التعليق على العقيدة الطحاوية 30

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 30، ألقاها

التسليم والاستسلام في فهم الدين

يناقش أهمية التسليم والاستسلام في فهم القرآن والسنة، ويوضح أن بعض المعاني قد تخفى على بعض العلماء. كما يشدد على أن عدم التسليم لأحكام الله قد يؤدي إلى زلل القدم في الدين.

التعامل مع الشكوك والشبهات

يناقش كيفية التعامل مع الشكوك والشبهات التي قد تنشأ حول أحكام الشريعة، ويؤكد على أهمية البحث عن الحقيقة والاستعانة بالعلماء لتبديد الشكوك.

موقف أهل السنة من نصوص الكتاب والسنة

يجب على المسلم أن يستسلم لنصوص الكتاب والسنة ولا يتشكك فيها، بينما أهل البدع يثيرون الشبهات حول أدلة الكتاب والسنة.

التحذير من الفتن وطرق التعامل معها

يُنصح بالتحلي بالحذر عند مواجهة الفتن، وعدم السماح لها بالتغلغل في القلب بسهولة، بل يجب عرضها أولًا وفحصها قبل قبولها أو رفضها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فخذنا في الدرس الذي مضى قول مؤلفنا، رحمه الله تعالى: «ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه». وذكرنا أن الاشتباه أو المشتبهات على قسمين: منهما إذا ردت إلى المحكم عرف معناه وحقيقته، ومنهما إذا لم يرد إلى المحكم لا تعرف حقيقته. وقال بعضهم: العلم وهم، باب التنبيه أن المشتبهات أو ليس في القرآن شيء لا يعلم معناه؟ ليس في القرآن شيء لا يعلم معناه، بل القرآن كله محكم، فلا يقال: مثلا أن القرآن فيه أشياء لا تعلم معناه، لا يعلمه الجميع، ليس هناك أحد يعلمه، هذا كلام باطل، هذا كلام باطل على صد المعاني. أما الحقائق، فبعض الحقائق لا تعلم، لا يعلمها إلا الله، كما ذكرنا. وأما المعاني، فمن ناحية المعنى المرتكز، فلا بد أن هناك من العلماء أو من الناس من يعلم معناه. ولهذا الله عز وجل لما قال في مسألة الكلب أو في مسألة أصحاب الكهف: ﴿وَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ وَرَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ وَسَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، قال ابن عباس: «أنا من القليل»؛ أي من يعلم ذلك. فقد تخفى بعض الآيات وبعض معانيها على بعض العلماء، حتى لهذا جاء عن الصديق، رضي الله عنه -أبو بكر- أنه لما قرأ: ﴿فَاكِهَةً وَأَبًا﴾، فقال: «أما الفاكهة فمعروف، وأما الأب فأي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟». وكذلك جاء عن عمر، رضي الله عنه. وهذا يدل على أن بعض الأشياء تخفى على بعض العلماء الكبار، ويعلمها غيرهم، ولو كان دونه. لكن لا يخفى معاني هذه الأشياء على الجميع، لكن الحقائق تخفى. وأيضًا، إذا كان العلم بالنسبة للأمر النسبي، معناه عدم المعرفة النسبية، فهذا موجود، ممكن بعض الأشياء يعلمها الناس، وناس لا يعلمونها. كما ذكر عن ابن عباس، قال: ﴿مَا يَعْلَمُهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾؛ أي من يعلم ذلك. وكذلك أيضًا بعض الصحابة، رضي الله عنهم، يعلم بعض الأشياء، وبعضهم لا يعلمها. مثلا حذيفة اختص في معرفة الفتن، فهو يعرف فتنًا كثيرة. وهكذا تجد أيضًا زيد بن ثابت تخصص في الفرائض، وعرف أشياء كثيرة، حتى شهد له بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. فلهذا، أول حديث معناه مختلف فيه، وأكثر العلم على إرساله على أنه مرسل. وصح منه في الصحيحين في فضل أبي عبيدة أنه «أمين هذه الأمة». طيب، فلهذا، فأما حقائق الأشياء، فقد لا تعلم كيفية هذه الأشياء وحقائقها، قد لا تعلم، كما ذكرنا حقائق الجنة والنار، حقائق الصفات، أيضًا حقائق الحروف، معانيها هي حروف معروفة أنها حروف هجائية، حروف مقطعة، لكن إشارات الله عز وجل بهذا، هذا قد لا يعلمه إلا الله عز وجل. ومع أن هذه أيضًا قد ذكر كثير من العلماء لها معاني، بل جزم شيخ الإسلام أن لها معنى. وحاول كثير من العلماء ذكر معنى من المعاني بجمع هذه الأحرف وما جاء بعدها. واتفق العلماء، كما قال الإمام أحمد، على أن هذه الأحرف تدل على إعجاز القرآن، تدل على أن هذا القرآن الذي بين أيديكم هو مكون من هذه الأحرف. فقوله هنا: «ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه»، ثم قال رحمه الله: «ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام». التسليم والاستسلام؛ أي دين الله عز وجل قائم على هذا، على التسليم والاستسلام لله عز وجل، ولأحكامه، ولقضائه وقدره، على الأحكام الكونية والشرعية، فلابد أن يسلم العبد لها. فإذا وجد الشك، إذا وجد الشك، فهذا مزلق للقدم، إذا وجد الشك في الإسلام أو في القرآن أو في السنة، فإن هذا مزلق القدم. فلهذا لا تثبت القدم -قدم الإسلام- إلا على ظهر التسليم والاستسلام. فإذا وجد الشك، كما قلنا، فإنها تزل هذه القدم، تزل هذه القدم. فإن كان مثلا كان على عقيدة صحيحة، ثم وجد الشك، فهذا زلل، قد زلت قدمه بعد ثبوتها. وإن كان هذا الشك في شيء من أفراد الشريعة، فهذا لابد عليه أن يبحث عن من يزيل عنه هذا الشك. أحيانًا يحصل للإنسان شك في بعض الأحكام. بعض الناس مثلا يتعثر أحيانًا بالمادية. وهذا كما ذكرنا أن البراهين التي استدل بها الناس على شريعة الله جل وعلا هي ثلاثة: برهان عقلي، وهو ناقص، وبرهان عاطفي، وهو فطرة، وبرهان ديني، وهو الذي يقوم عليه شرع الله جل وعلا. والبرهان الديني يقين، لا شك فيه. فلهذا من اعتقد أن أدلة الكتاب وسنة قينية، لا يدخله الشك أبدًا. لكن إذا دخل العقل، دخلت الشكوك. إذا دخل العقل وقدم على النص، فدخلت بعد ذلك الشكوك. ولهذا تجد غالب أهل السنة ما يترددون في أحكام الله عز وجل، ما يترددون، ولا يشكون في أحكام الله سبحانه وتعالى. لكن أحيانًا مثلا يحصل إشكال في بعض الأدلة، يحصل إشكال في بعض الأدلة، يبينه العلماء. إذا بحث الإنسان عن مسألة مثلا جاءت إليه، اشتبه فيها أو اشتبهت عليه الأدلة، سواء كانت في العقائد أو في الأعمال، إن كان طالب علم يبحث، أو أنه يسأل العلماء حتى يبين له هذا الالتباس. ولا ينبغي له أن يدخلها في قلبه، يبقى على اليقين، يبقى على ما هو عليه، لا يدخل الشبهات في قلبه. ولهذا تأتي المزالق وتأتي الضلالات بسبب إدخال الشبهات في القلوب. يأتي الإنسان مثلا يتلبس عليه أمر، فيقوم ويجعل همه كله في هذا الأمر، وكأنه لا يعرف من الإسلام ولا يعرف من العقائد إلا هذه المسألة: كيف هذا؟ حصل؟ ليش؟ يقول هؤلاء مثلا أهل الإسلام والسنة كذا، وهذا الحديث جاء كذا وكذا، أو جاء في القرآن كذا وكذا. يعني هو ما فهم هذه الآية، لكن دخلت في قلبه هذه الشبهة وتلبسها. ولهذا أكثر الضلال يكون من هذا الباب. يأتي الرجل تأتيه شبهة من أعداء الله عز وجل، أو من من لم تتصفى فطرته وعقيدته، فيدخل على الناس الشبهات، فتبقى هذه الشبهة في قلب هذا الحيران، فيبحث عن حل. إن كان مثلا هو صادق، فربنا جل وعلا يوفقه، ويبين له هذه المسألة. وإن كان ليس بصادق، فقد يضل في هذه المسألة، ويخرج عن سواء السبيل، وتزل قدمه بعد ثبوتها. فلهذا يحذر الإنسان من إدخال الشبهات على قلبه. وكذلك أيضًا استمرارها، أحيانًا تأتي للإنسان شكوك، هذا حاصل لكل إنسان. فها هو الصحابة، رضي الله عنهم، كما جاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: أن الصحابة، رضي الله عنهم، جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وقالوا: «يا رسول الله، إنا لنجد في صدورنا شيئًا، لو نكلم به أحب إلينا أن نتكلم به»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوجدتم ذلك؟» قالوا: نعم. قال: «ذاك صريح الإيمان». لكن لا ينبغي للإنسان أن يستمر فيه، حاول أن تجاوزه، استعذ بالله. يقول: «آمنت بالله». جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلقك؟ فيقول: الله. فيقول: من خلق الله؟ فإذا بلغ ذلك أحدكم، فليقل: آمنت بالله». فهذه الشكوك تأتي للإنسان، الذي أحيانًا يفرر نفسه وعقله في الأوهام، تأتيه الشكوك ويستمر معها. لكن ناحية الشكوك تأتي، قد تأتي لكل إنسان، لكن إنسان يكون قويا فيدفعها، وإنسان يكون ضعيفًا فيسترسل معها. وهذا الاسترسال هو الذي يؤدي بعد ذلك إلى تغيير الحقائق وتغيير الأشياء. فلهذا سواء كانت الشبهة هذه في العقائد أو في المعاملات، فلا ينبغي للإنسان أن يضعها في نفسه دون أن يعرضها على العلماء، وخاصة إذا كان شك في النصوص، فهذا خطير. إذا كان شك في النصوص، يحصل هذا عند مثلا بعض الضعفاء، خاصة من أهل البدع. وغالبًا أهل السنة، بحمد الله، تجد أنه مستسلم لكتاب الله جل وعلا، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا بحمد الله مما ميز به أهل السنة عن غيرهم، أنهم لا يضعون العوارض على كتاب الله عز وجل، وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وإنما تجد هذه عند أهل البدع، يقولون مثلا: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا، لكن قال في مكان كذا، كذا، لماذا هذا؟ لماذا قال كذا، ولماذا لم يقل كذا؟ معنى تساؤلات عن طريق الشك، ليس عن طريق السؤال الذي يريد أن يجيب عنه، لا، عن طريق التشكيك في أدلة الكتاب والسنة. وهذا كما قلنا يحصل كثيرًا عند أهل البدع. وإذا حصل لرجل من أهل السنة، فإن الواجب عليه أولًا أن يستسلم لله عز وجل. على سبيل المثال، حديث الضباب، حديث جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري، من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وقع الضباب في ناحيتكم، فليغمس يده، ثم ليشمها، ثم ليشربها؛ فإن في أحد جنبيها داء، وفي الآخر شفاء». هذا حديث صحيح، رواه البخاري. فأهل السنة يستسلمون لمثل هذه الأشياء، ويسلمون لها. لكن أهل العقل ما يسلمون، ما يسلمون لمثل هذه الأشياء، يقولون: لا، هذا باطل، كيف هذا؟ الضباب يحمل الأبخرة، ويحمل كذا، ويحمل كذا، كيف يكون بعد ذلك دواء؟ فلا يصدقون من مثل هذه الأشياء. تجد أيضًا ينكرون مثلا قضية المسيح الدجال، حتى في عصرنا هذا، من الماديين، حتى بعض من يدعو إلى السنة أحيانًا، لكن تجد تلبس ببعض العقليات. على سبيل المثال، الشيخ محمد رشيد رضا، فهذا الرجل يدعو إلى السنة، وأيضًا يدعو إلى عدم التقليد والاجتهاد، لكن وقع في شيء من العقليات أخذها عن شيخه محمد عبده. فلهذا تجد ينكر المسيح الدجال، هو أراد مثلا أن ينكره من ناحية الأدلة، وأنها ليست صحيحة، وأنها كذا. وساعده بعض المصريين في ذلك، لكن ما أفلحوا، ولا أتوا بشيء. فلا، الأحاديث كثيرة في الدجال، وصار عنده للسنة يقين، صار عنده للسنة يقين، لكثرة الأحاديث التي جاءت فيه. وكذلك المهدي المنتظر، وكذلك أيضًا الأحاديث التي جاءت مثل: ضرب موسى لملك الموت لما فقأ عينه، وغيرها من هذه الأشياء التي تأتي في الأحاديث، قد لا يستوعبها العقل، قد لا يستوعبها العقل. لكن ينبغي للمسلم أن يستسلم لنصوص الكتاب والسنة، ما دام أنها جاءت في الكتاب والسنة، فالواجب عليه أن يستسلم لها. فهنا ذكر التسليم والاستسلام، التسليم والاستسلام: أن يسلم لما جاء من الأشياء التي قد لا يعرفها، وقد لا يعقلها. والاستسلام هو الانقياد والطاعة، الانقياد والطاعة لما جاء في الكتاب والسنة. فلهذا لا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام لله سبحانه وتعالى. فلهذا نجعل هذه الأمور نصب عينيه. وأختم بما قاله الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى، بمسألة المشتبهات، مما نبهنا عليه من إدخال الشبهات في القلوب. فقال الإمام ابن القيم: «كنت أدخل الشبهة في قلبي، فتفعل في قلبي أفعالها». يعني يدخل الشبهات بسرعة، ويفكر فيها: كيف هذا؟ كيف حصل هذا؟ لماذا استدلوا بهذا القول؟ كيف السنة؟ قالوا كذا، وهذا الدليل كذا. فيقوم يفكر في مثل هذه الأشياء، وينسى الأدلة المحكمة التي جاءت من كتاب الله جل وعلا. على سبيل المثال، من باب مثلا الاستغاثة، بعض الناس مثلا يأتي يقرأ عن الصوفية، وأنهم يجيزون مثلا الاستغاثات، يجوزون الاستغاثة بغير الله جل وعلا فيما لا يقدر عليه إلا الله. وإذا نظر إلى أدلتهم، تجد أنها قصص، جاء عند ابن أبي شيبة أن مالك الدار كذا، جاء رجل إلى عمر أيضًا في قصة العتيبي أو العبسي، وغيرها من هذه القصص. فتجد هذا صاحبنا إذا قرأ هذا، نظر إلى هذه القصة، وكأن هذا هو الدين، ونسى الأدلة المحكمة التي في كتاب الله، وفي سنة رسوله: أنه لا يدعى غير الله عز وجل فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى. وأن الذين يدعون غير الله سبحانه وتعالى هم وقعوا في الشرك، كما صرحت بذلك الآيات. فينسى هذا كله، وينظر إلى هذه القصة، وكأن هذه القصة هي التي يؤخذ بها، وتترك الأشياء المحكمة. فلهذا قال شيخ الإسلام ابن القيم: «لا تجعل قلبك كالإسفنجة تتشرب الفتن، ولكن اجعل قلبك كالزجاجة، تعرض عليه الفتن أولًا، تعرض عليه الفتن، لا تدخلها مثل إسفنجة بسرعة تدخل تشرب الماء، لكن الزجاجة تعرض الماء، فإذا كانت صحيحة أدخلتها، وإذا لم تكن صحيحة رميت بها». فهذا، إن شاء الله تعالى، من يذكر. ونسأل الله عز وجل التوفيق لنا ولإخواننا والسداد. والحمد لله رب العالمين.

شاركنا على