الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 7، ألقاها
يبدأ المقطع بشرح حديثين نبويين رواهما الإمام أبو داود، مع ذكر آراء العلماء حول هذين الحديثين وتوضيح لرجال السند ومكانتهم العلمية. كما يشرح حديث أبي بن كعب حول فتوى الماء من الماء في بداية الإسلام وتفسيرها.
يتناول هذا الجزء تفسير حديث أبي بن كعب وتوضيح أحكام الاغتسال في بداية الإسلام، حيث كان الاغتسال يلزم عند خروج المني، ثم أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاغتسال بعد ذلك. كما يبين آراء بعض العلماء حول هذا الحديث وصحته.
يتناول هذا الفصل حكم الاغتسال بعد الجماع أو الاحتلام، حيث يشرح اختلاف آراء الصحابة حول وجوب الغسل بعد الجماع دون إنزال، ويستند إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي توضح أن الاغتسال واجب عند مس الختان الختان أو إنزال المني. كما يبين رأى أهل العلم في وجوب الغسل على الرجل بمجرد الجماع.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فبالأمس قرأنا حديث الحديث الرابع الذي يخرجه الإمام ابن داود. قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: أخبرنا إمام بن يحيى، عن قتادة، عن يحيى بن يعمر، عن سليمان بن صرد - وبعضهم يقول: ابن صرد الخزاعي - عن أبي بن كعب، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبي، إني أقرأت القرآن، فقيل لي: على حرف أو حرفين. فقال الملك الذي معي: قل على حرفين. قلت: على حرفين، فقيل لي: على حرفين أو ثلاث. فقال الملك الذي معي: قل على ثلاثة. قلت: على ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف. ثم قال: ليس منها إلا شاف كاف. فقلت: سميعا عليما، عزيزا حكيما، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب. قال الشيخ: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. فذكرنا مسألة قراءة القرآن على سبعة أحرف، خلاف أهل العلم فيها. قال أبو داود رحمه الله - أو قال الشيخنا رحمه الله -: الحديث الخامس. قال أبو داود رحمه الله: حدثنا محمد بن مهران البزاز - والبزاز معنى نسبة إلى بيع البز، وهو الثياب الغاصة بالحرير، فيقولون: بزاز - قال: حدثنا مبشر الحلبي - مبشر بن إسماعيل الحلبي - قال: عن محمد أبي غسان - أبي غسان، ومحمد بن مطرف، كما سيأتي ذكره في الحديث، وهو بصري - عن أبي حازم. وأبو حازم هو سلمة بن دينار، وهناك أبو حازم آخر يروي عن أبي هريرة، وهو سلمان الأشجعي، فهو سلمة بن دينار المدني. وإذا رأيت: أبو حازم عن أبي هريرة، فهو سلمان الأشجعي. قال: عن سهل بن سعد - وسهل بن سعد هو الساعدي أبو العباس رضي الله عنه، وأيضا أبوه صحابي: سعد بن مالك الساعدي، وأخوه أيضا أبو حميد - قال: حدثني أبي بن كعب، وهو سيد القراء كما تقدم، قال أبي رضي الله عنه: إن الفتية التي كانت تفتي أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد. قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ومبشر هو ابن إسماعيل، وهو من رجال البخاري ومسلم، وهو ثقة. ومحمد أبو غسان هو محمد بن مطرف. وأبو حازم: سلمة بن دينار. قال: وأخرجه الترمذي، أي أخرج هذا الحديث أيضا الترمذي، فقال رحمه الله: حدثنا أحمد بن منيع - هو صاحب المسند، وهو حافظ وإمام - قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، وهو أبو عبد الرحمن، إمام أهل مرو، بل إمام خراسان كلها، إمام خراسان رحمه الله. قال: بعض الشعراء: إذا سار عبد الله من مرو ليلة، من مرو ليلة، سار معه نورها وبهاؤها، وإذا ذكر الأحبار في كل بلدة، فكان حبرها أو قائدها، معناه: إذا ذكر الأحبار في كل بلدة، فهم سماؤها، وهو كوكبها. وكما قال رحمه الله: فعبد الله بن المبارك كان إماما كبيرا. قال سفيان بن عينة - وهو شيخ سفيان بن عينة -: الشيخ عبد الله بن المبارك، لكن رأى منه صفات عظيمة، حتى قال: ما سبق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن المبارك إلا في شرف الصحبة. كل شيء يفعله الصحابة يفعله عبد الله بن المبارك إلا شرف الصحبة. بل عنده أصل العلم، وهو خشية الله جل وعلا. أصل العلم كان عند عبد الله بن المبارك. قال عبد الرحمن بن القاسم رحمه الله: قال: كنا في سفر مع عبد الله بن المبارك، فكنت أرى الناس حوله ويحبونه. فقال: فقلت في نفسي: أنا يقول هذا؟ قال: فقلت في نفسي: لماذا رفع عبد الله بن المبارك هذه الرفعة؟ إن كان ليصلي، فإنا نصلي. وإن كان ليصوم، فإنا نصوم. وإن كان يحج، فإنا نحج. وإن كان يجاهد، وهكذا معنا. يقول: ما إيش عنده؟ إيش الذي زاد حتى رفعه الله عز وجل علينا؟ عندنا من العلم، وعندنا كذلك من العبادة والطاعة، ما هذا الذي رفعه؟ قال: فبينما نحن في الليل، أنا جالس مع الرسين، وعنا في مكان، انطفق السراج - السراج الذي كان معه انطفق - قال: فقمنا بإصلاحه. فلما أصلحنا، قال: فنظرت إلى عبد الله بن المبارك، فإذا عيناه تدمعان. قال رحمه الله: قال: فبهذا رفع عبد الله بن المبارك، أي بخشية الله. لما انطفق السراج، وصارت الظلمة، تذكر عذاب القبر، وتذكر القبر ووحشته وظلمته، فبكى رضي الله عنه. فخشية الله عز وجل رأس العلم، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: لما قال له: يا عبد الله بن أحمد، يا أبي، إن معروفا يذكر كذا وكذا، وليس عنده ذاك العلم. فقال: سكت، فإن عنده أصل العلم، عنده أصل العلم: خشية الله. قال رحمه الله: وحدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا يونس - ويونس هو ابن يزيد العيل، وهو من أصحاب الزهري، وهو شرطي على شرطي من شرطة بني أمية، وهو من موالي بني أمية - وكان رحمه الله يكتب، وكتابه صحيح. وأما حفظه، ففيه شيء. إن حفظه فيه شيء. قال: ذكرت يونس بن يزيد، فرأيت حفظه لا شيء. وكان الإمام أحمد رحمه الله يقول في حفظ يونس: لكنه كان معه كتاب. إن كتب حديث الزهري رحمه الله لما أملى للناس، فكتب يونس. وكان هذا الكتاب عنده. قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: قال: كتاب يونس، وكتاب معمر عن الزهري يخرج من مشكاة واحدة. قال: كتاب يونس، وكتاب معمر عن الزهري يخرج من مشكاة واحدة. معنى: نفس الشيء. وهذا يدل على ضبطه. ما عبد الله بن المبارك كتب كتاب يونس عن الزهري، وكتب كتاب معمر، جاء إلى اليمن وكتب كتاب معمر عن الزهري. معنى: أخذه معمر الكتاب، وكان لا يعطي كتابه لأحد. لكن لما جاء عبد الله بن المبارك، أعطاه الكتاب، فكتب حديث الزهري. فرأى عبد الله بن المبارك أن حديث الزهري، أو كتاب يونس، وكتاب معمر، لا يختلف. معنى الحديث التي تتوافق فيه لا تختلف غالبا. وقد يكون هناك حديث أيضا عند هذا، وليست عند هذا؛ لأنه بحسب الحضور. ويونس ألزم للزهري من معمر، لكن معمر أحفظ منه، وأطلب منه في العلم. قال: أخبرنا يونس عن الزهري. ويعتبر يونس من طبقة حفاظ أصحاب الزهري. قال: عن الزهري - وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري رحمه الله - حافظ الحديث وإمام، لا يشق غباره. قال: عن سهل بن سعد - وسهل بن سعد كما تقدم، والساعدي - عن أبي بن كعب، فذكره. ثم قال - أي الترمذي -: هذا حديث حسن صحيح. وهذا الإسناد إسناد صحيح، أصح من الأول؛ لأن هؤلاء كلهم أئمة وحفاظ. قال: وخرجه ابن ماجه، فقال رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عثمان بن عمر، وهو عثمان بن فارس، قال: أنبأنا يونس به. قال: وخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، ولم يذكر أبي. فنجعله عن سهل بن سعد. وكذا ابن أبي شيبة من الحديث عبد الله على المعمر به. ولم يذكر أبي. فالحديث صحيح بهذه الأسانيد الصحيحة. وفي هذا الحديث يقول أبي بن كعب: إن الفتية التي كانت تفتي أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعده. والمراد من قوله: الماء من الماء، أي أن الاغتسال لا يكون إلا من خروج الماء، من خروج المني. أنا من خروج إذا خرج المني من الرجل، يجب عليه أن يغتسل. كانت هذه فتوى موجودة في بداية الأمر. وجاء في حديث أبي سعيد في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنما الماء من الماء». فكانت هذه قبل أن يغتسل الإنسان إلا إذا أخرج، وإذا أنزل. ولهذا