الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 63، ألقاها
يشرح موقف الإمام الطحاوي من تكفير المسلمين بذنوبهم، ويبين أن أهل السنة لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله. يُبين المقطع أيضاً آراء الخوارج والمرجئة في هذه المسألة.
أجمع أهل السنة على عدم تكفير المسلم بذنب ما لم يستحل له، واستشهدوا بآيات قرآنية تبين أن الذنوب دون الشرك لا تكفر صاحبها. يُعتبر الشخص مرتكبًا لكبيرة إذا فعل ذنبًا وهو يعترف بتحريمه.
يشرح معنى الموالاة للكافر وحدودها، ويبين أن الموالاة القلبية التي تتضمن محبة لدين الكافر أو نصرة له تعتبر كفرا، بينما الموالاة الدنيوية التي لا تتضمن محبة لدين الكافر أو نصرة له لا تعتبر كفرا.
الإسلام لا يخرج المرء منه إلا بيقين مثل ما دخل فيه بيقين، ولا بد من دليل يقيني على كفره أو شركه أو نفاقه ليخرج من الإسلام. هذا المبدأ مستند إلى أدلة كثيرة في الإسلام.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، قال الإمام جعفر الطحاوي رحمه الله: «ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله». فهنا في هذه العبارة أراد ذكر مسألتين، وكلاهما في الرد على فرقة من الفرق. العبارة الأولى يرد فيها على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، والعبارة الثانية يرد فيها على المرجئة الذين يقولون إن الذنب لا يؤثر في الإيمان. فقال رحمه الله: «ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله». وهنا قد ذكرنا مصطلح أهل القبلة من قبل. فقوله: «لا نكفر أحدا من أهل القبلة»، أي من يصلي إلى القبلة ودخل الإسلام، أي لا نكفر أحدا من المسلمين؛ لأنه دخل الإسلام بيقين، فلا نخرجه إلا بيقين. لا نخرجه من الإسلام إلا بيقين، أي بشيء يكفره، وتقام عليه الحجة، وتتوفر الشروط، وتنتفي الموانع. ولأن التكفير بما ليس بمكفر خطير؛ لأنه إدخال أو إخراج المسلم من دينه. والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال، كما في البخاري: «من قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما». فلهذا لا يجوز لمسلم أن يكفر أخاه المسلم. وقد أجمع أهل السنة على أنه لا يكفر أحد بذنب ما لم يستحل هذا الذنب. المراد بالذنب هنا غير الكفر والشرك، أن الذنب لا يكفر به صاحبه، ولا يخرج به من الإسلام. وقد ذكر جماعة غير واحد من أهل العلم، بل قال الإمام عبد الباقي: أجمع المسلمون، أو أجمع أهل السنة، على عدم تكفير أحد بذنب مهما بلغ ذلك الذنب، ما لم يكن شركا أو كفرا أو نفاقا. أجمع أهل السنة على أنه لا يكفرونه ما دام أنه ذنب، والذنب يراد به كما قلنا الذي هو دون شرك. وأما إن كان شركا أو نفاقا أو كفرا فهذا شيء آخر. لكن هنا مراد به الذنب، إما بفعل محرم أو بترك واجب، ما لم يستحل له. ما لم يستحل فعل هذا الذنب أو ترك الواجب. فمثلا شرب الخمر حرام، لا شك فيها، لكن من شربها وهو معترف بأنها حرام فهذا مسلم، لكنه مرتكب لكبيرة. ومن لم يشربها لكن قال هي حلال، وهو لم يشرب الخمر لكن قال حلال، فهذا يعتبر كافرا؛ لأنه استحل ذنبا هو بإجماع المسلمين أنه حرام. فلهذا جاءت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة على أن الذنب لا يكفر به صاحبه. فمن ذلك قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. وكذلك أيضا ما جاء في قوله جل وعلا: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا﴾، ﴿فَمَن عَفَا لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، فسمى القاتل أخا. وكذلك قول الله عز وجل: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، سماهما مؤمنين مع اقتتالهما. وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾، فهنا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، مع أن اتخاذ عدو الله وليا ناداه الله عز وجل بالإيمان. معنى التولي أو الموالاة للكافر إذا كانت ليست موالاة قلبية، معنى محبة له في دينه أو تصحيح دينه، وإنما محبة في الدنيا، محبة جائزة، أو نصر له لأمر لهوى، فهذا لا يعتبر به المسلم كافرا. ولهذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. فلو كان هذا الاتخاذ كفرا لما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وكذلك يوضح ذلك قضية حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، فإنه لما أرسل رسلا إلى كفار قريش بعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزلت هذه الآيات. وقال لما قال عمر رضي الله عنه: «دعني أضرب عنق هذا المنافق»، قال: «يا عمر، لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فإني قد غفرت لكم». أي أن حاطبا كان من أهل بدر. وقال حاطب: «يا رسول الله، ما فعلت ذلك ردة عن الإسلام أو كرها لدين الله، ولكن لي هناك عائلة أو من قبيلتي أو من أهلي هناك، وليس لأصحابك أحد هناك، فأردت أن يجعل لي يدا هناك». ليس كفرا بالله جل وعلا، وإنما خاف على أهله، فهذا غلط من هذه الأغراض التي جعلته يفعل هذا الأمر. فهذه الأدلة وغيرها كثير في أن الإسلام لا يخرج من دين الإسلام إلا بيقين مثل ما دخل بيقين، فلا يخرج إلا بيقين يدل على كفره وشركه ونفاقه. هذا ما يذكر. والله تعالى أعلم.