الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 164، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الطيرة هي التشاؤم بمرئي أو مسموع، وكان العرب يتطيرون بالطير في الجاهلية لتحديد مصيرهم. توسع مفهوم الطيرة ليشمل التشاؤم بكل شيء.
الإسلام يحارب عقيدة الطيرة والتشاؤم ويعتبرها شركًا، وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم تأثير التشاؤم والعدوى. الطيرة تعتبر من أعمال الجاهلية.
الطيرة تعتبر شركًا، إما أكبر أو أصغر حسب الاعتقاد. يمكن التخلص من تأثير الطيرة بالتوكل على الله والدعاء، وقد ورد دعاء عند رؤية ما يكره.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما حكم الطيرة وما يذهبها؟ الطيرة فسره ابن القيم رحمه الله تعالى بأنه التشاؤم بكل مرئي أو مسموع أو معلوم. الطيرة هو التشاؤم بكل مرئي أو مسموع أو معلوم، هو نوع من أنواع التشاؤم، هذا هو معنى الطيرة. ولماذا أطلق على التشاؤم طيرة؟ قال العلماء: وذلك لأن العرب من عادتهم والغالب عليهم أنهم كانوا يعتقدون في الطير تفاؤلًا وتشاؤمًا، فكان الواحد إذا أراد أن يقدم على أمر ما من سفر ونحوه ينظر في الطير من حيث اتجاهها، إن ذهبت يمينًا أو شمالًا أو ذهبت إلى الأمام أو جاءت من خلفه، فحركة الطير هي التي تحدد ما الذي ينبغي أن يفعله، إما أن يمضي في سفره وإما أن يلغيه. فكان عندهم من الطيور ما يكون بالسوانح وما يكون بالبوارح وما يكون بالناطح والنطيح والقاعد والقعيد، وهذه أسماء لحركة الطير، فهي التي تحدد ما عليه الإنسان، إما أن يمضي أراد أن يتزوج مثلًا في زمن معين فطيرًا إما ينفع ذلك بنفسه أو أنه يذهب إلى غيره كأصحاب العيافة، هؤلاء مهنتهم أنهم يرمون بالطير ثم ينظرون في علم الغيب. فقال رحمه الله تعالى: ما حكم الطيرة؟ فالأصل كان هذا أسلوبًا عربيًا عند العرب في الجاهلية أنهم يتطيرون بالطير، فمن خلال حركة الطير يحدد ما ينبغي عليه أن يفعله الإنسان، ثم أصبح في لسان الشرع أصبح هذا يطلق على أي شيء، ليس على الطير بل أي شيء يتعلق به الإنسان ويجعله هو السبب في الإقدام والإمضاء وفي الخير والشر وفي النفع والضر سمي هذا طيرة. قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ ألا إنما طائرهم عند الله، هذه الآية فيها بيان لقوم فرعون، إذ أنهم كانوا يعتقدون بأن إن جاءهم الرزق والأرزاق من أموال وأمطار وخيرات وبركات يعتقدون أن هذه الأرزاق إنما جاءت لأنهم يستحقونها. وإن رأوا العكس، إن رأوا أنه ليس هناك أرزاق بل بالعكس ابتلوا بمصائب من مجاعة ومن فقر ومن ضيق ومن قلة، ماذا فعلوا؟ تشاؤموا بموسى عليه السلام، تشاؤموا بموسى ومن معه، قالوا: «أنتم نحس» كما يذكره الآن العامة يتشاؤمون بأهل الصلاح، فهذه من طريقة أعداء الدين أنهم يتشاؤمون بأهل الصلاح. فكان فرعون ومن معه من الكفرة إذا رأوا النقص في حياتهم وفي معيشتهم قالوا: هذا بسبب موسى «أنتم الذين جئتم بالخراب معكم»، وإن كان الخير قالوا: هذا منا، نحن نستحق ذلك. فرد الله عز وجل بقوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ فسر ابن عباس رضي الله تعالى عنه: طائرهم أي الذي قد قضي وقدر عليهم، إنما هو عند الله. فالله الذي قدر عليكم، ليس هذا بموسى وليس بغيره، فالله عز وجل هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، أي يضيق، فهذا بيد الله سبحانه وتعالى. