الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 148، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الكفر العملي ينقسم إلى قسمين: كفر يخرج من الملة وكفر لا يخرج، حيث إن الكفر العملي قد يكون مخرجاً من الدين أو لا يكون كذلك. الكفر العملي يشمل أفعالاً معينة اعتبرها الشارع كفراً مع بقاء الإيمان.
الكفر العملي غير المخرج من الملة يشمل أفعالاً وصفت بالكفر لكنها لا تخرج من الدين، مثل قتال المسلمين لبعضهم. هذه الأفعال تبقى تحت مظلة الإسلام مع وجود الإيمان.
مرتكب الكبائر لا يعتبر مؤمناً كامل الإيمان حال ارتكابه للمعصية، لكنه لا يخرج من الإيمان بالكلية، وتوحيده يضمن له دخول الجنة في النهاية. درجات الجنة تتفاوت حسب الأعمال الصالحة.
استحلال المعصية يغير حكم الفعل الأصلي، حيث يصبح كفراً إذا استحل الشخص المعصية، مما قد يؤدي إلى الخروج من الملة في بعض الحالات. الاستحلال مرتبط باعتقاد خاطئ.
نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة؟ قال: هو كل معصية أطلق عليها الشارع اسم الكفر مع بقاء اسم الإيمان على عامله. هذا النوع الأخير من الأنواع التي قسمها المؤلف رحمه الله تعالى من أقسام الكفر، وهو الكفر العملي. وقد أشار المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: ما الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة؟ إشارة منه رحمه الله تعالى إلى أن الكفر العملي ينقسم إلى قسمين: الكفر العملي ينقسم إلى قسمين: كفر عملي يخرج من الدين والملة، وكفر عملي لا يخرج من الدين والملة. فلابد من التفريق بينهما، وهذا الذي سار عليه أهل السنة قديما وحديثا. فالكفر العملي الذي يخرج من الدين والملة هو الذي يكون صاحبه كافرا بمعنى خالدا مخلدا في نار جهنم، مستباح المال والنفس والعرض، مرق عن الدين. وأما الذي فعل كفرا عمليا غير مخرج من الدين والملة، فهو لا يزال في عداد المسلمين، لا يزال في عداد المسلمين. وسمي بهذا النوع من أنواع الكفر بالعمل، إذ أن فعله يكون بالجوارح، ولهذا عبر عن هذا النوع من أنواع الكفر بأنه عملي يكون بالجوارح وبالسلوك. وأما هذا النوع سمي بالكفر لأن الشرع سماه كفرا. فالكفر العملي الذي لا يخرج من الدين والملة هي في حقيقتها معاص، هي في حقيقتها معاص وعبارة عن ذنوب، ذنوب ومعاص ومخالفات. إن فعلها المسلم يقال: أنت فعلت كفرا عمليا، إلا أن هذا الكفر لا يخرجك عن الدين والملة. قال العلماء: لأن الشرع سماها كفرا، نقف حيث وقف الشرع، فالشرع سماها كفرا، فهي كفر في مصطلح الشرع، إلا أن صاحبه ليس بالكافر الذي خرج من الدين والملة. ينبغي أن نفهم هذا الأمر. ولهذا نعيد فنقول: الكفر العملي ينقسم إلى قسمين: كفر عملي مخرج من الدين والملة، وكفر عملي غير مخرج من الدين والملة. وهذا التفريق لا بد أن يفهم، وهذا التفريق كذلك مهم جدا لرد على طوائف من الناس خالفوا أهل السنة في هذه المسألة. إذ أن من الناس من يظن أن الكفر لا يكون إلا بالاعتقاد فقط، الكفر عندهم الذي يخرج من الدين والملة ما يكون إلا عن اعتقاد، لا بد من عقيدة من تكذيب من إباء من استكبار من جحود، لا بد وأن من وقع منهم كفر بعمله فقط بفعله هذا لا يعد كافرا، هذا ليس بصحيح. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة؟ قال: هو كل معصية أطلق عليها الشارع اسم الكفر مع بقاء اسم الإيمان على عامله. قال: كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعد كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض»، وهذا الحديث في الصحيحين من حديث جرير. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، وهذا الحديث كذلك في الصحيحين من حديث ابن مسعود. قال: فأطلق صلى الله عليه وسلم على قتال المسلمين بعضهم بعضا أنه كفر، وسمى من يفعل ذلك كفارا. قال: مع قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، فأثبت الله تعالى لهم الإيمان وأخوة الإيمان، ولم ينفي عنهم شيئا من ذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم سمى التقاتل سماه كفر، لكن هل كفرهم من الذي يخرج من الدين والملة؟ الجواب: لا، بدليل أن الله سماهم إخوة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، أصلحوا بين المتقاتلين، فسماهم ربنا بالإخوة، وهي إخوة الدين لا شك في ذلك. وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، هنا نفى رب نبينا الإيمان عن الزاني: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن»، والتوبة معروضة بعد، وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة. قال: مع حديث أبي ذر، قال عليه الصلاة والسلام: «ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة». قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق»، ثلاثا. قال: ثم قال في الرابعة: «على رغم أنف أبي ذر»، وإن زنى وإن سرق. فإنه سيدخله الله الجنة بما كان من كلمة التوحيد الذي أتى بها. قال: فهذا يدل على أنه لم ينف عن الزاني والسارق والشارب والقاتل مطلق الإيمان بالكلية مع التوحيد، أي ما نفى عنهم الإيمان بالكلية. فالمسلم إخواني في الله إنما دخوله الجنة يدخل بتوحيده، لكن بعد ذلك مراتب الجنة إنما تكمن على قدر عمله، الناس ليسوا سواسية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، ما يكون هذا أبدا. فالمسلم وإن فعل بعض الفواحش وإن دخل الجنة، فليست قيمته ولا قدره ولا منزلته كالمؤمن البر التقي. ولهذا ربنا جل وعلا جعل الجنة درجات مئة درجة، وبين كل درجة ودرجة كما بين السماء والأرض، لما هذا التفاوت في الدرجات العلا على قدر الأعمال. وإنما يفر العبد بتلك المعاصي مع استحلاله إياها، المستلذ لتكذيب الكتاب والرسول في تحريمهما، بل يفر باعتقاد حلها وإن لم يفعلها. والله سبحانه وتعالى أعلم. أما صاحب المعصية يكفر بمعصيته الكفر الأكبر إن استحلها، تأتي إلى معصية دلت الأدلة الكثيرة على تحريمها، ثم أنت تحللها لنفسك ولغيرك، كمن يأتي ويقول: الزنا حلال، هذا كافر، من قال: الربا حلال، هذا كافر، من قال: شرب الخمر حلال، هذا كافر. أما الفعل، كونك تفعل المعصية، هذا لا يعجل كفرا، لكن عندما تستحل، فإن الاستحلال مثل اعتقاد دخل فيها الاعتقاد، فحينها يكفر بها صاحبها. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.