الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 34، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن اسمي «القدوس» و«السبوح» يدلان على تنزيه الله عن كل نقص مع إثبات كمال الضد، حيث ورد «القدوس» في القرآن مرتين و«السبوح» في السنة فقط. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بينهما في ركوعه وسجوده بقوله: «سبوح قدوس رب الملائكة والروح».
يبيّن المقطع أن التسبيح ليس مجرد نفي العيوب بل يتضمن إثبات صفات الكمال والمحامد لله، مستدلاً بقول ابن تيمية وآيات القرآن. ويرد على المعطلة الذين ينفون الصفات بحجة التنزيه، مؤكداً أن التسبيح الحقيقي يجمع بين التنزيه والتحميد والتكبير والتوحيد.
يشدد المقطع على أن التنزيه الحقيقي يكون بإثبات ما وصف الله به نفسه من صفات الكمال كما تليق بجلاله، لا بنفيها وتشبيهها بصفات المخلوقين. وينتقد منهج المعطلة الذين زعموا أن نفي الصفات تنزيه، موضحاً أن ذلك تعطيل وجحود مستدلاً بقول ابن رجب وآيات التنزيه القرآنية.
يختتم الدرس بتأكيد تنزيه الله سبحانه عما وصفه به المخالفون للرسل، والسلام على المرسلين لسلامة قولهم في حق الله. ثم يُعلن انتهاء الدرس مع ذكر اسم المترجمة.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد لكتابه مختصر فقه الأسماء الحسنى: أسماء الله القدوس والسبوح. قال: أما اسمه تبارك وتعالى القدوس فقد ورد في القرآن مرتين، قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وورد في السنة أيضا كما سيأتي في حديث عائشة. قال: وأما السبوح فقد ورد في السنة ولم يرد في القرآن، وكما تقدم أن أسماء الله توقيفية تأخذ من أدلة الكتاب والسنة، إما من الكتاب وحده، وإما من السنة وحدها، وإما منهما جميعا. قال: وأما السبوح فقد ورد في السنة، وذلك فيما رواه مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبوح قدوس رب الملائكة والروح». لأن الركوع فيه تعظيم الرب سبحانه وتعالى كما قال عليه الصلاة والسلام: «أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم». فمن تعظيم نبينا عليه الصلاة والسلام لربه في الركوع أن يقول هذا الدعاء: «سبوح قدوس رب الملائكة والروح». فورد في هذا الدعاء هذان الاسمان. قال: وقد جمع عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث بين التسبيح والتقديس، كما جمع بينهما بقوله تعالى في ذكر تسبيح الملائكة وتقديسهم لله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. فاجتماع هذين الاسمين كما ورد من قول النبي صلى الله عليه وسلم ورد كذلك في قول الملائكة: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، فجمعوا بين التسبيح والتقديس. قال: وينبغي أن يعلم هنا أن تسبيح الله وتقديسه إنما يكون بتبرئة الله وتنزيهه عن كل سوء وعيب، مع إثبات المحامد وصفات الكمال له سبحانه على الوجه اللائق به. فهما اسمان يراد منهما التنزيه، فهما من الأسماء السلبية، يعني المنفية التي بها ينفى عن الله عز وجل كل نقص وسوء وعيب. وإثبات الصفات المنفية ليس هو إثبات محض أو نفي محض، ليس هو نفي محض، يعني إثبات هذه الصفات... إثبات هذه الصفات، الصفات السلبية ليس هو نفي محض لما تضمنته من النفي، وإنما نفي مع إثبات كمال الضد، مع إثبات كمال الضد، مع إثبات كمال الضد. فمعنى التسبيح التنزيه، ومعنى التقديس كذلك. فإذا نزهت الرب سبحانه وتعالى عن كل سوء وعيب أثبت له كل كمال وكل حمد يليق بجلاله سبحانه وتعالى. هذا على سبيل الإجمال. فمثلا على سبيل المثال: إذا أثبت لله عز وجل... أو نفيت... إذا نفيت عن الله عز وجل النسيان والغفلة فإنك تثبت له سبحانه وتعالى كمال العلم والقيومية والقدرة. وهذا وهذه من القواعد العظيمة التي ذكرها العلماء في قواعد الصفات، قد مرت معنا في كتاب القواعد المثلى. فإثبات هذا الاسم أو إثبات هذين الاسمين الذي معناهما التنزيه، تنزيه الله عز وجل عن كل سوء وعيب، وإثبات المحامد وصفات الكمال له سبحانه وتعالى على الوجه اللائق به. لذلك نقل هنا قال: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «والأمر بتسبيحه يقتضي تنزيهه عن كل عيب وسوء وإثبات المحامد التي يحمد عليها». فإذا نزه سبحانه وتعالى عن الند والشريك فإنه يثبت له كمال الألوهية، فهو المعبود وحده سبحانه وتعالى، وهو المألوه الذي لا تأله القلوب إلا إياه سبحانه وتعالى. وهكذا إذا نزهت الله عز وجل عن مثلا التعب فإنك تثبت لله عز وجل كمال ضد هذه الصفة المنفية، فتثبت له كمال القوة والقدرة والقهر ونحو ذلك. فهذا معنى قوله رحمه الله: «والأمر بتسبيحه يقتضي تنزيهه عن كل عيب وسوء وإثبات المحامد التي يحمد عليها». فيقتضي ذلك تنزيهه وتحميده وتكبيره وتوحيده. تنزه الله، ويقضي هذا التنزيه حمده وتكبيره وتوحيده، لأن هذه من كمال الضد، هذه الصفات من كمال الضد. فأنت لما تقول: سبحان الله، ليس معنى أنزه الله عن كل عيب فقط، لا، أنزه الله عن كل عيب وأثبت له كل كمال، وأثبت له سبحانه وتعالى كل كمال من حمده وتكبيره وتوحيده. ولذلك جاء فضل التسبيح كما جاء في حديث: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده». انظر دائما يقرن التسبيح مع تحميد الله عز وجل، فهو تنزيه وإثبات الكمال، وهو حمد الله سبحانه وتعالى وتكبيره: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم. فمع تنزيه لله عز وجل إلا أنك تحمد الله وتعظمه سبحانه وتعالى. ولذلك جاء فيها هذا الفضل العظيم، وأنها طاعة عظيمة وعبادة جليلة، حبيبة إلى الرحمن، وثقيلة في الميزان. ولذلك كانت صلاة المخلوقات هي التسبيح، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُ﴾. ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ لفظ عام، فهذه عبادة جميع المخلوقات. فكيف بهذا الإنسان المكلف الذي حمل هذه الأمانة يغفل عن هذه العبادة الجليلة؟ فينبغي للعبد أن يحرص على هذه العبادة وأن يعلم معناها، وأن يتواطأ قلبه مع لسانه في معنى هذه العبادة وهذه الكلمة العظيمة: سبحان الله، أي أنزه الله عن كل عيب ونقص، وأثبت له كمال المحامد وكمال التعظيم له سبحانه وتعالى. قال: وبه يعلم أن ما يفعله المعطلة من أهل البدع من تعطيل للصفات وعدم إثبات لها وجحد لحقائقها ومعانيها بحجة أنهم يسبحون الله وينزهونه، فهو في الحقيقة ليس من التسبيح والتقديس في شيء، بل هو إنكار وجحود وظلم وبهتان. ومعنى هذا أن أهل التعطيل الذين نفوا صفات الله، من الذي دفعهم إلى هذا؟ قالوا: ننزه الله، ننزه الله أن تكون له يدان أو عينان. فقاس الخالق بالمخلوق وشبه الخالق بالمخلوق، فقالوا: هذه من صفات المخلوقين، فكيف نجعلها من صفات الخالق؟ فجعلوا ذلك تنزيها لله من المشابهة، وما دفعهم إلى ذلك إلا الهوى وسوء الفهم والمعتقد. وإلا فمن تنزيه الله عز وجل إثبات الصفات التي وصف بها نفسه كما تليق بجلاله. أهل السنة إذ يثبتون هذه الصفات ما يشبهونها بصفات المخلوق، بل يقولون: إن الله عز وجل له هذه الصفات كما تليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فنفى عن نفسه المماثلة وأثبت لنفسه السمع والبصر، فدل ذلك على إثباتها لله عز وجل كما يليق بجلاله. فبعض هؤلاء يقشعر جلده عندما تقول: إن لله يدين، أو إن لله عينين، يقول: استغفر الله، استغفر الله، جعلت الله مثل المخلوق. يقول له: أنت لم تقدر الله حق قدره ولم تعظم الله إذ شبهت الخالق بالمخلوق. نعم، لله عينان تليقان بجلاله، لا أقول لك مثل صفة المخلوق. فهم زعموا أن هذا تنزيه، وهو في الحقيقة ضلال وجحود وإنكار وبهتان، كما ذكر المؤلف حفظه الله تعالى. ولذلك ينبغي أن نعلم أن تسبيح الله وتقديسه وتنزيهه وتعظيمه يجب أن يكون وفق ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وعلى ما فهمه سلف الأمة. لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يبنى هذا التنزيه على الأهواء أو الظنون الفاسدة أو الأقيسة العقلية والفلسفة اليونانية أو نحو ذلك. لا ينبغي هذا، وهذا ما وقع فيه المعطلة، أدخلوا عقولهم وأقيستهم، وزعموا أن هذا من التنزيه، بل هو عين التعطيل والتحريف، والله المستعان. قال ابن رجب رحمه الله في معنى قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: أي سبح بما حمد به نفسه، إذ ليس كل تسبيح بمحمود، كما أن تسبيح المعتزلة يقتضي تعطيل كثير من الصفات. فمعنى... معنى قوله رحمه الله: «سبح بما حمد به نفسه»، أي بما وصف به نفسه من صفات الجلال والكمال، من صفات الجلال والكمال. فليس كل تسبيح بمحمود، فتسبيح المعطلة، أي تنزيه المعطلة، ليس بمحمود، بل هو عين الضلال والجحود، بل هو عين الضلال والجحود كما تقدم ذكره. قال: فقوله رحمه الله: «إذ ليس كل تسبيح بمحمود»، كلام في غاية الأهمية، كلام في غاية الأهمية، إذ إن تسبيح الله بإنكار صفاته وجحدها وعدم إثباتها أمر لا يحمد عليه فاعله، هذا ليس من التنزيه المحمود، بل يذم غاية الذم، ولا يكون بذلك من المسبحين بحمد الله، بل يكون من المعطلين المنكرين الجاحدين، من الذين نزه الله نفسه عن قولهم وتعطيلهم بقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، عما يصفون... عما يصفوا به هؤلاء الجهلة، هؤلاء المعطلة من نفي صفاته وتعطيلها بها وتحميده بها. قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فسبح الله نفسه عما وصفه به المخالفون، لأن معنى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ يعني تنزه ربك رب العزة عما يصفون، أي يصفه به هؤلاء الجاحدون الذين جحدوا صفاته وزعموا أن هذا تنزيه، بل هو عين الجحود. قال: فسبح الله نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه في حق الله من النقص والعيب. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.