الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 13، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن اسم الله "الوهاب" صيغة مبالغة تدل على كثرة الهبة والعطية، وقد ورد في ثلاثة مواضع قرآنية. ويبين كيف توسل المؤمنون بهذا الاسم عند طلب الرحمة والملك، مؤكدين مناسبة التوسل بأسماء الله الحسنى لنوع الدعاء.
يؤكد المقطع أن الله سبحانه وتعالى هو الوهاب الذي يتتابع عطاؤه ويملك خزائن السماوات والأرض فيهب من يشاء بلا منازع. ويستعرض أمثلة قرآنية لهباته ك الرحمة التي تنال سعادة الدارين، والنبوة الممنوحة لموسى وهارون، والملك والحكم الذي لا يُنال إلا بإذنه.
يستعرض المقطع دعوات الأنبياء لله بطلب الهبات كالنبوة والملك والزوجة الصالحة والذرية الطيبة، مبيناً أن الأبناء ذكوراً وإناثاً هبة إلهية يجب قبولها. وينكر تشاؤم الجاهلية من البنات مؤكداً أن كل هبة من الله خير.
يختم المؤلف بالتأكيد على أن لله ملك السماوات والأرض، وأنه يهب من يشاء إناثاً أو ذكوراً أو يجمع بينهما أو يجعل من يشاء عقيماً مستشهداً بآية الشورى. ويختتم بالحمد والشكر لله مشيراً إلى أن الترجمة من عمل نانسي قنقر.
الحمد لله، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق عبد المحسن العباد في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": اسم الله الوهاب. قال: وهو اسم تكرر في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع. قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. وهذا دعاء من عباد الله المؤمنين الصادقين، سألوا الله الثبات على الهداية: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾، لا تصرفها عن الحق والهدى ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾، ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾، هب لنا رحمة، وهذا من هبات الرحمن سبحانه وتعالى، فمن رحمته هداية العبد، وهذا من أعظم الرحمات التي ينزلها الله عز وجل على عباده أن يهديه إلى الحق وإلى الطريق المستقيم. ثم قالوا في دعائهم: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، وهذا توسل بهذا الاسم، وهو يناسب دعاءهم. وفي هذا أن التوسل بأسماء الله الحسنى يكون بحسب نوع الدعاء، فإن أردت المغفرة تتوسل باسم الله الغفور أو الغفار، وإن أردت الرزق تتوسل إلى الله باسمه الرزاق، وإن أردت كذلك القوة والعافية تتوسل إلى ربنا سبحانه وتعالى باسمه القوي سبحانه وتعالى، وهكذا كل دعاء يؤتى بالاسم الذي يناسبه. فهنا لما طلبوا الرحمة: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾، ناسَبَ أن يتوسلوا بهذا الاسم: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، أنت الذي تهب الرحمة، فهب لنا من لدنك رحمة. وقال: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾. هذا رد على المشركين وما يعبدون من معبودات باطلة، هل هؤلاء عندهم خزائن رحمة ربك؟ فهو العزيز الذي يعز من يشاء ويرفع من يشاء، وهو الوهاب الذي يهب من خزائنه لمن شاء من عباده. وقال تعالى في ذكر دعاء نبي الله سليمان عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. وهذا أيضًا توسل باسم الله الوهاب، فلما طلب ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده بقوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾، ناسَبَ أن يأتي بهذا الاسم: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، إنك أنت الوهاب. قال: والوهاب هو كثير الهبة والمنة والعطية، هذا معنى الوهاب، وفعال في كلام العرب للمبالغة، ولذلك قال: كثير الهبة، لأن وهاب على وزن فعال، وهذا قد مر معنا في اسم الرزاق وفي اسم الغفار، فهي من صيغة المبالغة. قال: فالله جل وعلا وهاب، يهب لعباده من فضله العظيم، ويوالي عليهم من نعم، يوالي يعني يتابع، ما تنتهي نعمة إلا وتردف بنعمة أخرى، ويوسع لهم في العطاء، يعطيهم عطاءً كثيرًا واسعًا، ويجزل لهم في النوال، النوال يعني ما ينالونه، يجعله كثيرًا وعظيمًا، فجاءت الصفة على فعال لكثرة ذلك وتواليه وتنوعه وسعته. ما قال: الواهب، الواهب هنا ليس صيغة مبالغة إنما هو اسم فاعل، فلما كان كثير العطاء وواسع العطاء، عطاءه متوالٍ متتابع، جاء بهذا الاسم الذي يدل على المبالغة. قال: وهو سبحانه بيده خزائن كل شيء، وملكوت السماء