الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 39، ألقاها
يبدأ الشرح بتوضيح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حول سنين الخداع قبل ظهور الدجال، حيث يتحدث عن انقلاب الموازين والأمانة. يتم التركيز على سند الحديث ودرجة ثقة رواته.
يناقش صحة إسناد الحديث ويبين دلالته على ضياع الأمانة وتغير الموازين في آخر الزمان، مشيرًا إلى أن الحديث صحيح بشواهده وطرقه.
يصف انقلاب الموازين في زمن الفتنة حيث يُتهم الصادقون ويُمدح دعاة الضلال، مشيرًا إلى أن هذا الوضع يعد من علامات الساعة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا - مطلوب هاهنا - رحمه الله: قال الإمام محمد - رحمه الله -: حدثنا أبو جعفر المدائي، وهو محمد بن جعفر، قال: حدثنا عباد بن العوام، والمدائي نسبة إلى المدائن في العراق، قال: حدثنا عباد بن عوام، ووثقه، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، وهو صاحب السيرة، محمد بن إسحاق بن يسار المدني، عن محمد بن منكدر، وهو أبو عبد الله، وهو أيضًا اتقي وأحد أئمة المسلمين، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: «إن أمام الدجال سنين خداعة، إن أمام الدجال سنين خداعة، يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم فيها الرويبضة». قيل: ومن الرويبضة يا رسول الله؟ قال: «الرزية يتكلم في أمر العامة». قال: ثم قال بعد حديث بعده - أي الإمام أحمد -: حدثنا عثمان بن محمد بن أبي شيبة، قال أبو عبد الرحمن: وسمعت - وأنا من عثمان - أي عبد الله بن أحمد - يقول أيضًا: سمعت هذا الحديث أنا من عثمان بن محمد بن أبي شيبة، وهو أخو أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثني عبد الله بن إدريس، وهو الكوفي العوذي، بالله بن إدريس العوذي الكوفي، إمام من أئمة أهل الكوفة وأهل السنة، ويقال: إنه هو من الأفراد في الكوفة؛ لأنه لم يأخذ بشيء مما كان منتشرًا في الكوفة، لا في المذهب ولا أيضًا في السلوك، فهو لم يقل بمذهب الشيعة، وكان منتشرًا عند أهل الكوفة التشيع، وكذلك أيضًا لم يكن يشرب الطلاء، النبيذ المشهور عند أهل الكوفة، وكانوا كثير منهم يشربونه، ويتعولون على أنه حلال، والصحيح - كما هو معلوم - أنه لا يجوز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام»، فهو مسكر، وما أسكر كثيره فقليله حرام، طيب، فكان عبد الله بن إدريس لا يقول ولا يشرب أيضًا الطلاء أو هذا النبيذ. قال: حدثني عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن دينار، قال: سمعت أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: «إن بين يدي الساعة سنين خداعة». قال: هذا حديث حسن، وطريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن دينار، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخرجها البزار في كشف الأستار، وفيها تصريح محمد بن إسحاق بالتحديث من عبد الله بن دينار. والحمد لله، والآن الحديث مختلف في إسناده، إما أن يقال: إن محمد بن إسحاق عنده طريقان معًا، وهو ممكن أن يكون هذا؛ لأن محمد بن إسحاق موسوعة في العلم، قد يكون عنده هذا الحديث من طريق عبد الله بن دينار، وكذلك من طريق محمد بن منكدر عن أنس، أو أن أحد الرواة أخطأ في ذكر محمد بن منكدر، فالإسناد الثاني أصح من الإسناد الأول، فإما أن يكون كما قلنا خطأ من بعض الرواة بذكر محمد بن منكدر، أو أن الإسنادين عند محمد بن إسحاق - رحمه الله -، فهو موسوعي من موسوعات العلم، إلا أنه عنده أوهام، وعنده تدليس، وغالبًا ما تفرد به يكون فيه شيء، إلا أن هذا الحديث قد جاء من طرق كثيرة، عن كثير من الصحابة، جاء عن أبي هريرة، وكذلك جاء عن عبد الله بن عمر، فالحديث صحيح بشواهده وطرقه. وأيضًا يقول هنا الشيخ: إن عند البزار أن محمد بن إسحاق يصرح بالتحديث، فيقول: حدثني عبد الله بن دينار، وإذا صرح محمد بن إسحاق في الحديث أو في الإسناد فإنه يقبل، إلا أن يكون هذا الحديث متفردًا به، ففي تفرداته - كما قال الإمام الذهبي - شيء، فيخاف من تفرداته، إلا ما كان في السيرة؛ فإنه إمام في السيرة، وهذا أيضًا بابه باب السيرة، طيب. وأما هذا الحديث، فيه إخبار من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، وهو من أعلام نبوته - عليه الصلاة والسلام -، أخبر بما يكون في هذه الأمة قبل أن يأتي الدجال الأكبر، فهناك سنوات خداعة، يعني: هناك زمن من الأزمان يكون فيه - يعني - من ترك الأمانة، ومن ترك الأمانة، وهذا يفسر حديث أنس الذي في الصحيحين، عندما جاء أعرابي وسأل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وكان يخطب، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فلم يجبه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، فقال أنس: فمنا من قال: لم يسمع، ومنا من قال: بل سمع، ولكن كره أن يجيبه، حتى انتهى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من خطبته، فقال: أين السائل عن الساعة؟ قال الأعرابي: أنا، قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». قال: وكيف تضيع؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله، إذا وسد الأمر إلى غير أهله». ومن تلك الضياع في هذا الحديث: أن الكاذب يكون صادقًا، ويؤتمن، ويخون الأمين، وهذا لعله حاصل في هذه الأيام؛ الأمين الذي يستغل مثلًا بجهده، وأيضًا كذلك يعمل بإخلاص، ويسعى لمصلحة الناس، فيخون، ويأتي الوشاة، ويأتي المفسدون، وينشرون عنه شيئًا لم يقله ولم يفعله، حتى يخونه الناس، وهو صادق، وهو يكذبه الناس، وهو صادق، يخونه الناس، وهو مؤتمن، لكن يريدون الخائن الذي يغش، والذي يلبس، والذي أيضًا يأكل أموال الناس بالباطل، فهذا عندهم هو الخير؛ فلهذا تنقلب الموازين، سنوات الخداع، يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، أيضًا حتى في الدين، حتى في دين الله - جل وعلا -، فتجد العالم الكاذب الذي يقود الناس إلى الهاوية وإلى الفتن، تجد الناس يتبعونه، ويصفونه بالسني، وكذا، والعالم الصادق الذي يمشي على طريقة السلف، وعلى طريقة أهل السنة، فتجد أنه يخون، ويقال: إنه عميل، ويقال: إنه صاحب دولة وحاكم دولة، وكذا. وأما التكفيري والحزبي الذي يضل الناس، والذي يهيج الناس على حكامهم، وغير ذلك، فهذا عندهم هو الصادق، وهذا المخلص، وإن سجن، قالوا: هذا الحاكم يسجن المخلصين، ويسجن كذا، وهذا كله من تقلب هذه الأحوال، وتقلب الفطر عند الناس، فيرون الصادق عميلًا، وأنه صاحب دولة، ويفتي للدولة، كما هو معلوم الآن، تجد كثيرًا من الناس يتهمون علماء المسلمين، وخاصة اللجنة، بأنهم علماء حكام، فالكثير من الحزبيين يصرح بذلك، كثير من التكفيريين يكفر اللجنة، فضلًا عن يجعلهم مثلًا أنهم يفتون للحكام، وهذا كله انقلاب الموازين عند هؤلاء، أصبح الصادقون العلماء الخيرون الذين يمشون على طريقة السلف هم المتهمون، وهؤلاء الذين يكفرون الناس، وأيضًا كذلك يقتلون المسلمين، هؤلاء لهم الصدق، أو هم صادقون، وكذا، من هذا القبيل مما يقوله أيضًا دعاة الضلال، ودعاة التحزب، فتجد كثيرًا من هؤلاء الذين يدعون إلى التحزب يصفون - يصفون كثيرًا من هؤلاء المكفرين أو الذين يكفرون أهل الإسلام - أصحاب الهجرة والتكفير، فهؤلاء يصفونهم بأنهم صادقين، مثل ما كان يفعل عدنان عرعور، وسلمان العودة، وغيرهم، أن يصفون هؤلاء بالصدق، وأنهم مخلصون، وأنهم كذا، وأما علماء المسلمين، وأئمة أهل الإسلام الذين يبينون للناس طريقة السلف، يتهمونهم بالعمالة، ويتهمونهم بالحظ، ويتهمونهم كذلك بالكلام على الدعاة، وعلى كذا، وهذا كله باطل، وهذا - كما قلنا - مصداق قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم فيها الرويبضة»، أن هذه الفتن يقودها السفهاء، يقودها السفهاء، غالبًا الفتن والثورات يقودها أناس سفهاء، فيقهرون الحلماء، ويسيرون الناس على ما أرادوا. وجاء عند أحمد، وكذلك البزار، وغيرهما: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ذكر مثلًا أو ذكر قصة حصلت في بني إسرائيل: أن رجلًا من بني إسرائيل أضاف رجلًا من بني إسرائيل، وكان عنده كلبة، فكانت هذه الكلبة في تلك الليلة حامل، وكان عند صاحبها هذا الضيف، فقالت: والله لا أنبح أضيافي هذه الليلة، لا أضايقهم بالنباح، فولدت وهي صامتة، فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «فهذا مثل لأمة تأتي أو لأناس يأتون بعدنا أو بعدك، يظهر سفهاؤها على حلمائها»، هذه كلبة، لكن عندها من الاحترام، وعندها من الحلم العظيم، أنها احترمت ضيف صاحبها، وأما هؤلاء السفهاء لا يلقون بالًا بأهل العلم، ولا يلقون بالًا بأهل الحلم، بل يقهرون هؤلاء العلماء، وهؤلاء أهل الرشد والخير، حتى يسيرونهم على ما أرادوا، أو حتى ينقادوا لهم، أن يريدونهم أن ينقادوا لهم، فهذا مثل لأمة يظهر سفهاؤها على حلمائها. فخلاصة الأمر يقال: إن هذا من علم النبوة، رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مما أخبر به - عليه الصلاة والسلام - أنه بين يدي الساعة، وقبل الدجال، كما جاء في الرواية الأخرى، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.