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر»، الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى النفي هنا في تأثير، نفي تأثير أي لا تأثير لهذه الأشياء. قال: «لا عدوى» الإعداء وهو انتقال العلة من صاحبها إلى آخر، فقال نبي: «لا عدوى» بمعنى لا هناك عدوى مؤثرة في نفسها، ليس هناك عدوى مؤثرة في نفسها، وإنما ذلك بأسباب جعلها ربنا سبحانه وتعالى. فقال: «لا عدوى ولا طيرة» أي التحذير من هذه الفعلة وهي التشاؤم الذي عليه أهل الجاهلية، سواء تشاؤم بالطيور بحركتها أو ما كان بغيرها. قال: «ولا هامة» بالتخفيف، الهامة هو طائر الليل وهو البومة كما جاء معرفًا عند العلماء البومة، فكان من فعل بعض العرب أنهم يعتقدون بالبومة أنها محل التشاؤم يتشاؤمون منها. فنفى نبينا هذه المسألة فقال: «لا هامة» أي لا تتعلق بها. قال: «ولا صفر» كلمة صفر اختلف العلماء في معناها، وأرجح الأقوال كما قال الحفاظ: «لا صفر» أي لا اعتقاد بتشاؤم صفر، وهذه عقيدة جاهلية ولازالت تمضي حتى في بعض المجتمعات تجد أنهم في شهر صفر تقل عندهم المناسبات. فقل عندهم الرحلات والأنشطة والسفريات وهكذا الأعراس تختفي تمامًا في شهر صفر أو قل تضمحل، لماذا؟ تعمدًا، تجد بعض الناس يتعمد أن لا يوقع شيء من هذه المناسبات في صفر لما؟ تشاؤمًا، يتشاؤم من شهر صفر، فيحرص على أن يكون قبل أو بعد. وهل هذا صحيح؟ لا، هذه عقيدة الجاهلية الذي جاء الإسلام بمحاربتها، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا صفر» أي لا عندنا ما هذه موجود. فقال: «ولا طيرة» فالطيرة ليس من دين الله أن تتشاؤم. وقال عليه الصلاة والسلام: «الطيرة شرك»، الطيرة شرك، قال ابن مسعود: «وما منا إلا» ولكن يذهبه الله بالتوكل، الطيرة شرك، هذا الحديث صحيح روى إمام أحمد في مسنده. فحكم نبينا على أن الطيرة شرك، وهل هو من الشرك الأكبر أو من الشرك الأصغر على حسب عقيدة الرجل، لكن الطيرة تدخلك في الشرك، فتكون الطيرة وأنك تتشاؤم من أمر ما بحيث يردك عن مبتغاك هذا يكون شركًا إذا اعتقدت أن هذا الذي تطيرت به والذي تشاؤمت به هو الذي يجلب لك الخير والشر. فمن اعتقد أن هذا الذي تطير به هو الذي يجلب عليه الخير والشر فهذا قد دخل في الشرك الأكبر، ومن ذلك ما عليه أهل العيافة وهو ناس من أهل الدجل يستطلعون لك الغيب يستطلعون لك الغيب عن طريق ماذا؟ عن طريق زجر الطير. فمن اعتقد أن هذه الأشياء سبب من الأسباب فقد وقع في الشرك الأصغر، وإن اعتقد أنه بنفسه تجلب لك الخير والشر فهذا من الشرك الأكبر. قال نبينا: «أطيرة شرك»، قال ابن مسعود: «وما منا إلا» أي ما منا من أحد إلا ويقع هذا في نفسه، صحيح الإنسان كإنسان سوي يبتل بهذا أحيانًا. قال: «ولكن يذهبه الله بالتوكل» لا تجعل هذا يؤثر فيك لأن هذا إن أثر فيك وقعت في الطيرة، وفيه بيان على أن الأمر إذا وقع في القلب وأنت تكره ذلك لا عتب عليه. قال: وقال عليه الصلاة والسلام: «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك» وهذا الحديث رواه أحمد في مسنده لكن فيه ضعف. فالمعنى الصحيح: فهذا هو ضابط الطيرة، الطيرة هو الذي كان يحدد ما أنت عليه إما إقدامًا وإما إحجامًا، إن كان هذا بأمر الطيرة فأنت قد وقعت في الطيرة. فقوله: «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك» هذا معنى صحيح، وهذا هو الضابط، الطيرة المحرمة ضابط الطيرة الشركية هي التي أنها تحدد ما أنت ستكون عليه إما أنك تمضي وإما أنك تقدم. فلا تلتفت إليها، ولي أحمد بن حديث عبد الله بن عمر قال: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك»، مر هذا معنا، قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: «أن تقول اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك». وهذا الحديث كما قال المؤلف رحمه الله رواه أحمد في مسنده واختلف العلماء في صحة هذا الحديث، وهو من الأدعية التي يأتي بها المسلم متى ما حس بشيء من هذه الأنواع من أنواع الطيرة والتشاؤم. قال: وقال عليه الصلاة والسلام: «أصدقها الفأل ولا ترد مسلمًا»، أصدق الفأل وهو الاستبشار بالشيء، ونبينا كان يعجبه الفأل أنك تستبشر، وهذا أمر حسن تستبشر. مثاله: قمت الصباح فأردت أن تسافر فرأيت الجو صحيح ما شاء الله، طيب هذا الفأل، هذا طيب هذا ليس من الطيرة لماذا؟ لأن هذا يعينك على التوكل بل وفي إحسان ظن بالله. قال: «فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك» وهذا الحديث جاء عند أبي داود إلا أنه ضعيف. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.