الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 66، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يثبت الشيخ اسم الله (السيد) بالحديث الصحيح وتفسير ابن عباس للصمد والرب بالسيد، مبيناً أن السيادة الحقيقية لله وحده ملكاً وخلقاً وتدبيراً. ويستدل بذلك على أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، فمن صرف شيئاً من العبادة لغير الله فقد أشرك.
يبين المقطع أن شبهة المشركين قديماً وحديثاً هي اتخاذ الأولياء وسائط للتقرب إلى الله، وهو عين شرك قريش الذي ردّه القرآن. كما ينهى عن إطلاق لقب "السيد" على القبوريين والأحياء تعظيماً لهم، لأن النبي ﷺ رفض أن يُقال له "سيدنا" وقال: "السيد الله" سداً لذريعة الغلو.
يشرح المقطع أن النبي ﷺ نهى عن وصفه بـ"السيد" أو المبالغة في مدحه، لأن السيد الحقيقي هو الله وحده، وحذر من أن يؤدي إطلاق الألقاب والتعظيم للمخلوقين إلى الشرك. ويؤكد أن أهل العلم يكرهون المدح والألقاب المفرطة اقتداءً بهدي النبي ﷺ.
يؤكد المتحدث في ختام الحديث أن السيادة المطلقة تنحصر في الله سبحانه وتعالى لا شريك له. ويختتم بالاكتفاء بما ذُكر في هذا الباب والله أعلم.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد حفظه الله تعالى في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": قال: اسم الله السيد. قال: وهو اسم مأثور في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى أبو داود بسند جيد عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أنت سيدنا. فقال: السيد الله تبارك وتعالى. قلنا: وأفضلنا فضلًا وأعظمنا طولًا. فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان. وهذا هو دليل إثبات هذا الاسم، والحديث صحيح، صححه العلامة الألباني في "صحيحة داود" وفي غيرها من كتبه. والشاهد منه قول النبي عليه الصلاة والسلام: السيد الله، السيد الله، السيد الله، ففيه إثبات هذا الاسم لله سبحانه وتعالى. قال: وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله تعالى: ﴿الله الصمد﴾: إنه السيد الذي قد كمل في سؤدده. وهذا تفسير صحابي، وهو موافق للحديث، فأثبت ابن عباس اسم السيد لله سبحانه وتعالى. وجاء أيضًا عن ابن عباس في معنى قوله: ﴿أغير الله أبغي ربا﴾ كما سيأتي: ﴿قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء﴾، قال: أي إلهًا سيدًا، إلهًا سيدًا. وما معنى السيد؟ قال: ومراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: السيد الله، أي أن السؤدد حقيقة لله عز وجل، فهو وحده تبارك وتعالى الذي تحق له السيادة ملكًا وخلقًا وتدبيرًا، وذلًا وخضوعًا وانكسارًا. فهو سبحانه السيد الذي ينبغي أن تصرف له وحده الطاعة والذل والخضوع لا شريك له. وهذا هو ملكًا وخلقًا وتدبيرًا وذلًا وخضوعًا وانكسارًا، فهو الذي تذل له الخلائق سبحانه وتعالى، وهو الذي كذلك ترجع إليه الخلائق وتقصده. فهو كما قال ابن عباس: السيد الذي قد كمل في سؤدده سبحانه وتعالى. قال: فكما أنه سبحانه السيد المتصرف في الخلق لا ند له، فكذلك يجب أن يكون السيد المعبود لا شريك له. وهذا من الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. فإذا كان الله سبحانه وتعالى هو السيد الذي له السيادة ملكًا وخلقًا وتدبيرًا، فهو سبحانه وتعالى المستحق لأن يعبد وتصرف له جميع العبادات سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: ﴿قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء﴾، أبغي ربي إلهًا سيدًا، إلهًا سيدًا، لأن المشركين لا ينكرون أن الله عز وجل هو المدبر وهو الخالق. قال: إن سألتهم من خلق السماوات والأرض يقولون الله. فلذلك ابن عباس فسر قولهم: ربًا، بالإله السيد، بالإله السيد. وهذا فيه فائدة، وهي أن لفظ الرب قد تطلق وتكون بمعنى الإله، وتكون بمعنى الإله. فبعضهم مثلًا أشكل عليه سؤال القبر، سؤال القبر يقال للميت لما تعود إليه روحه: من ربك؟ ما يقال له: من إلهك؟ من ربك؟ هنا الرب يدخل فيه معنى الإله المعبود. فلذلك الجواب: ماذا؟ ربي الله، ربي الله، والله من الإله المعبود. فإذن يفهم من هذا أن لفظ الرب قد كذلك يدخل فيها معنى الإله. فابن عباس هنا فسر الرب بالإله: ﴿قل أغير الله أبغي ربا﴾ أي إلهًا سيدًا، إلهًا سيدًا، وهو رب كل شيء، وهو رب كل شيء. فكيف أعبد غيره وكيف أصرف العبادة لغيره؟ فهذا فيه هذا المعنى. قال: ﴿وقل﴾ ﴿أغيره﴾ ﴿قال وقل هو رب كل شيء﴾. قال ابن جليل - يعني الطبري -: وهو سيد كل شيء دونه ومدبره ومصلحه، فله السيادة المطلقة سبحانه وتعالى. قال: وهذا أدل الدليل وأبين البرهان على بطلان الشرك واتخاذ الأنداد. فالسيد هو الذي يرجع إليه كل شيء، ومن ذلك العباد له وحده سبحانه وتعالى. فمن اتخذ سيدًا غير الله، سواء من المقبورين أو الأحياء، يعتقد فيه جلب النفع أو دفع الضر، أو يعلق به حاجته، أو يطلب منه كشف غمه وكربه ونحو ذلك، فقد أشرك بالله العظيم. وليس معنى هذا أن الشرك لا يكون إلا في من يعتقد جلب النفع أو دفع الضر أو يعلق به حاجته، وإنما قد يكون أيضًا باتخاذ غير الله شفيعًا ووسيطًا. لأن المشركين عندهم شبهة، عباد القبور عندهم شبهة، يقولون: الميت إذا ذهبت إليه إن اعتقدت فيه النفع والضر فهذا هو الشرك. لكن إن اعتقدت فيه أنه ولي من أولياء الله وأن له جاهًا وله قربًا من الله عز وجل، ونحن المذنبون ونحن المقصرون، أن لنا أن نصل إلى الله إلا عن طريق هؤلاء الأولياء الأتقياء، فنحن نتخذ هؤلاء شفعاء ووسائط، ولا نعتقد فيهم النفع والضر، نعتقد أن الله هو الذي يرزقنا، هو الذي يميتنا، هو الذي يعافينا، ما هو هذا الذي يعافينا، لكن هو فقط واسطة. هذه شبهة يذكرونها. وفي الحقيقة هذه الشبهة ليست وليدة اليوم، هذه نفسها شبهة من شبه مشركي قريش. ماذا قالوا؟ ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾. نحن ما نعبدهم من أجل أن نطلب منهم النفع والضر، وإنما من أجل أن يقربون إلى الله. هذا هو شرك المشركين الأوائل. فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿قل﴾، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾. هؤلاء الذين تدعونهم هم الذين يرجون رحمة الله، وليسوا بشفعاء، وليسوا كذلك بنافعي غيرهم، وإنما هم يطلبون من الله سبحانه وتعالى. والله، والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿قل لله الشفاعة جميعا﴾، وغير ذلك مما من الآيات التي فيها أن هؤلاء المقبورين إنما هم يطلبون النفع ويطلبون الخير من الله سبحانه وتعالى. قال: وقد بلي أقوام بالاعتقاد في بعض المقبورين، أضفوا عليهم هذا اللقب، وهذا حاصل الآن عندنا. يعني من كان سيدًا ومن هذه الطائفة التي تعظم القبور وتقوم بالترويج لهذه الشركيات يطلقون عليهم بالسادة، يقولون: السيد فلان والسيد فلان. وهذا مخالف لهدي النبي عليه الصلاة والسلام. فالنبي صلى الله عليه وسلم قيل له: سيد، وهو