جاء في الصحيحين أنه سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الرجل يجامع ثم يكسل - جاء من حديث أبي ثمان - يجامع ثم يكسل. قال عليه الصلاة والسلام: «عليه الوضوء». يجامع زوجته ثم يكسل، أي لا يخرج، لا يخرج معا. فهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «عليه الوضوء». وهذا كان قبل. ثم بعد ذلك أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن الرجل إذا جامع امرأته، وجاء معها، فبمجرد جماعه يجب عليه الاغتسال. وهذه القضية حصل فيها خلاف بين الصحابة رضي الله عنهم. حصل خلاف بين الصحابة رضي الله عنهم، كما جاء في صحيح مسلم في حديث أبي موسى، قال: اجتمع بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومنهم عمر - كان عمر رضي الله عنه معهم - وكان بعض المهاجرين يقولون: إن الرجل إذا جامع امرأته ولم ينزل، ليس عليه غسل. وكان بعض الأنصار يقولون: إن عليه غسلا. فاختلف الصحابة رضي الله عنهم. وكان عندهم عمر، وكان عمر يرى هذا القول: أنه لا يغسل إلا إذا أنزل. فقال أبو موسى: فأمرني عمر أن أذهب إلى عائشة وأسألها عن هذه المسألة. فذهب أبو موسى وحكى لها ما حدث. فقالت عائشة رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا مس الختان الختان، فقد وجب الغسل». إذا مس الختان الختان، فقد وجب الغسل. إذا مس المكان الذي يختن فيه الذكر، مس المكان الذي تختن فيه الأنثى، فإذا مس الختان الختان، فقد وجب الغسل. والمراد أن الختان ختان الذكر، هو مكان الرأس والحشفة، كما يسميها العلماء حشفة الذكر. فإذا أدخلت ومست المكان الذي يختن للمرأة، وهي مكان البظر، فهنا يكون فيه اغتسال. فقالت عائشة رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا التقى الختانان، أو مس الختان الختان، فقد وجب الغسل». وجاء كذلك أيضا من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا جامع الرجل امرأته - أو قال في لفظ في الصحيحين: إذا جلس على شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب الغسل». على مجرد ما يجهدها، فقد وجب الغسل. أما إذا لم يدخل شيئا، فإنه لا يجب عليه شيء من الغسل حتى ينزل. فإذا أنزل، سواء كان جامع ولم يجامع، فإنه يغتسل. وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه «الماء من الماء» إنما خاصة بالمحتلم. قال: إلى المحتلم، أي خاصة بهذا النسخ هنا. أراد به الخصوص، أي خاصة هذه الرخصة لمن احتلم. وجاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن المحتلم إذا أنزل الماء، فإنه يغتسل. وإذا لم ينزل، لا يغتسل. والمحتلم له ثلاث حالات: له ثلاث حالات. إما أن يحتلم ويذكر احتلاما، ولا يرى بللا. يذكر احتلاما ولا يرى بللا، فهذا لا يجب عليه الغسل. وإما أنه يذكر احتلاما ويرى البلل، فهذا يجب عليه الغسل. والحالة الثالثة: أنه لا يذكر احتلاما، لا يذكر احتلاما، لكنه يرى البلل في ثيابه. فهذه الحالة إن تأكد أنه مني، معنى بصفاته - مثلا التي ذكرت في غلظته، في رائحته - معنى عندما يكون عندما يكون رطبا يكون مثل طلع العجين، وإنما يكون يابسا يكون مثل صفار البيض، على رائحته. فهنا إذا علم بهذه الرائحة أو هذه الصفات، وميزه أنه مني، فيجب عليه أن يغتسل. وإذا لم يميز واختلط عليه الأمر، فإن كان مثلا قبل أن ينام كان يتذكر شيء من الشهوة أو كذا، فهذا غالبا سيكون مني. وإلا أن اشتبه في ذلك، لم يستطع أن يميز، فيغتسل احتياطا. إن ميز اغتسل إذا كان منيا، وإن لم يكن منيا ميزه على أنه مذي، فهذا لا يغتسل. وإن لم يميز فيغتسل احتياطا. فهذا ما يذكر في هذه المسألة، مسألة الماء من الماء، أو نزول المني. وكذلك كما قلنا: إن هذه رخصة كما جاء في هذا الحديث في بداية الأمر، ثم أمر بالاغتسال، أي من جامع زوجته وإن لم ينزل، فإنه يغتسل. وهذا الذي استقر عليه أكثر أهل العلم، حتى بعضهم جعله إجماعا. أن هذا الذي استقر عليه أكثر أهل العلم على أن الرجل إذا جامع امرأته ولم ينزل، فإنه يجب عليه أن يغتسل بمجرد الجماع. فهذا ما يذكر في هذا الحديث والله تعالى أعلم.