الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 180، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يجب احترام أصحاب رسول الله والكف عن مساويهم ونشر فضائلهم. يجب على المسلمين الالتزام بسلامة قلوبهم وألسنتهم تجاههم.
يُنصح بالتركيز على التنويه بشأن الصحابة والثناء عليهم كما فعل القرآن. يُظهر المقطع صفاتهم من خلال الآيات القرآنية، مثل الشدة على الكفار والرحمة بينهم.
المقطع يشرح مثل الصحابة في القرآن ويبين دلالة الآية على فضلهم وكرامتهم عند الله. يرد على شبهة البعض بأن الآية لا تشمل جميع الصحابة.
يفسر الشيخ الآية الكريمة ويبين أهميتها لجناب الصحابة. يؤكد على أن كلمة 'من' في الآية إما بيانية أو للتأكيد ولا تعني التبعيض.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف -رحمه الله تعالى- ما الواجب التزامه في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته؟ هذه الفقرة بدأها المؤلف -رحمه الله تعالى- وكيفها في هذا السؤال: ما هي الواجب؟ وما هي الواجبات التي ينبغي أن نلتزمها مع أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ومع صحبه الكرام؟ وهذه المباحث مهمة، بل وجد هذا دأب العلماء من أهل السنة على ذكر هذه المباحث في كتب العقيدة والتوحيد لعظيم شأنها، وهي إشارة إلى أنه يجب على كل مسلم ومسلمة، كما أنه يتعلم عقيدته، يتعلم هذه المباحث المهمة: ما هو الواجب إزاء أصحاب رسول الله وإزاء أهل بيته؟ وأخص بالذكر جانب الصحابة، جانب الصحابة من المباحث المهمة الملحة، وخاصة في هذه الأزمان التي ابتلينا بها من وجود طائفة وطوائف وفئات من الناس لم يرفعوا رأسًا بجناب الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فرأينا من بعضهم من يتعبد الله بالطعن فيهم وسبهم وتكفيرهم والتشهير بهم والاستهزاء بهم، وكل ذلك من المحرمات، بل وبعض الصور من الكفريات التي بها يخرج المرء من دينه، وخاصة الروافض -قبحهم الله- والذين استطاعوا عن طريق ما عندهم من وسائل الإعلام أن يبثوا الشبه هنا وهنا، وما فيها من التشويه والتشويش على جناب الصحابة، حتى أصبح من بعض من ينتمي للسنة عنده جانب الصحابة من الجوانب المشكلة. وهذا كله -إخواني في الله- يجعلنا نتداعى إلى دراسة وإعادة فهمنا لمقام الصحابة: من هم؟ وكيف التعامل معهم؟ فجناب الصحابة ممنوع، محرم جملة وتفصيلًا، لا يجوز أن تتعرض لهم كمجتمع، أو أن تتعرض لبعضهم كأفراد، ما يجوز. بعض الناس يقول: أنا معظم لجانب الصحابة إلا معاوية بن أبي سفيان، هذا نعم، صحيح متخذ منهم موقف، أو عمر بن العاص، أو كمن ينتقد في أحاديث أبي هريرة، وهكذا يختار بعض الصحابة ويحاول أنه يجعل له الحقية في الطعن فيهم والقدح فيهم، مع حفاظه لكرامة باب الصحابة، هذا كذلك ما ينفع. الصحابة مجتمع كامل، مجتمع متكامل، حكم عليهم ربنا بحكم واحد، فقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وأنت ما بعد ذلك يا عبد الله أنك تتخلل أو تستدرك على ربك بهذا؟ ربنا أنزل عليهم رضوان وهم أحياء في زمن رسول الله، رضي الله عنهم، ورغبوا عنهم، ذلك لمن خشي ربه. ولهذا المؤلف -رحمه الله تعالى- كعادة علماء السنة ذكر هذا المبحث في بياني وذكري ما يتعلق بجناب الصحابة، وأيضًا ما يتعلق بجناب أهل بيته، فقال -رحمه الله تعالى- ما الواجب الالتزام في أصحاب رسول الله وأهل بيته؟ ومن هم الصحابة أصلا؟ من هو الصحابي حتى نستطيع أن نوفيه حقه؟ يقول علماء الصحابة: هو كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به ومات على ذلك. فكل من لقي رسول الله، فقط لقيا، فقط لقيا، ثم آمن به ومات على الإسلام، فهذا يعد صحابيًا. ومن هنا قال علماء: وبهذا نعلم أن صحبة الصحابة ليست كأي صحبة. أنا إذا رأيت أحدًا ما جالسك، مثالها الآن في هذا المجلس، أنت جالس فجاءك أو أحد سلم عليك وجلس بجوارك وسألك ثم انصرف، ما أسميها كيف صاحبك؟ ما هذا؟ ما هو صاحب؟ دقائق جالس وذهب. فالصحبة في واقع الناس وفي عرف الناس وفي اللغة هو الذي يلازمك فترة. إلا جانب الصحابة، فكل من لقي به ولو لحظة، حتى قال علماء: ولو جاء رجل أعرابي من الخارج أتى ولقي وسلم على رسول الله وظفر برؤيته، يعد صحابيًا، تحفظ له كرامته لعظيم منزلتهم. فباعتبار ذلك الصحابة يتفاوتون في الفضل والدرجات كما سيأتي بيانه. قال -رحمه الله تعالى- الواجب لهم علينا سلامة قلوبنا، سلامة القلب، لا تجعل في قلبك ضيق ولا كره ولا بغض ولا وحشة من أحد من أصحاب رسول الله، قلبك يكون سليمًا. قال وألسنتنا سلامة الألسن، سلامة الألسن، فلا نجعل الأعراض نتعرض فيهم لا كذب ولا بهتان ولا سب ولا شتم ولا قدح ولا ذم ولا استهزاء ولا تشهير ولا تشويش، كل ما يكون طعن بألسنة إليهم هذا لا يجوز، بل ينبغي أن نسلم ألسنتنا في حقهم. قال ونشر فضائلهم، تبث تتكلم عن فضائل الصحابة، تتكلم عن الخلفاء الأربعة، تحدث يا عبد الله عن العشرة المبشرين بالجنة، تتكلم عن أزواج رسول الله، هلأ كلهم صحابة، تحدث أنشر فضائلهم، إن كان من أحد تفتخر به فافتخر بآبائك وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال والكف عن مساويهم، هم بشر، الصحابة بشر، يعتريهم ما يعتري البشر، فما منهم من أحد معصوم، نعم يقع منهم خطأ يقع منهم زلل، لكن لا تتتبعها، لماذا؟ لكثرة ما عندهم من الفضائل، هذا يغمر، هذا يغمر، تذكره هذا المساوي، وإنما تكف عن مساويهم، ولهذا نزل بعضهم على تحسين حديث رسول الله الذي قال: «إذا ذكر القدر فأمسك، وإذا ذكرت النجوم فأمسك، وإذا ذكر أصحابي فأمسك»، أمسك، لا تسترزل في الكلام في الصحابة لدرجة أنك تذكر ما وقع، ما كان من أخطائهم من زللهم من هنات، لا يذكر هذا، وإنما تكف، تكف عن نشر مساويهم. قال -رحمه الله تعالى- وما شجر بينهم، أي أن تكف كذلك عما شجر، عما حصل بينهم من فتن، ما وقع بينهم من اقتتال، هذا أمور فتنة من الله جل وعلا، أنت واجبك تسكت، لأنك تحشر أنفك فيما وقع بينهم من فتن، ثم تصويب هذا وتخطئ هذا، كما يفعل بعض من يتكلم في السيرة، فيتكلم في جانب الصحابة، فيتعرض للكلام في الفتنة، ثم يصوب هذا ويخطئ هذا، ويشنع على هذا، هذا ليس لك، ما وقع بينهم من فتنة هذا أمرهم فيهم إلى الله، ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ما سنسأل الله عما وقع بينهم؟ اتركهم، اتركهم يا عبد الله، ولا تحشر نفسك ولا أنفك في ماذا؟ في الكلام عليهم عما وقع فيما شجر بينهم. قال والتنويه بشأنهم، تنويه، أي تذكرهم وتشجع الحديث عنهم، ودائمًا أنت في ذكرهم والترضي عنهم تنوه، لماذا تفعل ذلك؟ قال والتنويه بشأنهم كما نوه تعالى بذكرهم، هذا الذي فعله ربنا، القرآن مليء -كما سيأتي في كلام مؤلف- مليء بالآيات التي فيها المدح والثناء لجناب الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال كما نوه تعالى بذكرهم في التوراة والإنجيل والقرآن، فيا سبحان الله! تكلم ربنا وترضى ربنا وأثنى ربنا على الصحابة قبل أن يوجدوا، قبل أن يخلقوا، أين ذكرهم في التوراة؟ وفي الإنجيل؟ في زمن موسى والتوراة تتنزل على موسى، ذكر ربنا في التوراة ما يتعلق بصفات الصحابة، ولما جاء عيسى بالإنجيل أوجد ربنا جل وعلا المثال الحسن لأمثال الصحابة، وعيسى يقرأها في زمن الأتباع. وانظر لعظيم منزلة أثنى عليهم ربنا قبل أن يوجدوا وقبل أن يخلقوا، فما ظنك يا عبد الله بقوم هذا حالهم؟ كيف نتعامل معهم؟ ما لهم إلا الثناء والتعظيم والتوقير والتقدير كما فعل ربنا، أو كما حكى ذلك ربنا عنهم. قال كما نوه تعالى بذكرهم في التوراة والإنجيل والقرآن، وثبتت الأحاديث الصحيحة في الكتب المشهورة من الأمهات وغيرها في فضائلهم. قال الله عز وجل: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ من هم الصحابة؟ هؤلاء الذين معه، والذين معه أشداء على الكفار، عندهم غلظة، لكن على أعداء الدين شدة، ما عندهم هوادة مع الكفر ممن حادوا الله ورسوله، أشداء على الكفار، رحماء بينهم، بالمقابل مع إخوانهم كالجسد الواحد، كالجسد الواحد، هذا هو شأن المؤمن، وهكذا كان شأن الصحابة، وهذا طبعًا في ماذا؟ فيه تعامل مع الخلق، تعامل الصحابة مع الخلق، مع الكافر فيه غلظة وشدة، ومع إخوانهم رحمة وتأليف. أما مع الخالق كيف تعاملهم؟ قال ربنا: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ تراهم ركعًا سجدًا، دلالة على كثرة صلاتهم، تعبدهم لربهم سبحانه وتعالى، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ ولماذا يفعلون ذلك؟ يبتغون الأجر من الله، ففيه ماذا؟ فيه الإخلاص، أعمالهم الذين فعلوها ما يفعلونها رياء ولا سمعة، وإنما أعمالهم قصدون بذلك وجه الله والثواب من الدار الآخرة، وهذا هو الإخلاص. وفي هذه الآية فيها الثناء على الصحابة ظاهرا وباطنا، ففي الظاهر ركعًا سجدًا، وفي الباطن يبتغون فضلا من الله ورضوانًا، وفي الظاهر كثرة العبادة، وفي الباطن القصد والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا على عكس ما عليه المنافق، إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس، انظر للظاهر وانظر لباطنهم شر في شر، المنافق إذا قام للصلاة قام على كسل، وقصده لغير الله رياء وسمعة. أما الصحابة على خلاف ذلك، فهم أهل الإيمان وأصله، فرحمه الله قال سبحانه وتعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي و، من أثر السجود﴾ لكثرة العبادة، أن ظهرت هذه الآثار على وجوههم. وما مقصود بالسِّمة هنا؟ أكثر العلماء على أنها النور، النور الذي يقذف في وجوههم، فالعبادة لها أثر، لها أثر، حتى قال من قال من السلف: من كثرت صلاته في الليل حسن وجهه في النهار، يظهر النور والتلألؤ، حتى أن الناس يأنسون برؤية وجهك لما يجعل الله فيه من نور، من أين هذا النور؟ نور عبادة. وقيل النور، وقيل الخضوع، وقيل الخشوع الذي يجعله الله في سِمة أهل الإيمان، الصحابة خاصة. وقيل أن السجود سِمة السجود ما يكون في زمنهم الأول، ما كانت سجدهم ما كانت على فرش، وإنما كانت على البطحاء، فلربما الواحد سجد منهم فيرفع، فإذا بأثر الطين على رأسه وعلى جبهته، فبعضهم نزّل هذه الآية على هذا المعنى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ وهل يلحق بذلك أثر السجدة؟ نعم، ألحق جماعة من العلماء على أن هذا يدخل في هذا الباب، أن كذلك من شأن الصحابة لكثرة تعبدهم أن ترى أثر السجود على جباههم، وكل ذلك بيان على تعبدهم لربهم. قال: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ هذا الذي سمعتم قد وجد في التوراة، هل لازال موجودًا؟ طبعًا اليهود بالتحريف، بالتصحيف غيروا وبدلوا فطمسوا، وإلا هذا نحن نوقن أن هذا الوصف قد ذكره الله في التوراة في حق الصحابة رضي الله تعالى عنهم: أن الله مدح ما كان عليهم من العمل مع خالقهم عبادة، ومع خلق الله رحمة بالمؤمنين، وشد على الكفار، وما كان بينهم وبينهم من العمل الظاهر والعمل الباطن، هذه الأوصاف ذكر ربنا أنها قد وجدت في التوراة. قال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ مثل ربنا جل وعلا الصحابة كزرع، هذا الزرع أخرج شطأه، أي أخرج سنبله، أخرج السنبل والحب أخرج شطأه، فآزره، أي قواه، قوي هذا النبت الذي خرجت، فآزره فاستغلظ، أي قوي، استغلظ، قوي واشتد في نهوضه، فاستوى على سوقه، أي قام على قصبه، والسوق بمعنى الساق، أي هذا المثل، وهو مثل الصحابة طيب. قال ربنا جل وعلا: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ يعجب الزرع، الزرع لما يزرع فيجد نبتة بهذه الصفات يتحجب ويعجب، يعني نبتة تقوم وتشق طريقها إلى أن تكون قوية تقوية بهذه المثابة يعجب الزرع، طيب هذا هو مثل الصحابة، ما المراد بهذا المثل؟ قال ربنا: ﴿لِيُغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ أي أن الله شبه الصحابة بهذا المثال أحتى أن الكافر يغيظ بهم؟ وجه الإغاظة أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع أنهم من آخر الأمم، أمة محمد من آخر الأمم، ما عندنا أمة بعدنا، نحن إلى يوم القيامة، فهؤلاء الصحابة من آخر الأمم خروجا ووجدوا في هذه المرحلة، فاشتدوا وظهروا وأصبحت قوة قوية حتى أنها هزمت أقوى قوتين في زمان: كسرى والروم في فترة وجيزية، فكان ظهورهم ونشأتهم ماذا؟ يغيظ الكفار. ومن هذه الآية استدل جماعة من أهل العلم -كالإمام مالك- على أن من غاضه وجود الصحابة ومنهج الصحابة فهذا كافر، هذا استدلال مالك -رحمه الله تعالى- لأن الله قال: ﴿لِيُغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ فالصحابة غيظ لأهل الكفر، والكافر ما يستغيظ إلا من الصحابة، يبغضهم، فقال العلم: فمن أبغض الصحابة فهو كافر، فاحذر يا عبد الله من هذه الدسيسة، وهو أن يوجد فيك شيء من الوغز أو من الحرج في جنب الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ هؤلاء الصحابة وعدهم الله بوعدين: بالمغفرة، وهي الوقاية من الشرور، وأجرًا عظيم، وهو الجزاء الكبير في الدنيا والآخرة. هنا في هذه الآية أريد أن أقف وقفة واحدة، وإن كنت أتحرج منها، هي شبهة أنا أضطر لهذه المسألة بالتطرق إليها؛ لأنها قد بثت هنا وبثت هنا، وأعداء الدين من الكفرة والنصارى ومن ملاحدة ومن سباب الصحابة من الرافضة ومن كان على شاكلتهم يريد أن يصطاد بالماء العكر، هذه الآية كما ترونها واضحة الوضوح في تعظيم جانب الصحابة، إلا أن أعداء الدين أرادوا أن يخرجوها عن الصحابة عن ذلك، فماذا فعلوا؟ وأنا كما أقول: في حرج من هذا، لكن أذكر؛ لأنها قد ذكرت، يذكرون في طائفيات وقنواتهم، حتى أصبح بعض السنة ما يفهم الآية حق الفهم، ما هي الشبهة؟ يقولون: انظر هذا يقول الآية في الصحابة ليست في كل الصحابة، فقال: يا عبد الله لا تكون لها في الصحابة من أولهم إلى آخرهم، انظر ماذا ختم ربنا؟ قال ربنا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ مو كلهم؟ منهم؟ فيأتي السني يقول: إيش تقول؟ أه، انتبه، أنت عربي، أنا عربي مثلك، إيراني أتكلم عجم، أنا عربي مثلك، منهم؟ أنت إيش؟ منهم؟ منهم؟ جزء، فالله ما رضي عن جميع الصحابة، منهم من رضي عنهم، والذين ترضوا عنهم مثل آل البيت، فلان وفلان، ومنهم من لم يرضى الله عنهم، هذا نص القرآن. فيأتي السني يقول: صح، كيف؟ منهم؟ لا تفهم الآية هذا الفهم. ولهذا كما قلنا: لا بد للرجل أن ينظر فيما يذكره القرآن والسنة في فضل الصحابة، والرجوع إلى فهم العلماء لهذه الآيات. قال العلماء في هذه الآية: هذه الآية كما قلنا كلها في فضل الصحابة من أولهم إلى آخرهم، أما ختم الآية في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ هنا "من" ليست للتبعيض، بمعنى بعضهم رضي عنهم وبعضهم لم يرضى عنهم، ليس هذا المفهوم من هنا، تحمل على معنيين اثنين، افهم هذا يا عبد الله. من هنا تحمل على معنيين اثنين، المعنى الأول: أن "من" هنا بمعنى البيانية، فيكون معناها: من أمثالهم، بمعنى: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمثالهم مغفرة وأجرًا عظيمًا، وهذا مثل ماذا؟ مثل قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ واجتنبوا قوله الزور، الله قال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ من قال: واحد جاءك ملحد بوذي، قالوا: الله ما حرم جميع الأوثان؟ من الأوثان بعض الأوثان حرمها وبعض الأوثان موجودة، مثل بوذة، لا، بس ما في شيء حد يعبده من هذه كلها. معنى "من" هنا: واجتنبوا الرجس من الأوثان، أي من أمثال الأوثان، فكل الأوثان تترك؛ لأنها رجس، يسميها أهل البلاغة "من" هنا بيانية، من بيانية، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ أي من أمثالهم، من أمثال الصحابة، فكل ما كان من مثل الصحابة ومن أولهم إلى آخرهم، وعدهم الله بهذا الوعد الحسن، هذا الوجه الأول. الوجه الثاني: قالوا المنفسرون: أن "من" هنا تأكيد، تأكيد، كقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ السؤال: هل بعض القرآن شفاء أو بعض ليس بشفاء؟ القرآن كله شفاء، القرآن كله شفاء، طيب ما معنى قول ربنا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ هل بعض القرآن؟ لا، ليست هنا "من" للتبعيض، وإنما هي "من" للتوكيد، للتوكيد. فقول ربنا عز وجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ أي هؤلاء، وعد أجر مغفرة وأجرًا عظيمًا، فعلى هذا -أخوانا في الله- ولهذا كل المفسرين ممن ينتمي إلى أهل السنة ما يفسر هذه الآية إلا على هذا التفسير: أن "من" إما بمعنى بيانية، من أمثالهم وجنسهم، أو أن "من" من باب التأكيد، وما أحد قال: أن "من" باب التبعيض، فافهم هذا يا عبد الله، واجعل هذه الآية نصب عينيك، فيها فخر لجناب الصحابة رضي الله تعالى عنهم. نكتفي إلى هذا الحد، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.