سيد الخلق كما سيأتي من كلام المؤلف رحمه الله وحفظه الله تعالى، وإنما نهاهم عن ذلك من أجل حمى التوحيد وصيانة لجناب التوحيد، وسد كل طريق تؤدي إلى الغلو الذي هو سبب للشرك بالله سبحانه وتعالى. فإطلاق لفظ السيد على بعض الناس هذا خلاف سنة النبي عليه الصلاة والسلام. النبي صلى الله عليه وسلم لم يرتضِ ذلك، ولما قيل له: أنت سيدنا، قال: السيد الله، السيد الله. ولكن العلماء قالوا: يجوز ذلك، وإنما فعل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام حتى يعني لا يُغلى فيه عليه الصلاة والسلام. فإذا كان إنسان يطلق عليه بهذا اللقب أو بهذا الاسم وهو مغتر بذلك، وقد يؤدي هذا الأمر إلى عبادته من دون الله عز وجل، فلا يجوز أن يطلق عليه هذا اللقب. فلا يقال: السيد فلان، ولا السيد فلان. فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يرتضِ ذلك، فقال: إنما السيد الله، أو إن السيد الله. فهذا فيه النهي عن مثل هذه الألقاب. وهؤلاء أرضوا بهذه الألقاب في الحقيقة هم بعيدون عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام. لو كانوا حقًا محبين له عليه الصلاة والسلام، ولو كانوا حقًا كذلك مقتدين به عليه الصلاة والسلام، لما أذنوا لأحد أن يطلق عليهم هذا اللقب، ما أذنوا لأحد. وهذا فيه رد عليهم عندما يصفون أهل السنة بأنهم يبغضون النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا كذب، بل هم الذين يبغضون النبي عليه الصلاة والسلام. لأن من دلائل وبراهين محبة النبي عليه الصلاة والسلام الاتباع. قال الله عز وجل: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾، ﴿فاتبعوني﴾. فالاتباع هو البرهان وهو الدليل على صدق محبة النبي عليه الصلاة والسلام. فمن كان له متبعًا كان له محبًا، ومن كان له مخالفًا كان له مبغضًا، كان له مبغضًا. هذه القاعدة عند أهل السنة والجماعة. وكم خالفوا هدي النبي عليه الصلاة والسلام هؤلاء! أليس النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم؟ أليس هم الذين يغلون في النبي عليه الصلاة والسلام ويقرأون بردة البوصيري والتي فيها هذا الغلو الذي لو سمعوا النبي عليه الصلاة والسلام وهو دون هذا القول الذي قيل له في هذا الحديث؟ يعني هذا القول الذي في البردة أعظم ويعني أشد غلوا في النبي عليه الصلاة والسلام. فلو سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم لا شك أنه سينكره إنكارًا شديدًا. فكيف يدعون أنهم محبين للنبي عليه الصلاة والسلام؟ فلذلك هنا نبه الشارح، قال: وقد بلي أقوام بالاعتقاد في بعض المقبورين، أضفوا عليهم هذا اللقب. قل: قبر السيد الفلاني، ومولد السيد الفلاني، وهكذا أتوا بهذه الألقاب حتى يعظمهم الناس. قال: معتقدين فيهم، ملتجئين إليهم، خاضعين ذليلين، ناكثين بذلك توحيدهم، متلونين بما يناقضه ويضاده. قال: وتأمل في الحديث المتقدم حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وصيانته لجنابه وسده طرق الشرك. فلما قال له: أنت سيدنا، قال: السيد الله تبارك وتعالى. ثم قال لهم: لا يستجرينكم الشيطان. يعني لا يعني بخطواته يوصلكم إلى الغلو والشرك بالله سبحانه وتعالى. قال: مع أنهم لم يقولوا إلا حق، فهو سيد الأولين والآخرين عليه الصلاة والسلام. ولكنه حتى لا يقع في الغلو ولا يقع في كذلك الشرك بالله سبحانه وتعالى، نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فهو عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم وأفضل عباد الله وإمام المتقين. لكنه صلى الله عليه وسلم لما أكمل الله له مقام العبودية صار يكره أن يقابل بالمدح، صيانة لهذا المقام وإرشادًا للأمة إلى ترك ذلك، نصحًا لهم وحماية لمقام التوحيد عن أن يدخله ما يفسده أو يضعفه من الشرك ووسائله، بانصراف القلب إلى نوع من التعلق بالمخلوقين والذل لهم والانكسار الذي لا يحل ولا يجوز صرفه إلا لله الواحد القهار. وهذا هو الواقع الآن في من يطلق هذا اللقب. فإطلاقهم هذا اللقب لبعض الناس صار كثير من الجهال يتعلق بهؤلاء وينصرف إليهم، وكذلك يذل نفسه لهم وينكسر بين يديهم، وربما قبل أيديهم وطأطأ رؤوسهم لهم وركع لهم وانحنى لهم، وغير ذلك من هذه الأعمال التي هي ثمرات مثل هذه الألقاب. فالحذر الحذر من ذلك، فإن السيد الله سبحانه وتعالى. ونظير هذا الحديث أيضًا ما رواه الإمام أحمد بسند جيد أن ناسًا قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خيرنا وابن خيرنا، ويا سيدنا وابن سيدنا. فقال عليه الصلاة والسلام: يا أيها الناس، عليكم بقولكم، ولا يستهينكم الشيطان. إني لا أريد أن ترفعوني فوق منزلتي، إني لا أريد أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله، أنا محمد، أو أنا محمد بن عبد الله، عبده ورسوله. وفي حديث آخر: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله. ولذلك أتباع الرسول عليه الصلاة والسلام ينهون الناس عن الغلو فيهم وعن مدحهم. فأهل العلم لا يرتضون مثل هذه الألقاب ومثل هذه الألفاظ، بل ربما نهوا طلابهم أن يقولوا بعض العبارات التي هي يعني موجودة في هؤلاء العلماء، كقولهم مثلًا: العالم، بعضها العلم، ربما لا يرتضي حتى لفظة العالم أو العلامة، وهو علامة، له من الجهود وله من يعني البحوث وله من الفتاوى وله من التربية للأجيال وله وله، ومع هذا لا يرتضي أن يقال له: علامة. العالم الحق لا يحب المدح، العالم الحق لا يحب المدح، ما هو يمدحه إنسان يقول له: جزاك الله خير، بارك الله فيك، لا. العالم ما يقول هذا، لربما أنكر على من غلا فيه، أو على من لقبه بألقاب يخشى، أو لقبه بألقاب يعني لا يرتضيها، لا يرتضيها ولا يحب أن يمدح بها، ولا يحب أن يمدح بها. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم. فالنبي عليه الصلاة والسلام قد قال: احثوا على وجوه المداحين بالتراب، زجرًا لهؤلاء الذين يحبون أن يمدحوا غيرهم، كي يقطعوا عنقه. فإنه من مدح أخاه بما ليس فيه فقد قطع عنقه. وهذا فيه من الاغترار، ربما اغتر هذا العالم، الحب لله، فربما اغتر هذا العالم بهذا الثناء وصدق ما قيل فيه، فنصب نفسه شيخ الإسلام وعالم دهره وزمانه، فاحتقر غيره من العلماء بسبب ماذا؟ غلو الأتباع. وهذا واقع في بعض هؤلاء الذين اغتروا بالمدح، فأصيبوا بالغرور والإعجاب بالرأي والانفراد بالمسائل وكذلك المواقف ونحو ذلك، فكانت الفتن وكان التحزب وكان الافتراق وكان التشتت ونحو ذلك. فالحذر الحذر من مثل هذا المسلك، فلا يقال لأحد: السيد، اقتداءً واقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام. وذكر العلماء: إنما النهي على سبيل الإطلاق، يعني تقول: السيد مطلق. لكن لو قيدت فلا بأس، تقول مثلًا: سيد القوم، أو سيد قبيلة كذا، تريد يعني التخصيص، لا ليس الإطلاق، ليس الإطلاق. ولذلك قال: السيد الله، يعني السيادة المطلقة إنما هي لله سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.