الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 7، ألقاها
الدرس يبدأ بتوحيد الله جل وعلا بربوبيته ولوهيته وأسماءه وصفاته، ويبين معنى كونه واحدا لا شريك له. يعلق على استخدام الإمام الطحاوي لفظ "القديم" في وصف الله تعالى.
يناقش بعض أسماء الله الحسنى مثل الأول والآخر، ويوضح مفهوم الإرادة الإلهية وأنها تنقسم إلى إرادة كونية وشرعية عند أهل السنة. يفرق بين الأسماء الشرعية وغير الشرعية.
يشرح الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، حيث الإرادة الكونية تعني المشيئة والإرادة الشرعية تعني ما يحبه الله وشرعه. يُوضح ذلك من خلال الأمثلة القرآنية والتاريخية.
يلخص صفات الله تعالى المذكورة في الدرس، وهي القديم الدائم الذي لا يفنى ولا يبيد والذي لا يكون إلا ما يريد. يشير إلى اكتفاء الدرس الحالي بهذه الخلاصة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نكمل ما كنا نقرأه في كتاب العقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله. فأخذنا قوله رحمه الله: «إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره». فهذه العبارات فيها إثبات توحيد الله جل وعلا بربوبيته ولوهيته وأسماءه وصفاته؛ فإنه واحد لا شريك له في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، وكذلك في ألوهيته. وفي ألوهيته أي أنه لا يستحق أحد العبادة إلا هو سبحانه وتعالى، ولا معبود سواه جل وعلا. ولا شيء مثله؛ فهو سبحانه وتعالى ذو الكمال والجلال والعظمة جل وعلا. ولا شيء يعجزه أيضا؛ لكمال قدرته سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «قديم بلا ابتداء، ودائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد». هذه أيضا العبارات في إثبات وحدانية الله جل وعلا، وكمال حياته سبحانه وتعالى. لكن المؤلف رحمه الله استعمل ألفاظا ليست من ألفاظ الكتاب والسنة؛ فلفظ القديم ليس من أسماء الله عز وجل، وإن كان يأتي به بعضهم على الإخبار. لكن تجد أن أهل البدع من الأشاعرة والمعتزلة يجعلون معناه القديم اسما لله عز وجل، هو من الأسماء أو أصل الأسماء، وأن الأسماء كلها ترجع إليه. وهذا ليس بصحيح. فقال: «قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى». فقوله: «قديم بلا ابتداء» أي لكمال قيوميته سبحانه وتعالى وحياته سبحانه وتعالى. وتوكل على الحي الذي لا يموت؛ فهو حي دائم جل وعلا، ليس له ابتداء وليس له انتهاء. وهذا القديم الأولى أن يقول: الأول؛ لأن الأول هو الذي جاء في الشرع اسما لله عز وجل. الأول هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم أيضا. كذلك يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي في صحيح مسلم: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس دونك شيء، وأنت الباطن فليس فوقك شيء»، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فهنا الاسم الشرعي هو الأول؛ الاسم الشرعي الذي جاء في الكتاب والسنة هو الأول وليس القديم. فلو قال المؤلف: «هو الأول بلا ابتداء» لكان أفضل وأولى، وهو الآخر بلا انتهاء. كذلك الدائم ليس من أسماء الله عز وجل؛ الدائم وإنما من أسمائه الآخر؛ من أسمائه الآخر هو الأول والآخر. فلهذا فالأولى للمؤلف أن يأتي بمثل هذه الأسماء الشرعية. وقد أكثر المؤلف من هذه الأسماء التي أصلا ليست شرعية. لكن قد يكون أو يقال أن المؤلف يأتي بها من باب الإخبار. لكن حتى من باب الإخبار؛ فالقديم هو الذي قدم غيره؛ القديم هو الذي قدم غيره. وما قال الله عز وجل في القمر: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾؛ فالقديم الذي قدم غيره. وهذا محال على الله جل وعلا؛ فربنا جل وعلا هو الأول سبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء