الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 71، ألقاها
يشرح المقطع حديث أنس بن مالك الذي يروي تعجيل النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة المغرب، حيث كانوا يصلون ثم يرمون بالنبال فيرون موضعها، ويدل على صحة الحديث ورجاله من رجال الصحيح. يدل الحديث على تعجيل النبي لصلاة المغرب.
يدل الحديث على تعجيل النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة المغرب، وقد أجمع العلماء على ذلك باستثناء الشيعة، كما أن وقت المغرب قصير ويفضل أداؤها في أول وقتها. يتناول المقطع تفاصيل حول صلاة المغرب في عهد النبي.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي المغرب بأول وقتها ويقرأ بقصار المفصل، مع بعض الأحيان يطيل القراءة، وقد جاء في بعض الروايات أنه قرأ في المغرب بسور مثل المؤمنون والمرسلات والعراف. أنكر على شخص إكثاره من قراءة قصار المفصل.
المقصود بالإنكار الاستمرار في قراءة قصار المفصل وليس القراءة نفسها، وغالبًا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بقصار المفصل، ويؤخذ من الحديث أن قراءة النبي كانت غالبًا بقصار المفصل.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله: حدثنا داود بن رشيد وهو البصري الثقة، قال: حدثنا حماد وهو ابن سلمة، وقد روى هذا الحديث عن حماد بن سلمة عدة من أصحابه، عفان وموسى بن إسماعيل وجماعة، روى ذكرهم الإمام أحمد رحمه الله، قال: عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كنا نصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم نرمي، فيرى أحدنا موضع نبلته». قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح، فحماد هو ابن سلمة من رجال مسلم، وداود بن رشيد من رجال البخاري. قال: والحديث أخرجه الإمام ابن خزيمة، فقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، قال: حدثنا يحيى بن إسحاق وهو السيلحيني، وهو حافظ من حفاظ الحديث، وهو خرساني، قال: حدثنا حماد بن سلمة به. قال: وخرجه أبو يعلى، فقال رحمه الله: حدثنا إبراهيم بن حجاج، قال: حدثنا حماد بن سلمة به، أي بنفس الإسناد، نتذكره عن ثابت عن أنس. وحماد بن سلمة من أوثق الناس في ثابت البناني. قال: وخرجه الإمام أحمد، فقال: حدثنا يحيى وهو المقدام القطاني، عن حميد، عن أنس به. وفي لفظه شيء من الاختلاف، لكن المعنى واحد ظاهر في لفظ يحيى عن حميد: «أنهم جماعة أو عن أنس أن أناسًا»، قال: «كنا نوصل للمغرب، فيبلغ أحدنا إلى بني سلمة، ثم يرى موضع نبلته». قال: وخرجه أبو يعلى، فقال رحمه الله: وخرجه الإمام أحمد، فقال: حدثنا محمد بن عبد الله أخو الأنصاري، قال: حدثنا حميد عن أنس به. قال رحمه الله: حدثنا ابن أبي عدي عن حميد به. وحميد لم يسمع من أنس إلا حديثًا يسيرًا، لكن أكثرها أخذها عن ثابت، أخذها عن ثابت، فالظاهر أن هذا الحديث أخذه من ثابت. قال أنس رضي الله عنه: «كنا نصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم نرمي، فيرى أحدنا موضع نبلته». وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجل المغرب، كان يعجل صلاة المغرب، ما يؤخرها. وقد جاء في الصحيحين مثل هذا الحديث، أن رافع بن خديج، رضي الله عنه، قال: «كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب، ثم نذهب إلى بيوتنا، فنرمي النبل، فنرى مواقع النبل». فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر ما كان يعجل في صلاة المغرب، يعجل في الصلاة ويعجل في القراءة. أما تعجيله في الصلاة، فهذا ثابت من وجوه كثيرة، حتى أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه، كما جاء في صحيح مسلم، لما كان قد ولى إمارة مصر، وكان على مصر عقبة بن عامر، فصلى بالناس عقبة رضي الله عنه، فأخر المغرب، فلما صلى قام إليه أبو أيوب، قال: يا عقبة، إنك قد أخرت المغرب، وأنت تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا المغرب قبل أن تشتبك النجوم». قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نصلي