الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 46، ألقاها
يؤمن المسلمون بأن الله كتب مقادير الخلق في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض. هذا الإيمان جزء من مرتبة الكتابة، وهي المرتبة الثانية من مراتب القدر.
القلم هو من مخلوقات الله العظيمة والسابقة، وهناك خلاف حول ما إذا كان أول مخلوق أم لا. الجمع بين الأحاديث يدل على أنه من المخلوقات القديمة التي خلقت بعد العرش والماء.
الإيمان بالقدر يمنح المؤمن الثقة بالله وعدم الخوف من المخلوقات، مع الأخذ بالأسباب. التوكل الصحيح يجمع بين الاعتماد على الله وفعل الأسباب، وترك الأسباب دون توكل يدل على نقص في الإيمان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فنؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قدرا، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعله غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعله كائنا لم يقدروا عليه. جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. قالوا: لما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه. فهذا الكلام الذي يكرهه بعض المتحاملين، رحمه الله أيضا، يتبع الكلام في القدر، وأراد تفصيلا في بعض مسائل القدر، ومنها اللوح والقلم. اللوح والقلم يدخلان في المرتبة الثانية من مراتب القدر، وهو مرتبة الكتابة. وهذه الكتابة كتبها الله عز وجل في اللوح المحفوظ، الذي أيضا سماه الله عز وجل المكنون، لوح المكنون، إنه كتاب مكنون، أو قال: في كتاب مكنون، أنا كتاب. فسمى ذلك اللوح كتابا مكنونا. وأيضا القلم جاء في الحديث أنه الذي يكتب به في هذا اللوح، فلهذا فهو متعلق في المرتبة الثانية من مراتب القدر، وهو الكتابة في اللوح. وهذا اللوح جعله عز وجل كتابا لكل ما يقع في هذه الأرض. جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء". فدل على أن هذه الكتابة القديمة قبل خلق السماوات والأرض. ونؤمن باللوح والقلم. وأما القلم، فأيضا جاء أن الله عز وجل أمر القلم بالكتابة. جاء الحسن بن الصباح في السند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة". فهذا القلم هو الذي كتب به هذا اللوح، كما أخبر الله عز وجل عن ذلك، أو كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. والمراد بالقول: "والقلم وما يسطرون" ممكن أن يكون هو نفسه، ممكن أن أراد الله عز وجل كل قلم. ورد أيضا أن الله سبحانه وتعالى جعل هذا القلم الذي يكون نبيا، فقال: "ونحن نحمل الكتاب". فالقلم هو من مخلوقات الله عز وجل العظيمة والسابقة. لكن كما هو معلوم لديكم أنه حصل خلاف بين أهل العلم: هل القلم هو أول مخلوق، أو أن هناك ما خلق قبله؟ وهذا يأتي الخلاف في الجمع بين حديثين: حديث عبد الله بن عمر بن العاص، وحديث عبادة بن الصامت. فحديث عبد الله بن عمر بن العاص في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء". فمعنى ذلك أن الله عز وجل قدر مقادير الخلق، وكتبها، لكن هناك مخلوقات موجودة، وهي العرش والماء. وحديث عبادة بن الصامت يدل على أن أول ما خلق الله القلم. وجاء في رواية: "أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب". فهذا يدل على أن الله عز وجل لما خلق القلم أمره بالكتابة، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. فخلاصة الأمر أن القلم هو من مخلوقات الله عز وجل، وليس هو أول مخلوق. وأيضا لو قلنا أنه أول مخلوق، سيدخل في المسألة التي جعلناها قبل متسلسلة، لأن أهل السنة يرون أن الله موجود منذ الأزل، وهو خالق، يخلق ويبرئ. فلهذا فلو قلنا أن القلم أول مخلوقات، جعلنا المخلوقات أولا، وهذا يصبح غير صحيح. فلهذا لابد أن يوجه هذا الحديث مع حديث عبد الله بن عمر، فيجمع بينهما على أن هذه من المخلوقات القديمة. وأيضا جاء في الحديث ما يدل على أن الله عز وجل قدر مقادير الخلق بعلمه سبحانه وتعالى، ثم كتبها في اللوح المحفوظ. وهذا يدل على أن خلق القلم بعد التقدير. وأيضا في دلائل صحيحة في صحيح مسلم تدل على أن العرش والماء كانا قبل القلم. وأخلص لهم أن القلم هو من هذه المخلوقات القديمة، وصحيح أن العرش قبل القلم، والماء قبل ذلك. وقد دل على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أكثر من كتاب، وذكر أيضا في الكافية الشافية. قال رحمه الله: "ومن جملة ما دل عليه الكتاب والسنة أن ما قدره الله عز وجل فقد كتبه، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعله غير كائن لم يقدروا عليه". وهذا أيضا يفسر حديث عبد الله بن عباس الذي رواه مسلم في صحيحه، من حديث حنظلة الصنعاني، عن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا قوم اعلموا أن الله لو أنفقتم ما في الأرض جميعا ما أصلحتم بين أهل بيت، وإذا استعنت فاستعن بالله". وأعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. جفت أقلام الرسل، وجفت الصحف، وجف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. فدل على أنه كما قال المؤلف: "فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعله غير كائن لم يقدروا عليه". لأنه كتب الله عز وجل لك الضغطة والمصيبة، وحاول الجميع من في الأرض أن يدفعوها لا يستطيعون. انظر إلى الموت الذي يأتي بعض الناس، وعنده أكثر من طبيب، وعنده خطباء العالم، هذا يفعل كذا، وهذا يفعل كذا، ما يستطيعون أن يفتدوا حياته، لأن الله عز وجل كتب عليه الموت. وهذه عقيدة الإيمان بالقدر، يعلم أنه ما يصيبه ما كان إلا من الله، وما يكون نفع إلا من الله. وهذا يجعل قلبه لا يخاف أحدا إلا الله، ويعلم أن كل مخلوق في هذه الأرض لا يضر، وليس مع ذلك أنه مدللا، يعلن نائسا أو كذلك، إنما يكون في قلبه أنه ما من مخلوق في هذه الحياة يستطيع أن ينفعه أو يضره إلا بإذن الله سبحانه وتعالى. وليس معنى ذلك أنه يتسبب في ضرر نفسه، لأن الله عز وجل جعل أسبابا في هذا الوجود، فلا يضر المسلم أو المؤمن أن يتسبب في ضرر نفسه. ثم يقول: مثلا أنا أؤمن أن الضر من الله، والنفع من الله، صحيح هذا، لكن جعل الله عز وجل أسبابا، ينبغي على المسلم أن يستعملها. وأيضا لا ينبغي أن يعلق الأماكن التي قد يعلق فيها إيمانه، فلهذا فالتعلق بالسبب هو من التوكل، لأن الله عز وجل والاعتماد عليه، وترك السبب نقص في العقيدة. ترك السبب نقص في العقيدة. مهما تركت الشخص بشيء من هذه الأمور.