جل وعلا، ولا شيء يشبهه سبحانه وتعالى، ولا شيء مثله، ولا يعجزه شيء جل وعلا. قال: «لا يفنى ولا يبيد». وهذا أيضا تأكيد للكلام الأول؛ أنه ليس له بداية وليست له نهاية؛ لا يفنى ولا يبيد. والفناء منزه عنه ربنا سبحانه وتعالى؛ الفناء منزه عنه جل وعلا، بل هو الحي الذي لا يموت. وتوكل على الحي الذي لا يموت؛ فحياة الله عز وجل حياة كاملة لا يلحقها نقص بوجه من الوجوه. فقال: «ولا يكون إلا ما يريد». ولا يكون إلا ما يريد؛ وهذا إرادة كونية؛ لا يكون إلا ما يريد؛ لا يقع في هذا الكون شيء إلا بإرادة سبحانه وتعالى. وإرادة الله جل وعلا إرادة عظيمة ليس فيها نقص بوجه من الوجوه؛ إرادة وإرادة كاملة. إلا أن إرادة الله جل وعلا تقسم إلى قسمين عند أهل السنة؛ تقسم إلى قسمين عند أهل السنة: إرادة كونية وإرادة شرعية؛ إرادة كونية وإرادة شرعية. وأما الأشاعرة فعندهم إرادة كونية؛ والمعتزلة عندهم إرادة شرعية. فلهذا تجد أنهم يخلطون في هذا الباب؛ فالأشاعرة جبرية اتبعوا الجهمية في مذهبهم؛ والمعتزلة نفاة القدر؛ نفاة القدر الذين يقولون: أنه لا دخل لله عز وجل في إرادة العبد؛ لا دخل لله عز وجل في إرادة العبد. فلهذا فهم يثبتون الإرادة الشرعية ولا يثبتون الإرادة الكونية؛ والعكس أيضا الجبرية يثبتون الإرادة الكونية وأنه كل شيء من عند الله جل وعلا، ولا يثبتون الإرادة الشرعية التي هي محبة الله عز وجل للعمل أو للعامل. فالإرادة الكونية هي بمعنى المشيئة؛ الإرادة الكونية بمعنى المشيئة؛ فلا يكون شيئا في هذا الكون إلا بإذنه وبمشيئته سبحانه وتعالى. وكذلك أيضا الإرادة الشرعية هي ما يحبه الله جل وعلا؛ وما يحبه الله سبحانه وتعالى يسمى إرادة شرعية؛ فكل ما شرعه الله فهو من الإرادة الشرعية لله سبحانه وتعالى. ومن باب توضيح هاتين الإرادتين يذكر العلماء التعلقات؛ ما يتعلق بالإرادة الكونية وما يتعلق بالإرادة الشرعية. فنقول مثلا: إيمان الصديق رضي الله عنه؛ أراده الله عز وجل كونا وأراده شرعا؛ لأن الله عز وجل أراد الإيمان من الناس؛ فالصديق رضي الله عنه مؤمن بالله سبحانه وتعالى، وأيضا أراده كونا؛ لأنه وقع؛ وقع هذا الإيمان وهو إيمان الصديق. طيب كفر الصديق؛ كفر الصديق ليس له؛ ليس لا يدخل في الإرادة الشرعية ولا يدخل في الإرادة الكونية؛ لأنه أصلا لم يقع. وكذلك أيضا الله عز وجل لا يحب الكفر من عباده؛ بل يحب الشكر والإيمان سبحانه وتعالى. كذلك أيضا يقولون: إيمان فرعون؛ إيمان فرعون أراده الله عز وجل شرعا؛ فأرسل إليه موسى؛ فأراده شرعا؛ لكن لم يرده كونا؛ لأنه لم يقع. وكفر فرعون؛ كفر فرعون لم يرده الله عز وجل شرعا؛ لكن أراده سبحانه وتعالى كونا؛ أراده سبحانه وتعالى كونا؛ أي كل ما يقع في الكون فهو من إرادة الله جل وعلا ومن مشيئته نافذة. وكل ما كان داخل في ما أراده الله عز وجل شرعا وما حبه الله وشرعه فهو إرادة شرعية. فبهذا التقسيم فأهل السنة رحمهم الله فرقوا بين الإرادتين. وتجد الآيات بعض الآيات فيها الإرادة الكونية وبعض الآيات فيها الإرادة الشرعية. فمثلا قول الله جل وعلا: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾؛ هذه إرادة كونية؛ فعال لما يريد؛ أي شيء لا يكون إلا بإرادة الله جل وعلا ومشيئته. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾؛ فهذا أيضا إرادة شرعية؛ فكل ما كان يحبه الله جل وعلا فهو من الإرادة الشرعية؛ وما كان واقعا في الكون فهو من الإرادة الكونية. فهذا معنى قوله: «ولا يكون إلا ما يريد». فهذا خلاصة ما ذكرناه اليوم، وهو قوله: «قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد». فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في درس قادم، والحمد لله رب العالمين.