المغرب قبل أن تأتي النجوم، قبل أن ينصرف الليل أو يغلب الليل. لأن النجوم تأتي إذا ظهر الغلاب، فهذا يدل على أن الصلاة لا بد أن تعجل. وقد ذكر الإمام ابن عبد البر رحمه الله أنه قال: عامة الأدلة على ذلك، وعامة العلماء أيضًا على هذا، على التعجيل في المغرب، إلا ما كان من الشيعة. وأيضًا المسألة الثانية، مسألة وقت المغرب، فأكثر العلماء أن وقت فضيلة المغرب ووقت الاختيار هو أول وقت، لكن يجوز أن يؤخرها إلى آخر وقتها. وعند شافعي أنه وقت الاختيار إنما يمتد إلى أن يصلي الرجل، أو وقت الأذان والإقامة والصلاة، جاء رواية عن الإمام الشافعي بهذا، على أن وقت المغرب قصير، أي الوقت المختار، ثم يدخل في وقت الكراهة أو في وقت النهي. لكن الصحيح أنه لم يأت نهي في ذلك، لكن جاءت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في التعجيل في المغرب. والمسألة الثانية هي أيضًا مسألة القراءة، وهذا أيضًا حديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأ كثيرًا في صلاة المغرب، وإلا لم يتفق هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم على ذلك. أن هؤلاء جمعًا من الصحابة، ذكر شعبة عن حسان العرجي عن بعض الأنصار من أسلم، وذكر الزهري أنهم من بني سلمة، وكذلك جابر، قال: «كنا نذهب إلى بني سلمة، ونصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم، ونذهب إلى ديارنا بني سلمة، ثم نرمي النبل، فيرى أحدنا موضع نبلته». وأيضًا كما تقدم معنا أبو رافع وأنس وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، نقل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنهم يصلون المغرب معه، ثم يذهبون إلى بيوتهم، ويرمون النبل، أي السهام، ويرون موضع النبل». ولا يرى الإنسان موضع النبل إلا وهو لا زال في ضوء النهار. وهذه المواقع معنا لما ذكر الإمام الزهري عن أناس من أسلم من النقباء أو من أبناء النقباء، قال الزهري رحمه الله: «وكان بيوتهم قدر ثلثي ميل». وجاء في رواية جابر أنه قدر ميل، أي يقدر بكيلو ونصف أو بكيلو، فهذا المقدار يحتاج إلى عشر دقائق مثلًا مشي، يحتاج إلى عشر دقائق، الإنسان يمشي هذا بعد الصلاة، فدل على أن صلى الله عليه وسلم كان يصلي الصلاة بأول وقتها في صلاة المغرب. ولهذا جاء في الصحيحين في حديث سلمة بن الأكوع، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي المغرب إذا توارت بالحجاب». أي الشمس إذا توارت، كانوا يصلون المغرب، هذا فيه التعجيل، السنة فيه التعجيل في المغرب. وكذلك أيضًا هذا يدل على أنه كان يقرأ بقصار السور. وقد جاء في سنن النسائي عن سليمان بن يسار أنه قال: سألت أبا هريرة رضي الله عنه عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «مثل إمامكم هذا». قال سليمان بن يسار: «وكان إمامنا، وهو عمر بن سلمة، كان يقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بأوساطه، وفي الفجر يقرأ بطوال مفصل». فهذا الحديث يدل على أن المغرب كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بقصار مفصل، لكن ليس دائمًا، لكن هذا الأغلب على صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أنه يصلي المغرب بقصار مفصل، وحيانًا يطيل، وحيانًا يقرأ بالمرسلات، يقرأ أيضًا بما هو أكثر منها، يقرأ بالمؤمنون، افتتح المؤمنون حتى وجد سعلة فركع. وأيضًا بغيرها، صلى أيضًا كذلك بغيرها من السور، بل إنه قرأ بالعراف، قرأ بالعراف كما جاء في حديث زيد بن ثابت. ولهذا لما رأى زيد بن ثابت رضي الله عنه مروان بن الحكم دائمًا يقرأ بقصار مفصل ويستمر في ذلك، قال له: «يا مروان، قد صلى النبي صلى الله عليه وسلم بطولين، قرأ بالعراف في صلاة المغرب». أنكر عليه أنه دائمًا يقرأ بقصار مفصل، وليس المراد أنه لا يقرأ كما فهمه بعض الناس، وإنما أنكر عليه الديمومة والاستمرار في قراءة قصار مفصل، وإلا فالغالب من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم هو أنه كان يقرأ بقصار مفصل، فهذا ما يؤخذ من هذا الحديث، والله تعالى أعلم.