الدرس في شرح العقيدة الواسطية 49، ألقاها
يناقش الشارح قول الأشاعرة بأن الله كان ولا مكان، ويبين بطلانه من خلال تفسير معنى المكان الوجودي والعدمي. يُستدل على علو الله عز وجل بالدليلين العقلي والنقلي.
يشرح المقطع معنى المكان وأنواعه، ويبين أن إطلاق لفظ المكان على الله يحتاج إلى تفصيل. يُوضح أن الأمكنة الوجودية لا يصح أن يقال إن الله فيها، بينما الأمكنة العدمية يمكن أن يقال إن الله في مكان علو مطلق.
يشرح الشارخ الآيات التي تدل على علو الله تعالى، مثل قوله تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، ويبين معنى التوفي والرفع. يُظهر الفرق بين صفة العلو وصفة الاستواء، ويُثبت أن رفع عيسى إلى السماء دليل على علو الله تعالى.
قال الشارح رحيمه الله تعالى: إن قصار ما يقوله المتحذلق منهم في هذا الباب أن الله تعالى كان ولا مكان، ثم خلق المكان، وهو الآن على ما كان قبل خلق المكان. فماذا يعني هذا المنحرف؟ فماذا يعني هذا المخرف بالمكان الذي كان الله ولم يكن؟ هل يعني به تلك الأمكنة الوجودية التي هي داخل محيط العالم؟ فهذه أمكنة حادثة، ونحن لا نقول بوجود الله في شيء منها، إذ لا يحصره ولا يحيط به شيء من مخلوقاته. وأما إذا أراد بها المكان العدمي الذي هو خلاء محض لا وجود فيه، فهذا لا يقال: إنه لم يكن ثم خلق؛ إذ لا يتعلق بالخلق، فإنه أمر عدمي. فإذا قيل: إن الله في مكان بهذا المعنى، كما دلت عليه الآيات والأحاديث، فأي محذور في هذا؟ بل الحق أن يقال: كان الله ولم يكن شيء قبله، ثم خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وكان عرشه على الماء، ثم استوى على العرش. «وثم» هنا للترتيب الزماني، لا لمجرد العطف. كما ذكر أمس في الدرس الذي مضى معنا أنه قال -رحمه الله تعالى-: إن كلام هؤلاء الأشاعرة الذين يقولون: إن الله كان ولا مكان، وهو اليوم على ما كان قبل أن يخلق المكان، كلام فيه تقعر وحذلقة، وكذلك تزيين للباطل؛ حتى إذا سمعه السامع يظنه حقًا، وهو عن الحق عاري، بل هو باطل محض؛ لأنهم يقولون في هذه العبارة -يريدون بهذه العبارة الأمكنة- كان الله ولا مكان، أي الأمكنة المخلوقة قبل أن تخلق. ثم خلق المكان، وهو اليوم على ما كان قبل خلق المكان. فمعنى كلامهم -كما قد ذكر في درس مضى-: أن الله كان ولا مكان، أي أن الله عز وجل كان لوحده قبل أن يخلق الأمكنة، ثم بعد أن خلق الأمكنة هو الآن على ما هو عليه قبل أن يخلق الأمكنة. وهذا كلام -كما هو ظاهر- من تصوره تصورًا صحيحًا، علم بطلانه، وعلم أنه مجرد تحلق ومجرد تلبيسات ومجرد تزيين للباطل. وإلا، ما معنى قولهم: كان الله ولا مكان؟ كما قال الشيخ -رحمه الله تعالى-: إن أرادوا به المكان الوجودي المخلوق، فقولهم: كان الله ولا مكان، ثم خلق المكان، وهو اليوم على ما كان قبل خلق المكان، قبل خلق هذا المكان كان ولا مكان، وبعد خلق المكان هل يكون كذلك؟ كان ولا مكان. واضح جميعًا: لا. فإذا قالوا: نعم، فالجواب هو ما تقدم معنا. يقال لهم: هل نقول بأن هذا العالم غير الله عز وجل، أو هو الله عز وجل؟ الجواب: أنه غير الله عز وجل بلا شك ولا ريب. فإذا كان غير الله عز وجل، هل هو داخل في هذا العالم، أو هو خارج من هذا العالم؟ الجواب: بلا شك ولا ريب أن الله عز وجل خارج عن هذا العالم، بل هو محيط بهذا العالم. السؤال الثالث: هل إذا كان الله عز وجل خارج هذا العالم المخلوق، هل صفة العلو أكمل، أم صفة السفل؟ صفة العلو أكمل، أم صفة السفل؟ ولا خلاف بين العقلاء أن صفة العلو أكمل من صفة السفل. وإذا كان كذلك، ثبت المقصود بالدليل العقلي الذي هم أنفسهم يستدلون به على انتفاء علو الله عز وجل على عرشه. كما ثبت كذلك بالدليل النقلي، ثبت بدليل العقل: بأن الله عز وجل فوق جميع خلقه. وإذا كان كذلك، فلا مانع من أن يقال: إن الله عز وجل في جهة العلو، إن الله عز وجل في جهة العلو. وكذلك لا مانع من أن يتصف الله عز وجل بذلك، بل هذا هو الواجب؛ لأنه الذي نطق به الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف هذه الأمة، ودل عليه العقل الصحيح، والفطرة السليمة. الحاصل من هذا أن قولهم: كان الله ولا مكان، ثم هو اليوم على ما كان قبل أن يخلق المكان، يقال: إن لفظ المكان من الألفاظ المجملة. كما أن لفظ الجهة من الألفاظ المجملة، كما أن لفظ الحيز من الألفاظ المجملة. فهذه الألفاظ القاعدة عند أهل السنة والجماعة: عدم إطلاقها مطلقًا، عدم إثباتها مطلقًا، أو نفيها مطلقًا. بل يستفصل فيها، فيثبت الحق وينفى الباطل. وإطلاق اللفظ على إطلاقه -نفيًا أو إثباتًا- بدعة؛ لأنه يحمل حقًا وباطلًا. إن أثبت به، أثبت به حقًا وباطلًا، وإن نفيته، نفيت به حقًا وباطلًا. لذا كانت القاعدة عند أهل السنة والجماعة في مثل هذه الألفاظ المجملة: التوقف في إطلاق اللفظ -ثبوتًا ونفيًا- والاستفصال في المعنى، فيثبت المعنى الحق، ويرد المعنى الباطل. فالأمكنة المذكورة هاهنا الذي يقال: إن الله عز وجل لا يقال: إن الله في مكان. يقال: الأمكنة على قسمين: أمكنة وجودية، أمكنة وجودية مخلوقة، فهذه لا يقال: بأن الله عز وجل فيها؛ لأن الله عز وجل محيط بكل شيء، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، وكما قال الله جل وعلا في حق كرسيه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. فإذا كان الكرسي -الذي هو موضع القدمين- قد وسع السماوات والأرض، فبالأولى العرش الذي كما جاء عن بعض السلف قالوا: ما الكرسي بالنسبة للعرش إلا كخردلة ملقاة في أرض فلاة. فهذا يدل على عظيم أمر العرش، فالكرسي وسع السماوات والأرض، والعرش أعظم منه بكثير، والله عز وجل قد استوى على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته. إذن الأمكنة الوجودية لا يجوز أن يقال: بأن الله عز وجل فيها. هذا النوع الأول من الأمكنة. النوع الثاني أو القسم الثاني من الأمكنة: الأمكنة العدمية، بمعنى أنه إذا أطلق بالمكان وأريد به المكان العدم، فالمكان العدم الذي هو عدم، ما هناك مانع أن يقال: بأن الله عز وجل فيه؛ لأن ما كان عدمًا فهو لا شيء، فهو في العدم. فهذا لا مانع من أن يقال: إن الله عز وجل في مكان بهذا الاعتبار، وهذا المكان هو مكان العلو، وهذا المكان المراد به العلو المطلق، العلو المطلق الذي ليس فوقه علو. لذا قال الشيخ -رحمه الله تعالى-: «إذا لا يتعلق به الخلق؛ فإنه أمر عدمي، فإذا قيل: إن الله في مكان بهذا المعنى، كما دلت عليه الآيات والأحاديث، فأي محذور في هذا؟» واضح جميعًا: لا. إذا قيل: إن الله في مكان -أي في مكان في العلو- في العلو المطلق الذي ليس فوقه علو، ولا يحيط به شيء، بل هو علو مطلق، فأي مانع من القول بهذا؟ وقد نطق به الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف هذه الأمة، ودل عليه كذلك العقل الصحيح، ودلت عليه الفطرة المستقيمة، لا مانع من ذلك. وقوله -رحمه الله تعالى- في الآية: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، قال: «وثم ها هنا للترتيب الزماني، لا لمجرد العطف؛ أي أنه روعي في «ثم» الترتيب الزماني؛ بمعنى أن الله عز وجل بعد أن خلق السماوات والأرض، وكان عرشه على الماء، ثم استوى على العرش». هذا يدل على أن الاستواء كان بعد خلق السماوات والأرض، هذا يدل على أن الاستواء على العرش كان بعد خلق السماوات والأرض. وكما مر معنا أن صفة الاستواء من الصفات الفعلية، من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله جل وعلا. فالله عز وجل بعد أن خلق السماوات والأرض استوى على عرشه، على ما استوى على العرش -سبحانه وتعالى- الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش. قال الشارح -رحمه الله تعالى-: قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: وقوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، وقوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾، وقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. قال الشارح -رحمه الله-: وقوله: «يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليه» إذا أخذت هذه الآيات، جاءت مؤيدة لما دلت عليه الآيات السابقة من علوه تعالى وارتفاعه فوق العرش، مباينًا للخلق، وناعية على المعطلة وجودهم وإنكارهم لذلك. وتعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. قوله -رحمه الله تعالى-: «جاءت هذه الآيات مؤيدة لما دلت عليه الآيات السابقة من علوه تعالى وارتفاعه على العرش، مباينًا للخلق». قوله: «مؤيدة» أي مؤيدة على علو الله جل وعلا على جميع خلقه. وصفة العلو من الصفات الذاتية العقلية، فهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. والفرق بين صفة العلو وصفة الاستواء من وجوه: أولها: أن صفة العلو صفة ذات، وصفة الاستواء صفة فعل. ثانيها: أن صفة العلو تدرك بالنقل والعقل، فهي خبرية عقلية، أما صفة الاستواء فهي خبرية. ثالثها: أن صفة العلو ثابتة بالأدلة الخمسة -دليل الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة-، وأما صفة الاستواء فثابتة بالثلاثة الأدلة الأولى منها. رابعها: أن صفة العلو معناها العلو المطلق -علو الذات وعلو القهر وعلو الصفات-، أما صفة الاستواء فمعناها علو مخصوص على العرش. لذا يقال على الله عز وجل: عال فوق جميع خلقه، ولا يقال: إن الله عز وجل مستوى فوق جميع خلقه، أو أن الله مستوى على سماواته. ويقال: إن الله عال على سماواته، فوق سماواته؛ لأن العلو علو مطلق، أما الاستواء فإنه علو مخصوص على العرش. ففي الآية الأولى ينادي الله رسوله وكلمته عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- بأنه متوفيه ورافعه إليه. والضمير في قوله: «إلي» هو ضمير الرب جل شأنه، لا يحتمل غير ذلك. فتأويله بأن المراد: إلى محل رحمتي، أو مكان ملائكتي، إلى آخر ذلك، لا معنى له. ومثل ذلك يقال أيضًا في قوله -سبحانه-: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، وقد اختلف في المراد بالتوفي المذكور في الآية، فعمل بعضهم على الموت، والأكثرون على أن المراد به النوم. ولفظ المتوفي استعمل فيه قال الله -تعالى-: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾. ومنهم من زعم أن في الكلام تقديما وتأخيرًا، وأن التقدير: إني رافعك ومتوفيك، أي مميتك بعد ذلك. والحق أنه -عليه السلام- رفع حيًا، وأنه سينزل غرب قيام الساعة، بصحة الحديث بذلك. ذكر -رحمه الله تعالى- هاهنا الآية وبيّن معناها، وهي قول الله جل وعلا: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وكذلك الآية الأخرى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾. فإن الآية صريحة في أن الله عز وجل رفع عيسى إليه، رفع عيسى إليه، وهذا يدل على أن الله عز وجل في العلو. بقي ما معنى قول الله عز وجل في هذه الآية: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾؟ هل معناه التوفي حقيقة، أم معناه غير ذلك؟ لأهل العلم أقوال في ذلك. فمن أهل العلم من حمل الآية على ظاهرها، فقال: معناه أن الله عز وجل توفى عيسى حقيقة، ورفعه إليه، بمعنى أن الله عز، ورفعه إليه على حاله، ثم سيرجعه في آخر الزمان كما دلت على ذلك الأدلة. ومن آهل العلم حمل التوفي على أن المراد: إني متوفيك، أي منيمك؛ لأن التوفي يطلق ويراد به النوم. أي أن الله عز وجل أنام عيسى -عليه السلام- ثم رفعه إليه في السماء، فهو الآن حي بروحه وبدنه في السماء -عليه السلام-. قال: «فدل على أن الله عز وجل في العلو». لذا رفع الله عيسى -عليه السلام- إليه، فهذا هو موطن الشاهد من هذه الآية. إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.