التعليق على العقيدة الطحاوية 102

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 102، ألقاها

انتفاع الميت بعبادات الأحياء ورد على المعتزلة

يناقش انتفاع الميت بعبادات الأحياء مثل الدعاء والصدقات، ويرد على المعتزلة الذين أنكروا ذلك مستدلًا بالأحاديث النبوية. يُبرز اتفاق العلماء على نفع الدعاء والصدقة للميت.

تفصيل الأمور التي تنفع الميت

يفصل الأمور التي ينتفع بها الميت بإجماع العلماء مثل الدعاء والصدقات، ويشير إلى اختلافهم في أمور أخرى مثل الحج والصيام. يُوضح أيضًا عدم انتفاع الميت بالصلاة عن غيره بإجماع.

اتفاق أهل السنة على انتفاع الميت بالأعمال الصالحة

يُبيّن اتفاق أهل السنة على انتفاع الميت بالدعاء والصدقات والأمور التي تسبب فيها في حياته. يشير إلى الأحاديث النبوية التي تؤكد وصول أجر من عمل به سنة حسنة أو تسبب في عمل خير.

تتمة الكلام عن الأمور المختلف فيها

يشير إلى وجود اختلاف حول بعض الأمور المتعلقة بانتفاع الميت، ويعد بالحديث عن بقية هذه الأمور في درس لاحق، مع ذكر الصلاة كمثال على ما يتفق على عدم الوصول.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى في عقيدته: «وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات». والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات. في هذه العبارة ذكر المؤلف رحمه الله أمرًا مهمًا عليه مدار السنة، وهي مسألة انتفاع الميت بشيء من عبادات الأحياء، يعني هل ينتفع الميت بشيء من الأحياء؟ فقالوا: «في دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات». هذه المسألة هي مسألة أصلا فقهية، لكن أدخلوها في العقائد لأن بعض المخالفين كالمعتزلة قالوا: إنه لا ينتفع بشيء أبدًا. قالوا: إن الميت لا ينتفع من الحي بشيء أبدًا، واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. لكن هذا القول باطل؛ لأن الأدلة قد دلت على أنه ينتفع بأشياء، ينتفع بأشياء، فلهذا أدخلوا هذه المسألة في العقائد؛ لأن هؤلاء أنكروا، المعتزلة أنكروا هذا الأمر. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: «وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات». هنا ذكر الدعاء، ولا شك أن دعاء الأحياء للأموات ينفعهم بلا خلاف بين أهل السنة. ومن ذلك صلاة الجنازة، فهي دعاء، قد جاءت عن أبي هريرة عند أبي داود والنسائي وأحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء». فصلاة الجنازة دعاء منفعة، وهذه المنفعة يستفيد منها الميت. وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح مسلم: «ما من ميت يصلي عليه أربعون فأكثر لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه». وهذه الأدلة واضحة على أن الميت ينتفع بدعاء هؤلاء الأحياء، حتى إن الله عز وجل يشفعهم فيه. كذلك أيضًا الصدقات، الصدقات أيضًا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت ينتفع بصدقات الحي. وقد جاءت في ذلك أحاديث كثيرة، منها ما جاء في حديث عقبة بن عامر في الصحيحين قال: «إن أمي ماتت، ولو تكلمت لتصدقت، فأتصدق عنها؟ قال: نعم». وجاءت مرات كما في حديث ابن عباس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت له مثل هذا الكلام، فقال: «نعم»، أي تصدقي عن أمي. وأيضًا جاءت أحاديث كثيرة لهذا، ذكر الإجماع العلماء على أن الصدقات، صدقات الأحياء تفيد الأموات. لهذا أخرج الإمام مسلم، أو ذكر الإمام مسلم في مقدمة صحيحه أن حجاج بن إبراهيم، أو إبراهيم بن الحجاج قال لعبد الله بن المبارك: «قال لي إني عندي حديث: إن من أبر البر أن تتصدق لأبيك ولأمك». فقال: «عن من هذا يا أبا إسحاق؟» قال: «عن حجاج بن حجاج». قال: «ثقة، عن من؟» قال: «عن فلان». قال: «إن بين حجاج وبين النبي صلى الله عليه وسلم مفاوز تنقطع فيها عناق الإبل، ولكن ليس في الصدقة اختلاف». ولكن ليس في الصدقات اختلاف. أنا هنا ذكر عبد الله بن المبارك رحمه الله أن الصدقة ليس فيها اختلاف بين العلماء أنها تصل إلى الأموات. وإنما خالف بعض العلماء في حال الصدقة مطلقًا لكل من تصدق، أو للابن كما هو قول الشيخ الألباني رحمه الله عليه. وإلا فأكثر أهل العلم، بل بعضهم يذكر الإجماع على أن الصدقة تصل إلى الميت ولو لم تكن من ابنه. فالآن عندنا أن هذا الدعاء والصدقة ينتفع منهما الميت بإجماع العلماء. فالآن عندنا أن هذه المسألة على تفصيل، هناك أشياء ينتفع بها الميت بالإجماع، وهناك أشياء لا ينتفع منها الميت بالإجماع، كالصلاة، أنه لا يصلي أحد لأحد أبدًا، وهذا بإجماع المسلمين، أنه لا ينتفع بالصلاة. فالآن مثلًا الإنسان يتصدق، يقول: «هذه صدقة لفلان». الدعاء يدعو له. الحج أيضًا من الأمور التي هي مختلف فيها، وإن كان الخلاف يسير، لكنها مختلف فيها. الحج أيضًا يقول: «هذا عن فلان». لكن هنا هل يقول: «الصلاة عن فلان»؟ الإنسان سيقول: «أنا سأصلي عن أبي»، عنده مثلًا كفارات صلوات لم يتركها، هل هذه مشروعة؟ هل ينتفع بها؟ لا، جزمًا، ولا أحد يقول إنه ينتفع بها، بإجماع المسلمين على أن الصلاة لا يصلي أحد عن أحد. الصيام فيه خلاف. فالآن عندنا أشياء اتفق العلماء عليها أنها تنفع وينتفع بها الميت، وهناك أشياء مختلف فيها، وهناك أشياء متفق على أنها لا تنفع. فمن الأشياء التي اتفق عليها أهل السنة خاصة أن الميت ينتفع بها، الدعاء، وكذلك الصدقات. وكذلك أيضًا الأمر الثاني، أنه ينتفع بما كان من سعيه، بما كان من سعيه وفي حياته. أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء عنه في صحيح مسلم، عن جرير قال: «من سن سنة في الإسلام فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة». فمعنى ذلك أنه وهو في قبره يأتيه الأجر، أن سن سنة قد أميتت، قد ماتت، فسنها وحياها، فهذا له أجر، ولو كان في قبره، يجري عليه عمله. وهذا أيضًا من المتفق عليه. كذلك أيضًا الأمور التي تسبب فيها، مثل ما جاء في صحيح مسلم في حديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». هذا أيضًا جاء النص فيه بأن الميت ينتفع بها، ينقطع عمله إلا هذه الثلاثة، هذه الثلاثة تبقى من عمله؛ لأنه هو الذي فعله. كل ما كان أيضًا يشبه ذلك، كما جاء في الحديث الذي خرجه أحمد، ذكر أو مسلم، أو مصحفًا، أو كذا، ذكر أشياء غير هذا. أن كل ما كان من هذا مما يجري به عمله، مثلًا صدقة ماء، أو كذا، فهذا يأتيه وينتفع به بلا خلاف بين أهل العلم. فهذه من الأشياء التي اتفق عليها أهل السنة على أنها تصل إلى الميت. وكذلك أيضًا ما كان من سعيه، مثل الولد الصالح الذي يدعو له ويستغفر له. أن جاء: «يستغفر له ويدعو له». بل إن أهل العلم قالوا: إن ما كان هو ما تسبب فيه فهو أيضًا يتحصل على أجر إذا عمل. مثلًا الولد ما دام أن الذي دعا إلى هدى يتحصل على هذه الدعوة، يعني دعا الناس إلى هدى فاتبعه الناس، فله أجره وأجر من عمل بذلك، لا ينقص من أجورهم شيئًا، يتحصل على أجره وهو في قبره. فهذا أيضًا مما أجمع عليه. وهناك أشياء كما قلنا مختلف فيها، وأشياء متفق عليها كما ذكرنا أنها لا تصل ولا ينتفع بها، مثل الصلاة. وإن شاء الله تعالى نذكر البقية في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.

شاركنا على