والأرض، ومقاليد الأمور، يتصرف في ملكه كيف شاء، فهو يعطي من ملكه من شاء كيف شاء سبحانه وتعالى، فهو الذي يملك خزائن السماوات والأرض فهي بيده سبحانه وتعالى، ورزق الله واسع، لما يرزق عبده لا يأخذ هذا الرزق من إنسان آخر، لا يعطيه رزقًا لم يكن مع أحد، لا يتضرر أحد من هذا الرزق الذي يعطيه هذا العبد، لأن عطاء الله واسع وخزائنه ملأى سبحانه وتعالى. قال: وقد ذكر الله عز وجل في القرآن الكريم أنواعًا من هباته، وذكر توجه أنبيائه والصالحين من عباده إليه في طلبها ونيلها، فذكر من هباته الرحمة كما تقدم معنا، هذه الرحمة التي من نالها نال سعادة الدنيا والآخرة، من رحمه الله ووهب له من لدنه رحمة نال سعادة الدارين، سعادة الدنيا والآخرة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾، هؤلاء الأنبياء. وقال في موسى وهارون: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمَا مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾، نالا رحمة الله فصارا نبيين من أنبياء الله. وكما مر في الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾، كان الأنبياء والصالحون يدعون الله ويسألونه الرحمة. وكما تقدم معنى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾، فرحمة الله بيد الله سبحانه وتعالى لا بيد غيره. وذكر أيضًا من هباته عز وجل الملك والحكم، هذا هب من الله يعطيها من يشاء من عباده وينزعها عمن يشاء من عباده، كما قال الله عز وجل: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، هب لي ربي حكمًا، فالحكم من الله ليس بيد الخلق، مهما حاول الخلق أن ينصبوك حاكماً أو والياً ولم يرد الله عز وجل ذلك لا يمكن أن تصل إلى هذه المرتبة، لأن الملك هب من الله، فمن شاء الله أن يصل إلى هذا الملك وهذا الحكم وصل وإلا فلا. وقال تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، أنبياء الله يدعون ربهم عز وجل أن يعطيهم الحكم، والحكم هنا بمعنى النبوة والرسالة. وقال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، سليمان عليه السلام دعا بهذا الدعاء. فإذا من هباته الرحمة، ومن هباته الملك والحكم، وكذلك من هباته ومنته على عبده الزوجة الصالحة، هذا أيضًا هبة من الله، الزوجة الصالحة والذرية الطيبة هذا أيضًا هبة من العزيز الوهاب سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾، هب لنا، كان الصالحون يدعون بالذرية الطيبة التي تكون قرة عين، كيف تكون الذرية قرة عين لأبيهم؟ إذا كانوا على صلاح وعلى خير وعلى بر وطاعة وعلى استقامة، هنا تقر أعين الوالدين، هذا هو صلاح الأبناء. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾، هب لهم أو هب له إسحاق ويعقوب. وقال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾، هذا كله هب، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾. وقال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. فإذا الولد الصالح هبة من الله، هبة من الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾. فالبنات وحدهن هبة من الله، والهبة حقها أن تقبل، ولذلك ذم الله عز وجل أهل الجاهلية لتشاؤمهم وتضجرهم من البنات، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. فالبنات هبة من الله، والهبة حقها أن تقبل. وهكذا الذكور وحدهم هبة من الله، ويجعله ويجعله ويجعله ويجعله ذكرانًا وإناثًا، يعني يجمع العبد بين البنات والأولاد، وهذه أيضًا هبة ونعمة عظيمة من الله عز وجل، ويجعل من يشاء عقيمًا، فالأمر لله لأنه هو الوهاب، لأنه هو الوهاب. فإذن يقتضي هذا الاسم معاني عظيمة من طلب الهبة من الله سبحانه وتعالى، وقد طلبها الأنبياء، إن أردت ولدًا قل: هب لي من لدنك ذرية طيبة، إن أردت رزقًا قل: هب لي رزقًا حلالًا طيبًا مباركًا فيه، إن أردت علمًا قل: هب لي علمًا، لأن الوهاب هو الله سبحانه وتعالى، وسُمِّيَ اسمه الوهاب لأنه كثير العطاء وواسع البذل سبحانه وتعالى والمنة. فإذن هذا اسم عظيم من أسماء الله عز وجل. قال المؤلف: هذه الهبات المتنوعة بيده سبحانه، فهو المالك لهذا الكون المتصرف فيه سبحانه كما شاء، قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. اللهم لك الحمد شكرًا، ولك المِنّ فضلًا. بهذا نكتفي، وإلهنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر