الدرس في رمضان والمقامات الحسان - مقام القبول 18، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُشدد على أهمية مقام القبول وثمرة الأعمال الصالحة مع ضرورة تجنب القوادح العقدية. الردة والكفر تمحو جميع الأعمال الصالحة السابقة.
يُناقش بعض الأعمال التي تحبط الأجر مثل الشرك بالله وترك الصلاة والعدوان على حقوق الآخرين. يحذر من عواقبها ويشدد على أهمية التوحيد والصلاة والابتعاد عن الظلم.
يتناول خطورة القطيعة والعقوق على قبول الأعمال، حيث حذر النبي ﷺ من عواقبهما. لا يدخل الجنة قاطع رحم، والعاق لوالديه لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا.
يختتم النص بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم. يُظهر التزامًا بالسنة وتعظيمًا لشأن النبي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من المقامات الحسان التي ينبغي أن ينشغل بها الأنام، وخاصة ونحن في مثل هذه الأزمان، في آخر أيام رمضان، العناية بهذا المقام العظيم، بل قل هو مقام عزيز، ألا وهو مقام القبول. القبول، يا عبد الله، هو ثمرة الأعمال، وهو المراد من سعي الإنسان، فما يريده العباد من أهل الإسلام من أعمالهم وأقوالهم وأحوالهم، وجدهم واجتهادهم، إلا أن الله جل وعلا يأذن بقبول الأعمال، فكان هذا مبتغاهم. ولهذا كان أهل الصلاح يلهجون إلى الله بالقبول: «ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم». قال بعض السلف: «كونوا لقبول العمل أشد اهتمامًا من العمل». ليس العبرة، يا عبد الله، أن تعمل، ليس العبرة أن تتعبد الله، ليس العبرة أن تأتي بالأقوال النافعة والأعمال الصالحة، العبرة هي: هل يتقبل الله منك جل وعلا هذه الأعمال أم لا؟ هل يتقبل الله جل وعلا منك هذه الأعمال أم له؟ هنا المحك. لهذا قال: «كونوا لقبول العمل أشد اهتمامًا من العمل»، فإنه من الحرمان، إخواني في الله، أن الإنسان في مثل هذا الشهر المفضال، وقد أتعب نفسه بالطاعات والعبادات والنوافل والقربات، بالصيام والقيام والقرآن، وبالنفقة والبر والإحسان، ثم بعد ذلك يجد أن هذه الأعمال ردت على وجهه، من تفع بها لا في دينه ولا في آخرته، وهذا هو الخسران. قل: «هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا؟ الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا». ومن هنا، إخواني في الله، لزامًا على كل مسلم ومسلمة أن يحتفظ برأس ماله، بأعماله، سواء كان مما تعب عليه في رمضان أو ما كان في سائر الأيام، هذا الذي بذل عليه الكثير، ينبغي أن يحرص عليه بأن لا تتفلت من بين يديه، وذلك بأن تتفقه، يا عبد الله، في مسألة محبطات الأعمال، وهي المحبطات التي متى ما تورط بها إنسان، حكم على عمله بالنقضان والنقصان. وفي هذا المقام، إخواني في الله، وأتحدث عن مقام القبول، سأتحدث عن بعض المعطيات، وهي رؤوس أقلام على بعض الأعمال والأحوال، إذا ابتلي بها إنسان، كان ذلك من أعظم الأسباب في رد الأعمال. أولاها: احذر، يا عبد الله، أن تقع في شيء من القوادح العقدية. احذر، وأعني بالقوادح العقدية، هي القوادح التي مؤداها أنها تخرج المسلم من الدين والملة، فحينها لن يقبل الله جل وعلا منك أي عمل البتة. ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ الردة تمحي، تمحي كل ما سلف. ترتد وتموت على الكفر، محيت عنك الأعمال كل الأعمال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾. ولو فعلت من الإحسان كالجبال، لكن بكفرك وردتك تذهب عليك سدى. فاحذر، يا عبد الله، من القوادح العقدية، منها مثلًا: أن تعتقد الربوبية في غير الله، أن تعتقد الربوبية في غير الله، بأن غير الله يضر وينفع استقلالًا، وأن غير الله بإمكانه أن يهدي القلوب، وأن يعلم الغيوب، وأن يكشف الكروب، وأن يغفر الذنوب، وأن يحقق بذاته كل مقصود ومرغوب ومطلوب. من اعتقد هذا فقد كفر بالله، سواء تعتقد هذا، يا عبد الله، في صنم أو وثن، أو في شجر أو حجر، أو في نبي أو ولي، أو في ساحر أو مشعوذ أو كاهن، شقي، كل هذا كفر بالله العلي جل في علاه. من القوادح