبطلت ولم تصح. فالقاعدة على هذا التفصيل: إذا كان النهي يعود إلى ذات المنهي عنه أو شرطه اقتضى الفساد والبطلان، وإن عاد إلى شيء خارج عنه فإنه لا يقتضي الفساد والبطلان، هذا هو الصحيح في هذه المسألة، هو قول الحنابلة وجماعة من أهل العلم، على هذا التفصيل. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.