الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 55، ألقاها
يتحدث هذا الفصل عن علماء الحديث مثل عبد الرحمن بن مهدي وسفيان الثوري، وعن تأثيرهم وارتباطهم ببعضهم البعض. كما يبرز أهمية علمهم وتأثيرهم في مختلف المناطق.
يفسر هذا الفصل حديث أنس بن مالك حول إبراهيم ابن النبي، ويوضح معنى "لو" في اللغة العربية ومتى تكون مقبولة أو مرفوضة. كما يبين الفرق بين استخدام "لو" في الاعتراض والتمني.
يركز هذا الفصل على استخدام "لو" في سياق التمني وليس الاعتراض، مستشهدًا بالأحاديث النبوية. يوضح أن "لو" في بعض السياقات تكون للتمني وليس للاعتراض على الماضي.
يتناول هذا الفصل قصة مارية القبطية وإبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر تفاصيل حول ملك اليمين للنبي وأبنائه. كما يشير إلى إشارة النبي إلى أنه خاتم النبيين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا بقبول بن نهاد الوالي -رحمه الله-: قال الإمام أحمد -رحمه الله-: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرحمن بن مهدي هو أبو سعيد الإمام الحافظ الكبير، البصري -رحمه الله-، وكان حافظًا كبيرًا وإمامًا في الحديث ومعرفة الحديث. وكان يقول -رحمه الله-: «اشتهر عنه أنه كان يقول: علم الحديث كهانة في نظر الجهال»، والمراد بعلم الحديث أي معرفة صحيح الحديث من سقيمه، ومعرفة الخطأ في الحديث، فإنه لا يعرف هذا الشيء إلا جهابذة هذا العلم. وقد يقول الرجل للحديث: إنه لا يصح، أو أنه حديث باطل، أو أنه حديث معلول، وغيرها من هذه التعليلات، وقد لا يقيم حجته، وقد لا يعرف الشخص لماذا هذا ضعيف، ولماذا هذا صحيح، ولماذا هذا أيضًا معلول، وهكذا. فلهذا كان عبد الرحمن بن مهدي من هؤلاء الذين يعرفون مثل هذه الأمور، وكان أيضًا الشيخ الإمام أحمد، والشيخ بن معين، والشيخ علي بن المديني، هؤلاء كلهم أيضًا من طلبته. وعبد الرحمن بن مهدي مع أنه بصري، إلا أن علمه كوفي، علم عبد الرحمن بن مهدي كوفي، بخلاف يحيى بن سعيد، فعلمه بصري، كذلك أجمع علماء البصرة، أي مشايخهم، وأكثرهم مشايخ البصرة، كذلك شعبة، وسفيان، يقولون: شعبة بصري، لكن علمه كوفي، وسفيان بصري، لكن علمه كوفي. فأكثر مشايخهم من أهل الكوفة، والعكس سفيان الثوري، سفيان الثوري كوفي، وعلمه بصري، لأن الذين تعلم منهم السنة والحديث هم أهل البصرة، أيوب بن أبي تميمة السختياني، وأيضًا عبد الله بن عون، وكذلك يونس بن عبيد، أولئك أئمة أهل البصرة. كذلك سليمان التيمي، سفيان أخذ السنة والعلم منهم، فلهذا قال: سفيان كوفي وعلمه بصري، وشعبة بصري وعلمه كوفي، وكذلك عبد الرحمن بن مهدي كان ألزم لسفيان، ومعلوم أن البصرة والكوفة متقاربتان، فكان عبد الرحمن بن مهدي ألزم لسفيان، بخلاف نظيره يحيى بن سعيد القطان، نظيره يحيى بن سعيد كان يلازم شعبة. فقال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، وهو أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري -رحمه الله-، إمام وحافظ من حفاظ الحديث، وله سيرة عظيمة ذكرت في تاريخ بغداد، كذلك أخذ منها الإمام الذهبي أشياء كثيرة، فسيرته عظيمة من ناحية علمه، ومن ناحية زهده وورعه، وكذلك قوله الحق وصدعه بالحق، وغيرها من الصفات العظيمة التي قد لا توجد إلا في القليل من الناس. فقال: حدثنا سفيان، عن السدي، والسدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكوفي، وهناك أيضًا سدي آخر، هو أكبر من هذا، وهو محمد بن مروان، أيضًا كوفيًا، ويسمى السدي الكبير، لكنه قد كذبه العلماء، هو أخباري، يأتي بالأخبار، وقد كذبه أهل العلم، لكن هذا صدوق من أهل الكوفة، إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكوفي. فقال: وقال سمعت أنسًا، والسدي يقال: إنه بسبب معنى كان يسكن قرب السدة التي كانت عند الكوفة، وقيل غير ذلك، قال: سمعت أنس بن مالك -رضي الله عنه- يقول: «لو عاش إبراهيم ابن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لكان صديق النبي»، لو عاش إبراهيم ابن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لكان صديق النبي. قال الشيخ -رحمه الله-: هذا حديث حسن، قال: حسن؛ لأجل أن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي في حفظه شيء، وهو ممن يحسن حديثه، وليس يصحح، قال: والسدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن، وهو حسن الحديث -إن شاء الله تعالى-. فهذا الحديث هو من كلام أنس -رضي الله عنه-، يقول: لو عاش إبراهيم ابن النبي -صلى الله عليه وسلم- لكان صديق النبي، وهذا إما اجتهاد من أنس -رضي الله عنه-، أو أخذه عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-. وهنا «لو» ليس المراد الاعتراض على قدر الله عز وجل؛ لأن اللو التي تأتي على الاعتراض هي التي تأتي على ما حدث في الماضي، «لو» إذا كانت على ما حدث في الماضي تكون من عمل الشيطان. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فإن لو من عمل الشيطان»، لا يقول مثلًا: لو فعلت كذا لكان كذا، لكن قل: قدر الله وما شاء فعل، قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن «لو» تفتح عمل الشيطان. فهذه «لو» التي تفتح عمل الشيطان التي تكون على الماضي، الإنسان يقول: لو ما فعلت كذا لكان كذا، لو ذهبت إلى المكان الفلاني لكان خيرًا لي، لو ما ذهبت إلى ذلك المكان لكان أفضل، فهذه «لو» هنا تفتح عمل الشيطان؛ لأن فيها شيء من الاعتراض على قدر الله جل وعلا. لكن من حصل له شيء من هذه الأمور، فذهب أو يظن أنه قد لم يصب في فعل هذا، أو أنه خسر أشياء في تركه لبعض الأشياء، فيقول: قدر الله وما شاء فعل، هذا الذي قدره الله عز وجل عليه، هذا الذي قدره الله سبحانه وتعالى، يقول: قدر الله، هذا قدر الله، فهذا رجع الأمر إلى الله سبحانه وتعالى. أما إذا قال: «لو كذا»، فهذا يفتح لنفسه بابًا من أبواب الشياطين، وبابًا من أبواب الباطل والاعتراض. طيب، لكن هنا «لو» ليس من هذا القبيل؛ لأن «لو» كما قلنا في المستقبل ما تدخل في هذا، وإنما تأتي على طريقة التسويف، أو على طريقة التمني، مثل ما قالت عائشة: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا نساءه». وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل ذلك، وفي الصحيحين: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة»، لما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- ما بأصحابه من التعب، لما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- من كان عنده هدي فليتحلل، أو من ليس عنده هدي فليتحلل وليجعلها عمرة. وكان هذا غير معهود عند الصحابة أنهم يتحللون بين العمرة والحج، فلهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: يتحلل، يجعلها عمرة، معنى ما يجعل يجعل تحلل بين العمرة والحج، تحلل بين العمرة والحج، فالصحابة -رضي الله عنهم- ما كانوا يعتادون مثل هذا، وإنما كانوا يحرمون، فما يتحللون من إحرامهم إلا بعد الحج. فظنوا هذا أنه تقصير في أنفسهم، ظنوا أنه تقصير من أنفسهم، ولم يسق الهدي، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت»، أي: لو كنت أعلم الغيب، ولو كنت أعلم أن الأمر سيكون مثل هذا، قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة»، أي: تمتع تمتعًا بالعمرة إلى الحج. لكن حج النبي -صلى الله عليه وسلم- قارنًا، فلهذا «لو» إذا استعملت في مثل هذا المقام فهي من باب التمني، تمني الخير، فلهذا فهي ليست من باب الاعتراض، وإنما من باب الاعتراض التي تكون على الماضي، وهذا منها: «لو عاش إبراهيم ابن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- لكان صديقًا نبيًا»، لو عاش في هذه الحياة لكان صديقًا نبيًا. وإبراهيم -عليه الصلاة والسلام- مات وهو صغير، قيل: إنه كان عمره سبعة أشهر، وقيل أقل من هذا، وإبراهيم أمه مارية القبطية، وهي مملوكة على الصحيح، وليست زوجة له، إنما وطئها النبي -صلى الله عليه وسلم- على ملك اليمين؛ لأن الله عز وجل أجاز وطء ملك اليمين. الرجل إنما يطأ المرأة أو يجامع المرأة الحلال إما أن تكون زوجته، وإما أن تكون مملوكته، تكون زوجته أو تكون في ملك يمينه، وأما التي اعتقها وصارت مولاة له، فهذه لا يجوز أن يقربها، وإنما لابد أن تكون في رقيقته، فإذا كانت رقيقة وفي ملك يمينه فإنه يجوز له أن يطأها. فكانت مارية القبطية أيضًا من هذا الباب، الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يتزوجها، لكن تزوج صفية بنت حيي؛ فإنه اعتقها وتزوجها، وكذلك جويرية بنت الحارث المستلقية؛ فإنه اعتقها وتزوجها. وأما مارية فلم يعتقها، بل كان يطأها على ملك اليمين، فولدت له إبراهيم، فلكنه لم يعش كثيرًا، لم يعش كثيرًا -عليه السلام-، لكن يقول أنس: «لو عاش إبراهيم ابن النبي لكان صديق النبي»، لكن قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا نبي بعدي»، وقرر الله سبحانه وتعالى أن رسول الله خاتم النبيين، ما كان محمد أبًا لأحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين. فإن شاء الله نكتفي بهذا القدر، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.