العقدية، يا عبد الله، أن تعتقد الألوهية في غيره جل في علاه، كان تعتقد بأن غير الله يمكن أن تصرف له الطاعات والعبادات، وأن تلجأ إليه في قضاء الحاجات، مثلًا كحال من يعتقد في الأموات، فيشد الرحلة في مثل تلكم الزيارات التي يكون فيها الرحلة إلى العتابات، فينطرح بين الأضرحة والأموات، ويلتجئ إلى أصحابها، إلى قبور أهلها، فيأكل من رفاتها ومن ترابها، ثم يتعبد -لا أقول يتعبد الله- بل يتعبد القبور، بأن يتوجه إليها بالخشية والخوف والخضوع، ويعطيها من عبادة الطواف والاعتكاف والخنوع، كل ذلك من الشرك العظيم. إخواني في الله، إن الله سبحانه وتعالى قد توعد أهل الشرك بإحباط الأعمال، كائنًا من كان هذا المشرك، كائنًا من كان: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. بل الله ما هناك ملص من هذه القوادح، يا عبد الله، إلا أن تتجرد بالتوحيد بالله: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. لا تجعل لله شريكًا، ولا تقع في التنديد، كحال من سمعت، يا عبد الله، للأسف كما ابتلينا به في مثل هذه الأزمان، من يعتقد في الأموات وفي الجن وهكذا. إخواني في الله، من هذه المحبطات التي ينبغي على جميع المسلمين والمسلمات أن يكونوا على دراية بها ومعرفة، ما يكون من مسألة ترك الصلاة. ترك الصلاة، يا عبد الله، محبط، إذ أنها من صور الكفر والردة. قال عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». بل ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه من ترك فرضًا واحدًا متعمدًا حتى يخرج وقته، فقد كفر. ونسب هذا القول إلى جمع من الصحابة. بل قال عليه الصلاة والسلام: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله». تحبط الأعمال بترك صلاة العصر. إذا كان هذا في فرض واحد، قل لي بربك، يا عبد الله، ما ظنك بالذي يترك عدة صلوات، بل ولا زال يتعمد في ترك صلاة بعد صلاة، إن صلى صلى على مزاجه دون مبالاة؟ فما ظنكم أن هذا يبقي من أعماله؟ والنبي ﷺ قال: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله». ومن هنا، إخواني في الله، فينبغي أن نرفع رأسًا بالصلاة، لا نستهين بها. أعظم ركن بعد توحيد الله في الصلاة. الصلاة، يا عبد الله، هي المعيار، هي الميزان لسائر الأعمال. إن صلحت، واحفظها، واجعلها قاعدة، إن صلحت صلح سائر عملك، كما قال نبينا، وإن فسدت، فسد سائر عملك. فلا تتعبن نفسك، لا تذهب هنا ولا هنا، لا تذهب لا إلى الصيام ولا إلى القيام، لا إلى التراويح ولا إلى البر ولا إلى الإحسان. إذهب إلى الصلاة، هي المعيار. إن صلحت، أبشر بعد ذلك بكل خير، وإن لم تكن، يا عبد الله، من أهل الصلاة، فما أفلحت ولا أنجحت. كذلك، يا عبد الله، مما يذكر من مخبطات الأعمال، والذي ينبغي أن يتخلص منها الأنام، حفاظًا على أعمالهم، ما يكون من مسألة العدوان. العدوان على أهل الإسلام، بأنك تعتدي على حقوقهم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، هذه محرمات. ومن شؤم هذه المحرمات أنها تعود على الأعمال بماذا؟ بالبطلان، بالإحباط، بالنقصان. روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أتدرون من المفلس؟» قلنا: يا رسول الله، المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال عليه الصلاة والسلام: «المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام، يأتي وزكاة، رجل أتى بأعمال، لكنه شتم هذا، وقذف هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، وأكل مال هذا». ورجل ابتلي، مبتلى في حياته، أن اعتدى على حقوق العباد في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، سب، شتم، قذف، سفك دم هذا، ضرب هذا، أكل مال هذا. فماذا حينها؟ حينها يأخذ من حسناته، فتعطى غرمائه، لأن الناس يريدون العوض في الدنيا، يمكن ما يسمى برد اعتبار في الدنيا. رد اعتبار، إذا تكلمت أو طعنت أو غمزت أو أخذت أو نهبت، لكن في الآخرة ما هناك رد اعتبار، هناك، يا عبد الله، الحسنات والسيئات، فتؤخذ من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته، أخذت من سيئاتهم، فطرحت على ظهره، فألقي في النار، والعياذ بالله. أين صلاته؟ لم يذكر آنفًا أنه يأتي يوم القيامة بصلاة، بصيام، بزكاة، لكنه في الآخر وقع في النار. أين صلاته؟ أين صيامه؟ أين زكاته؟ ولت، لم تستطع أن تواجه حقوق العباد. فاحترز، يا عبد الله، من أن تقع في المظالم. أخرب منها، ومن ابتلي، ومن ابتلي بمظالم العباد، فمن الآن، يا عبد الله، تحلل منها، وذلك بإرجاعها إلى أهلها، وبالمسامحة، وطلب العفو من أصحابها. وهكذا، إخواني في الله، من الأمور التي تؤدي وتؤثر على الأعمال سلبًا، ما يكون من ظاهرة القطيعة والهجران. هذه الظاهرة، مع أنها مما حرمها الله جل وعلا في السنة والقرآن، وهي كذلك من أعظم ما يريده الشيطان أن يجده بين أهل الإسلام، إلا أن من شؤم هذه الظاهرة أنها تعود على الأعمال بالرد والإحباط والبطلان. روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس، فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا». أنظروا أيضًا، الانتظار، تؤخر أعمال المتخاصمين، أعمال المتشاحنين، لا يأذن الله لها بالقبول حتى تصطلح، يا عبد الله، مع أخيك، وحتى تصطلح، يا أمة الله، مع أختك. فالبدار البدار، يا عبد الله، إلى أن تزيل ما في القلوب من الإحن والشحناء والبغضاء، فإنها تؤثر سلبًا على الأعمال. وأعظم ما يكون ذلكم بين الأقارب والأرحام. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة قاطع». قد يكون هذا القاطع مصليًا، قد يكون هذا القاطع ممن يذكر ربه جل وعلا، لكن لا يدخل الجنة قاطع. وأعظم القطيعة، يا عبد الله، ما يكون بينك وبين والديك، ألا وهي ظاهرة العقوق. احذر منها، شؤم عظيم. ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا. ثلاثة أصناف لا يقبل الله مقام القبول لهم شروط. ثلاثة أصناف لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا، على مذهب جمهور العلماء في تفسير هذا الحديث، الصرف والعدل بمعنى الفريضة والنافلة. لا يقبل الله منهم فريضة ولا نافلة، من هؤلاء؟ أول من بدأ بهم نبينا، قال: «العاق، والمنان، والمكذب بالقدر». العاق، مهما صلى أو صام، ومهما قام وقرأ القرآن، لن يقبل الله منه الأعمال حتى يصطلح مع والديه. لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا. وجاء كذلك في السنن، من حديث عمر بن مر الجهني رضي الله تعالى عنه، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات، وأديت زكاة مالي، وصمت رمضان؟» -اسمع، يا عبد الله، يا من حباك بشهر رمضان، وأنت تصلي، وأنت تزكي- فقال عليه الصلاة والسلام: «بشر هذا الرجل». وقد قام بهذه الأعمال، وهي أعظم الأعمال، أركان الإسلام. وقد تكلمنا في أواخر هذه المقامات، رمضان، وأركان الإسلام، من أعظم الأعمال على الإطلاق بعد توحيد الله. فبشر نبينا هذا الرجل بقوله: «من مات على هذا، مات على الشهادة، على الصلاة، على الزكاة، على رمضان، من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء»، ثم قال: «ما لم يعق والديه». فقط بهذا القيد: «ما لم يعق والديه». إن عق والديه، فلن تصل به هذه الأعمال إلى مراتب الصديقين والشهداء. فالله الله، يا عبد الله، إلى شد الانتباه لمثل هذه المحبطات، وأن الإنسان كما قلنا سلفًا، كما تحرص، يا عبد الله، على العمل، احرص، يا عبد الله، على أن الله يتقبل منك هذا العمل، فإنه والله لمن الحرمان كما مر، ومن الخسران، أن تعمل الأعمال، ثم تجدها أمام ناظريك يوم القيامة تذهب عليك هباء منثورًا. ولهذا احرص عليها، يا عبد الله، بالنواجد، دعك، يا عبد الله، من القوادح العقدية، ومن الوقوع في الشرك، دعك، يا عبد الله، من ترك الصلاة، وكن حريصًا على أداء الصلاة، تصلي صلوات الخمس في اليوم والليلة. احرص، يا عبد الله، على رد الحقوق، حقوق العباد، وأن لا تتقحمها، فإنها شؤم عليك في دينك ودنياك وأولاك وأخراك. وهكذا احرص، يا عبد الله، على المسامحة والعفو والمصافحة في هذا الشهر بالذات، وهكذا في كل الأوقات. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.