كتاب الصلاة 78

الدرس في كتاب الصلاة 78، ألقاها

آخر وقت لصلاة الوتر وآراء الفقهاء

اختلف الفقهاء في آخر وقت لصلاة الوتر بين انتهائه بطلوع الفجر أو استمراره حتى صلاة الصبح. وردت آثار عن بعض الصحابة تدعم جواز قضاء الوتر بعد طلوع الفجر.

حكم قضاء صلاة الوتر لمن نام أو نسي

من نام عن وتره أو نسيه، يصليه شفعًا عند التذكر، ويقضيه قبل الصبح حسب الراجح. الفقهاء اختلفوا في وقت قضاء الوتر.

أقوال الفقهاء في قضاء الوتر وتطبيق العموم في الأحكام

الفقهاء اختلفوا في قضاء صلاة الوتر الفائتة، واستدل الشوكاني بحديث النبي على وجوب قضاء الصلاة الفائتة. يُناقش أيضًا أهمية تطبيق العموم في الأحكام الشرعية عند عدم وجود تخصيص.

التفريغ النصي الكامل

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم ما بعد، مضى معنا في الدرس السابق الكلام على أول وقت صلاة الوتر، وذكر في الدرس الذي مضى أن أول وقته يدخل بعد صلاة العشاء، بدخول وقت العشاء على الصحيح من أقوال أهل العلم، لأحاديث المذكورة في الباب. وتتم لهذه المسألة ها هنا مسألة أخرى، وهي: متى هو آخر وقت لصلاة الوتر؟ فيه خلاف بين أهل العلم، فذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن وقته يخرج بخروج الليل، فإذا طلع الفجر صار فعله قضاء، وما دام الليل باقيًا فإن وقته باق، وهذا قول الشافعي وأحمد في المشهور عنهما، وقول أبي حنيفة والثوري، وروي عن عمر وابن عمر وأبي موسى وأبي الدرداء وسعيد بن جبير وعطاء، والنخعي. حتى قال النخعي: «لأن يدركني الفجر وأنا أتسحر أحب إلي من أن يدركني وأنا أوتر». وذهب الطائفة الأخرى إلى أن الوتر لا يفوت وقته حتى يصلي الصبح، روي هذا القول عن علي وابن مسعود، وجاء معناه عن عائشة. وممن روي عنه أنه أوتر بعد طلوع الفجر: عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وحذيفة، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة، وفضالة بن عبيد، وغيرهم. وقال أيوب وحميد الطويل: «أكثرنا وترنا بعد طلوع الفجر». وذكر ابن عبدالبر رحمه الله تعالى أنه لا يعرف لهؤلاء الصحابة مخالف في قولهم، قال: ويحتمل أن يكونوا قالوا فيمن نسيه أو نام عنه، دون من تعمده. وهذا توجيه جيد. وممن ذهب إلى هذا: مالك، والشافعي في القديم، وأحمد في رواية، وإسحاق، أي ذهبوا إلى أن الوتر يمتد إلى أن تصلى الصبح، فقبل صلاة الصبح يقول له أن يصلي الوتر، ولو كان بعد أذان الفجر، ولو كان بعد دخول وقت الفجر. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «قد تحمل على أن الوتر يقضى بعد ذهاب وقته، وهو الليل، لا أن ما بعد الفجر وقت له». وقال ابن قدامة رحمه الله: «والصحيح أن وقته إلى طلوع الفجر، لحديث معاذ الذي مر معنا في الدرس الماضي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «زادنا يا رب عز وجل صلاة، وهي الوتر، وقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر». وكذلك لحديث أبي بصرة، وقد تقدم معنى في الدرس الماضي، وكذلك ذكر حديثي ابن عمر، الذي أحد ما في الصحيحين، فيه: «فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة». وفي البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا». هذا يدل على أن صلاة الوتر تكون في الليل، وآخرها يكون قبل الصبح، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة». وهذا هو الصحيح لهذه الأدلة. وما جاء عن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم إن ثبت عنهم، فتحمل على أن المراد أن من فاتهم صلاة الوتر صلاها بعد طلوع الفجر. المسألة الثالثة: من نام عن وتره أو نسيه، يصليه شفعًا إذا ذكره. واضحًا للمسألة، جماعة من نام عن وتر، فلما أصبح ماذا يصنع؟ الجواب: أنه يصليه شفعًا، يصلي شفعًا، إذا كان يصلي إحدى عشر ركعة صلى اثنتي عشرة ركعة، وإذا كان يصلي تسعًا صلى عشرًا، وإن كان سبعًا صلى ثمانيًا، وهكذا، الوتر يضيف إليها ركعة أخرى تشفعها. دليل هذه المسألة ما رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره». هذا الحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة». وهذا يدل على ما تقدم، وهذا القول حكي عن جماهير الصحابة والتابعين، قال: إما الأعلام رحمهم الله تعالى، ولا يعرف لهم مخالف. المسألة الرابعة: متى يقضي ما فاته من الوتر؟ ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة ثمانية أقوال. أحدها: ما لم يصلي الصبح، ومعنى هذا أنه إذا صلى الصبح فليس له أن يقضي ما فاته من الوتر. وهذا قول ابن عباس وعطاء ومسروق والحسن والنخعي ومكحول وقتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم، أي أن هذا القول هو قول أكثر أهل العلم. الثاني: أنه يقضيه ما لم تطلع الشمس، ولو بعد صلاة الصبح، وبه قال النخعي. الثالث: أنه يقضي بعد الصبح وبعد طلوع الشمس إلى الزوال، روي ذلك عن الشعبي وعطاء والحسن وطاوس ومجاهد وحماد بن أبي سليمان. الرابع: أنه لا يقضيه بعد الصبح حتى تطلع الشمس، فيقضيه نهارًا حتى يصلي العصر، فلا يقضيه بعده، ويقضيه بعد المغرب إلى العشاء، ولا يقضيه بعد العشاء؛ لئلا يجمع بين وترين في ليلة، حكي ذلك عن الأوزاعي. القول الخامس: أنه إذا صلى الصبح لا يقضيه نهارًا، ويقضيه قبل وتر الليلة المستقبلة، ثم يوتر للليلة المستقبلة، روي ذلك عن سعيد بن جبير. السادس: أنه إذا صلى الغداة أوتر حيث شاء نهارًا، فإذا جاءت الليلة الأخرى ولم يكن أوتر، لم يوتر في ليلة مرتين؛ لأنه لو أوتر في ليلة مرتين صار وترًا شفعًا، حكي ذلك عن الأوزاعي أيضًا. السابع: أنه يقضيه أبدًا ليلًا ونهارًا، وهذا هو الذي عليه فتوى الشافعية. الثامن: التفرقة بين تركه لنوم أو نسيان، وبين تركه متعمدًا، فيقضيه في الأول دون الثاني، في أي وقت ذكره. قال الشوكاني رحمه الله: «وهو ظاهر الحديث، واختاره ابن حزم، واستدل بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». قال: «وهذا عموم يدخل فيه كل فرض أو نافلة، قال: وهو في الفرض أمر فرض، وفي النفل أمر ندب». قال: «ومن تعمد تركه حتى دخل الفجر فلا يقدر على قضائه أبدًا». وهذا هو الصحيح، والله أعلى وأعلم. الأدلة المذكورة في الباب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». وهذا عام، كما ذكر ذلك ابن حزم. وجاء بخصوص صلاة الوتر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره». وقول عائشة رضي الله عنها: «كان إذا فاته صلى من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة». هذا تشير إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من المداومة، أي ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من النحال، بمعنى أنه كان إذا نسي أو نام من الليل لمرض أو وجع أو ما شابه ذلك صلاه في النهار. وهذا هو الأصل، بمعنى أن الإنسان إذا ذكره صلاه في النهار، لكن إذا ما ذكره إلا بعد الظهر أو بعد العصر أو بعد المغرب، ما الحكم في هذا؟ والله أعلم على ظواهر هذه الأدلة: «فليصله إذا ذكره»، فيعمل بهذا العموم، لا سيما مع عدم وجود المخصص لهذا العموم، والله أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على