الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 45، ألقاها
الخوض في القدر محرم وقد يؤدي إلى الشك في الإيمان، وقد نهى الله عنه في القرآن الكريم. الاعتراض على أفعال الله عز وجل قد ينتهي بالكفر.
الراسخون في العلم يؤمنون بالغيبيات ويعرفون حدود علمهم، ويفرقون بين ما هو معلوم وما هو غيب لا يعلمه إلا الله. العلم نوعان: علم موجود لدى البشر، وعلم مفقود وهو علم الغيب.
ادعاء علم الغيب يعتبر كفرًا بالله، سواء كان من خلال السحر أو الكهانة أو غيرها. العلماء اتفقوا على كفر من يدعي معرفة الغيب لأنه يدعي معرفة ما استأثر الله به.
المؤلف يختتم درسه مؤكدًا على الاكتفاء بما قدمه من معلومات، ويشير إلى أن الله تعالى هو الأعلم بكل شيء. التأكيد على أن ما تم تقديمه كافٍ بإذن الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قرأنا في الدرس الذي مضى قول المؤلف الإمام الطحاوي -رحمه الله-: «وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسلم الحرمان ودرجة الطغيان». فلهذا ذكرنا في الدرس الذي مضى بعض الأسباب التي أدت إلى ضلال من ضل في القدر، وآخر ما ذكرنا هو سبب الخوض في القدر. والخوض في القدر قد نهى عنه ربنا سبحانه وتعالى، فقال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. المراد بالخوض في القدر هو الاعتراض على قدر الله عز وجل، لما صار كذا ولما فعل كذا، فـ «لا يسألوا عما يفعل وهم يسألون». فقال المؤلف -رحمه الله تعالى-: «فمن خاق فالنظر في ذلك» أي في الخوض في قدر الله جل وعلا؛ لأن الخائض كأنه يريد أن يعرف سر الله عز وجل من قدره، سر الله عز وجل في خلقه القدر. فربنا جل وعلا له ما يشاء في خلقه، فقد يبتليهم، يبتلي عباده الصالحين بشيء مما يكون ظاهره شرًا للناس، وقد يعطي الدنيا أيضًا من أفجر الناس، ويجعل أصلح الناس وأتقى الناس من الفقراء. فكل هذا من الله جل وعلا له حكمة بالغة سبحانه وتعالى، فلا يجوز أن يعترض على الله. فالاعتراض على الله كما قال المؤلف هنا «زريعة الخذلان وسلم الحرمان ودرجة الطغيان». ثم قال: «فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا أي في أفعال الله عز وجل، وفكرًا أي فيما يحكم الله عز وجل في عباده، ووسوسة عن التشكيك أن يشك في أفعال الله سبحانه وتعالى». وكل ذلك يؤدي إلى الشك في إيمانه، وهذا قد يؤديه إلى الكفر والعياذ بالله. قال: «فإن الله طوى علم القدر عن أنامه ونهاهم عن مرامه» عن غايته سبحانه وتعالى، لا يعلمها إلا هو، فهو له الحكمة البالغة. إلا إذا ذكر ربنا سبحانه وتعالى علة ذلك. ولهذا يقول شيخ الإسلام -رحمه الله-: «وضلال الخلق في القدر كل من شاء من الخوض في القدر أو من الخوض في قدره». فالذين يخوضون في القدر فهم يريدون أن يعرفوا غاية الله جل وعلا في أفعاله، وهذا قد نهى عنه كما قال: «ونهاهم عن مرامه». كما قال الله عز وجل: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. فمن سأل «لما فعل» فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين. وغالب هؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال ويعترضون على الله عز وجل هم من الكفرة، لكن قد يفعلها بعض المسلمين جهلًا. وكذلك يفعلها بعض الفلاسفة الذين يخوضون في قدر الله جل وعلا، وكذلك كما تقدم معنا قد يفعلها عن الضلال من المعتزلة وغيرهم، يكون عندهم مثل هذا الفعل. قال -رحمه الله-: «فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم؛ لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود». فإنكار العلم الموجود كفر، والدعاء العلم المفقود كفر. ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود وترك طلب العلم المفقود. فالآن يقول -رحمه الله-: إن هذا جملة ما يحتاج إليه ما ذكره من الأمور من الإيمان بالغيبيات كالجنة والنار والحوض والشفاعة والنفاق، وكذلك كالإيمان بالله جل وعلا أولًا، وكذلك الإيمان بالقدر والإيمان بالملائكة والرسل، وغير مما ذكره -رحمه الله تعالى- مما هو واجب على العبد أن يعتقده في دين الله جل وعلا. وكذلك أيضًا يعلم أن الله عنده علم كل شيء سبحانه وتعالى، وأيضًا كذلك أنه كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض. وربنا جل وعلا هو الذي خلق كل شيء سبحانه وتعالى، وله المشيئة النافذة في كل شيء. ثم ذكر -رحمه الله-: أن هذا من اعتقده فهو درجة الراسخين في العلم، فمن علم هذه الأمور واعتقدها فهو ولي الله جل وعلا الذي اتبع فيه كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم-. ثم ذكر مسألة أخرى، وهو قال: «لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وهو العلم الذي بينه الله عز وجل وذكره الله عز وجل»، سواء كان من الإيمان بالله جل وعلا وبكتابه وبرسله وملائكته وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، أو الإيمان أيضًا بما جعله الله عز وجل من أحكام الشريعة. فكل هذا يعتبر من العلم الموجود الذي ذكره الله. قال: «وعلم في الخلق مفقود، وهو علم الغيب». علم أفعال الله عز وجل وأنه سيحصل كذا، هذا ما يعلمه إلا الله. وهذا الذي ذكره الله عز وجل في بعض الآيات، منها قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. وهذه مفاتيح الغيب كما قال الله عز وجل: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾. وجاء في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مفاتيح الغيب خمس» وذكر هذه الآية. فهذه الآية غيبها الله عز وجل عن خلقه، فلهذا من ادعى هذه الأشياء فقد كفر. من ادعى علم الغيب وأنه يعلم ما سيكون من قدر الله عز وجل فإنه كافر. ولهذا اتفق العلماء على أن مدعي علم الغيب يكفر، سواء كان ساحرًا أو كاهنًا أو عرافًا أو غير ذلك، يعتبر كافرًا بالله جل وعلا لأنه ادعى علم الغيب. قال الله عز وجل: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنْزِلُ الشَيَاطِينُ تَنْزِلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾. قال: «والدعاء العلم المفقود كفر»، ادعاء العلم المفقود وهو ادعاء علم الغيب. وقال قبل ذلك: «إنكار العلم الموجود كفر»، إنكار هذا العلم الذي ذكره الله عز وجل فهو تكذيب لله، إذا أنكر علم الله عز وجل الذي ذكره ووضحه فهو تكذيب لله جل وعلا فهو كافر. وأيضًا إنكار علم الله عز وجل بالخلق أيضًا كذلك يعتبر كفر، مثل ما أنكر بعض القدرية الغلاة علم الله سبحانه وتعالى وقالوا: إن الله عز وجل لا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع. وهؤلاء كفروا كما كفرهم السلف. وقال الإمام الشافعي -رحمه الله-: «جادل القدرية في العلم؛ فإنهم أنكروه». كفروا وإنهم أقر به خصموه. قال: «ودعا العلم الغيب كفر أيضًا»، الذي يدعي علم الغيب يكفر. وكذلك من ذلك علم حقائق الأشياء أو علم أفعال الله عز وجل في الخلق، فهذا لا يعلم إلا الله. ومنها هذه المفاتيح الخمس التي غيبها الله عز وجل على الناس إلا ما أطلع الله عز وجل بعض رسله على شيء من ذلك. قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾. فالله عز وجل يقول هنا: إنه لا يعطي أحد هذا العلم ولا يطلع عليه أحد إلا ما كان من الأنبياء والرسل، ما كان من الأنبياء والرسل فقد يطلعهم على شيء من ذلك. قال: ﴿وَلَا يَثْبُتُ الْإِيمَانِ إِلَّا بِقَبُولِ الْعِلْمِ الْمَوْجُودِ وَتَرْكِ طَلَبِ الْعِلْمِ الْمَفْقُودِ﴾. العِلْم المفقود الذي تذكر أيضًا لا يجوز للمؤمن للمسلم أن يطلبه. وإنما يطلبه من كان في خلل في إيمانه، فلهذا تجد من يذهب إلى السحرة لأجل أن يعلم علم الغيب الذي غيبه الله عنه، يذهب إلى الكهنة، يذهب إلى المشعوذين. فهذا ولهذا جاء في الحديث: «من سأل كاهنًا أو عرافًا لم يقبل منه صلاة أربعين ليلة». أو قال: «أربعين صباحًا»، ما يقبل الله عز وجل منه هذه الصلوات. وجاء في السنن: «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام». فهذا شيء مما يكفي -إن شاء الله- نكتفي بهذا. الله تعالى أعلم.