التعليق على العقيدة الطحاوية 18

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 18، ألقاها

مفهوم النبوة والرسالة في الإسلام

يشرح المفهوم الإسلامي للنبوة والرسالة وفقا لأهل السنة، مؤكدا أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم هو عبد الله ورسوله وأن النبوة وحي من الله. يتناول أيضا آراء العلماء والفلاسفة حول هذه المسألة.

آراء أهل السنة والمعتزلة والأشاعرة في أدلة النبوة

يتناول آراء أهل السنة والمعتزلة والأشاعرة في أدلة النبوة، مشيرا إلى اختلافهم حول الأدلة، حيث يرى أهل السنة تعدد الأدلة بينما يرى المعتزلة والأشاعرة أن المعجزة هي الدليل الوحيد.

أدلة النبوة عند أهل السنة وتفنيد رأي الأشاعرة

يشرح أدلة النبوة عند أهل السنة، مشيرا إلى تعددها وتشمل المعجزة وأخبار النبي وأقواله وأفعاله، منتقدا رأي الأشاعرة في أن المعجزة هي الدليل الوحيد.

خاتمة وتأكيد على استمرار الموضوع

يختتم الدرس مع الإشارة إلى استكمال الموضوعات في درس لاحق، مع إضافة المزيد حول خوارق العادات للأولياء وكراماتهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الخصال الذي مضى أولا، مؤلفه رحمه الله تعالى، أنه قال: «وأن محمدا عبده المصطفى ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى، وأنه خاتم الأنبياء». فقالوا: «وأن محمدا عبده المصطفى»، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم بالعبودية، ثم ذكره بالرسالة. وهذا هو مذهب أهل السنة وأهل الحق، فهو رسول ونبي لا يعبد. وأيضا هو رسول يصدق، وهو أيضا عبد لله جل وعلا، وليس له شيء من خصائص الربوبية والألوهية، فهو عبد لله سبحانه وتعالى. ولهذا ربنا جل وعلا يذكره بالعبودية الخاصة في مقامات عظيمة، في مقام الدعوة، وفي مقام التنزيل، وفي غيرها من المقامات العظيمة التي يذكره فيها ربنا جل وعلا، فيذكره بصفة العبودية، فهي صفة كمال. وأيضا ذكرنا مسألة الفرق بين النبي والرسول، وهو قول أكثر أهل السنة. وتعريف المراد بالرسول، والمراد بالنبي، لكن أكثر العلماء على أن الرسول أعم من النبي، الرسول أعم من النبي. لما قال البراء رضي الله عنه: لما علمه النبي صلى الله عليه وسلم دعاء، إذا قال: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت. قال: «هو وبرسولك الذي أرسلت». قال: «لا، قل: وبنبيك الذي أرسلت». فبعض العلماء فهم من هذا أن هناك فرقا بين النبي والرسول. ومنهم من قال: إنه لا ينبغي أن تغير فيها الألفاظ. لكن لو كان النبي والرسول واحدا، لما كان فرق. لكن دل هذا الحديث على أن هناك فرقا. لكن كما قلنا، أكثر العلماء على أن الرسول أو الرسالة عامة من النبوة، الرسالة عامة من النبوة، فالنبوة تدخل في الرسالة. وذكرنا بعض المسائل التي تتعلق بالنبوة، وسيأتي بعضها. ومن هذه المسائل المهمة التي قد لا يذكرها كثير من أهل العلم في انتقاداتهم، وهي محل خلاف بين أهل العلم، وهي مسألة النبوة: هل هي وحي من الله أو هي مكتسبة؟ فهذه مسألة لا شك أنها مذاهب أهل الإسلام أنها وحي. وقال بعض الفلاسفة الملاحدة: إنها كسب يكتسبها العبد بالعلم والعبادة والعمل، لا بالوحي. وهذا كلام باطل وتكذيب للآيات. وتهم بعض العلماء أنه يقول بهذا القول، وهو لم يقل ولم يرد هذا القول، وهو الإمام ابن حبان البستي، أبو حاتم محمد بن حبان البستي، صاحب كتاب «الصحيح». فإنه قال في بعض كلامه: «فإن النبوة إنما هي العمل والعلم، أو العلم والعمل». فظن بعضهم أنه أراد أن النبوة مكتسبة، وأنها تكتسب بالعلم والعمل. وحاشاه من ذلك، فهو رجل من أهل السنة. وإن كان عنده بعض الأخطاء التي لا يسلم منها الشخص، لكنه في عموم قوله على مذهب أهل السنة. لكن تجد بعض أهل البدع يتربصون بمثل هذه الكلمات. فلهذا حكم عليه بعض المعتزلة والأشاعرة بالزندقة. وأيضا مثل ما ذكر عن أبي الوليد الباجي، لما قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كتب في صلح الحديبية: «محمد رسول الله». فجاء في حديث علي أنه جاء في حديث مروان وغيره: أنه محا اسم الرسالة، أو محا «محمد رسول الله»، وكتب «محمد بن عبد الله». قال أبو الوليد: «وكتب محمد بن عبد الله». فقال: «دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتب». فقام عليه بعض من كان يعاصره من الأشاعرة وغيرهم، وكفروه، ووشوا به إلى الحاكم وغيره. وما قصد التنقص أبدا برسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف يتنقص وهو رجل عالم، وقد أفنى عمره في طلب العلم؟! إنه جلس في المشرق سبعة عشر سنة، وهو من الأندلس. فكيف بعد ذلك يقال: إنه سيتنقص النبي صلى الله عليه وسلم؟! وإنما قال هذا من باب المعجزة. النبي صلى الله عليه وسلم معلوم أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، فقد يكون جعله الله عز وجل يكتب من باب المعجزة. وإن كان هذا ليس بصحيح، لكن يتأول له هذا الأمر. فإن كان لأجل هذا، فهذا لا شك أنه ليس فيه تنقص بالنبي صلى الله عليه وسلم. لكن كما هو معلوم أن الذي محا هو علي، أو النبي صلى الله عليه وسلم محاها، وأشار إلى علي إلى مكانها، وكتب علي رضي الله عنه. ولكن نسبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو الذي قالها، وهو الذي أبرم الصلح. فهذه المسألة الآن أيضا حصل للإمام ابن حبان مثل هذا الأمر، وقاموا عليه وكفروه، وقالوا: إن هذا رجل ملحد. وهذا كله باطل. رجل ألف في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، واجتهد في العلم وطلبه. مستحيل أن يتنقص النبي صلى الله عليه وسلم. فلهذا فهو لم يقصد بقوله: «أن النبوة هي العلم والعمل»، ليس المراد منها أن النبوة مكتسبة، وإنما أراد أن الأنبياء هم أكثر الناس علما وعملا، أكثر الناس علما وعملا. وهذا كلام صحيح. وهناك مسألة تتفرع من هذه المسألة، وهي: ما هي أدلة النبوة؟ ما هي أدلة النبوة؟ فعلمنا أن النبوة ليست اكتسابا كما يظنه أولئك، بل هي وحي من الله سبحانه وتعالى. لكن هل لها أدلة وبراهين؟ نعم لها أدلة وبراهين. فأهل السنة يقولون: إن النبوة لها أدلة وبراهين كثيرة. وأما بعض أهل البدع، المعتزلة والأشاعرة، يقولون: إن النبوة ليس لها إلا دليل واحد، يقولون: دليل النبوة هو المعجزة فقط. ومن ثم اختلفوا، فالمعتزلة وابن حزم أيضا معهم، التزموا بهذا اللازم، وأن النبوة ليست إلا معجزة. فلهذا ينكرون السحر، وينكرون الجن، وينكرون أشياء كثيرة، يقولون: إن هذا ما يحصل للأنبياء. فالتزموا أن دليل النبوة هو المعجزة. بل إن المعتزلة ينكرون حتى خوارق العادات التي تحصل عند الأولياء، فقالوا: هذا كذب. وهذا مذهب رديء. وقد وافقهم على هذا ابن حزم. وأما الأشاعرة فقالوا: إن الدليل على النبوة هي المعجزة، لكن آمنوا بأن هناك من يظهر على يديه ما يكون من خوارق العادة، مثل السحرة، مثل الأولياء. لكن يقولون: إن المعجزة التي تكون للأنبياء تكون مقرونة بالتحدي، وليس هناك دليل على النبوة إلا هذه المعجزة. وهذا كلام باطل. فالمعجزة، وهي التي سماها أهل السنة آيات وبراهين؛ لأن هذا الذي جاء في الكتاب والسنة، لم يأت لفظ المعجزة. إنما هو لفظ مبتكر. لكن مشى عليه الناس؛ لأنه هو الصلاح. وإلا فالأصل أن الذي جاء في الكتاب والسنة هي الآيات والبراهين. وأدلة النبوة كثيرة، منها ما يسميه هؤلاء معجزة. ومن أعظمها القرآن. وكذلك أيضا ما يكون من الدلائل على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم مما حصل من نبع الماء وتسبيح الطعام وغيرها، فهذه أيضا تدخل في هذه الأدلة، وهي تدخل في الآيات والبراهين. وكذلك أيضا من الأدلة عند أهل السنة على النبوة: ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك ما أمر به أو نهى عنه، أو ما يكون من الأقوال والأفعال. فهذه خمسة أشياء كلها تعتبر من أدلة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا من قرأ في كتب دلائل النبوة للإمام البيهقي رحمه الله، يجد أنه يذكر أخبارا، فهذا من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، أنه يذكر أخبار من سبقه، وأخبار من سيأتي. وكذلك أيضا يأمر بأشياء يكون فيها مصلحة، ينهى عن أشياء تكون فيها مضرة خالصة أو راجحة. كل هذا أيضا من أدلة وبراهين نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك أيضا من أقواله وأفعاله مما يكون فيه من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، فكل هذا يكون أدلة على ذلك. كما قلنا قد ذكر الإمام البيهقي في دلائل النبوة أشياء كثيرة من هذا الباب. وكذلك أبو نعيم. وأيضا ألف شيخنا مقبل في هذا الباب، وذكر أيضا من الدلائل الكثيرة. فكل هذا كما قلنا يعتبر من الأدلة على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وليس كما يقال أو كما يقول الأشاعرة وغيرهم: أن دليل النبوة هو المعجزة فقط، والمعجزة فقط. وأن إثبات المعجزة بالتحدي، إثبات المعجزة بالتحدي. وهذا ليس بصحيح. ولهذا قال شيخ الإسلام: إنهم لم يفرقوا بين النبي والساحر. فيقولون: إن الساحر تحدث عنده خوارق العادات، والنبي كذلك. لكن أين الفرق؟ قالوا: الفرق أن الساحر يفضحه الله لأنه مدع، والنبي لأنه ليس بمدع وهو حقيقة يؤيده الله. يعني جعلوا الأمر أو الفرق بين الساحر والنبي هو التأييد والافتضاح. وهذا كلام باطل. فممكن ساحر يستمر مع الناس يأتي بخوارق العادات، وربنا جل وعلا من حكمته أكثر فضحه. فمعنى ذلك: هل هذا الساحر نبي؟ فلهذا لام بعض أهل العلم الأشاعرة على قولهم في مسألة النبوة، لم يفرقوا بين النبي والساحر. واعترف بهذا أيضا الرازي. فقولهم لا يفرق بين النبي وبين الساحر إلا لأن ذلك الساحر يفضحه الله، وهذا النبي يؤيده الله. يؤيده بماذا؟ بالمعجزة ويتحدى بها. وهذا كله باطل. فلهذا قد يكون من المعجزات - كما يسميها بعضهم - أو الآيات ما يكون فيه تحدي، مثل القرآن. الله عز وجل تحدى به. وقد يكون من المعجزات ما لا يكون فيه تحدي، وإنما يكون فيه من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، مثل تسبيح الطعام، مثل نبع الماء من أصابعه عليه الصلاة والسلام، وغيرها من هذه الأمور. فهذا فرق بين كلام أولئك، وفرق بين كلام أهل السنة رحمهم الله، فهو واضح، وتدل عليه أدلة الكتاب والسنة. هذا خلاصة ما يذكر في هذا المسألة. إن شاء الله سنزيد فيها عند ذكر خوارق العادات للأولياء وكرامات الأولياء. فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونقوم إلى درس آخر. والله تعالى أعلم.

شاركنا على