التعليق على العقيدة الطحاوية 47

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 47، ألقاها

كتابة المقادير في اللوح المحفوظ

يؤمن المؤلف بأن الله كتب مقادير الخلق في اللوح المحفوظ بالقلم، وأن ما كتب لا يمكن تغييره. جاء في الأحاديث أن الله خلق القلم وأمره أن يكتب ما سيكون إلى يوم القيامة.

حقيقة القضاء والقدر ومشيئة الله

يشرح المقطع معنى الأقلام التي سمع النبي صلى الله عليه وسلم صريفها في حديث الإسراء، ويوضح حقيقة القضاء والقدر. كل ما يحدث هو بمشيئة الله عز وجل، ويجب على العبد أن يسلم لأمر الله وأن يحب قضاء الله عز وجل ويرضى به.

التوبة من المعائب والتوكل على الله

يفرق بين المصائب التي هي قضاء الله الكوني والمعائب التي هي ذنوب العبد، ويبين أهمية التوبة من المعائب لأنها سبب للمصائب. يجب على العبد العمل بالأسباب الشرعية والكونية والتوكل على الله وتفويض أمره إليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قضينا قول المؤلف -رحمه الله تعالى- ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رقم. فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعله غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله فيه ليجعله كائنا لم يقدروا عليه. جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه. وأذكر مسألة اللوح بالقلم، هو القلم الذي يكتب به مقادير الخلق. وهذا القلم كما جاء في حديثه بعده أن أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب. وذكرنا مسألة هل العرش أولا أو القلم؟ وقلنا: الصحيح أنه العرش كان قبل القلم، حتى على رواية الرفع. حتى لو قلنا أن الحديث "إن أول ما خلق الله القلم" معناه أول ما خلق القلم على أنه خبر، أيضا كذلك ليس فيه دلالة على أنه أول مخلوق، وإنما فيه أنه أول ما خلق القلم هو القلم الذي كتب، معناه جنس القلم أول ما خلق جنس القلم هو القلم الذي كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن الله قدر مقادير الخلق أو قال الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة". متى قدر مقادير الخلائق؟ عندما خلق القلم، لأنه لما خلق القلم قال له: اكتب. قال: وما اكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. فهذا دليل واضح على أن المقادير التي قدرت قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كانت عندما خلق القلم، لما خلق القلم كتب تلك المقادير، أمره الله عز وجل أن يكتب. فدل على أن العرش والماء كانوا موجودين، وكان عرشه على الماء. وما جاء في حديث عبد الله بن عمر بالعرش، وقال أيضا في حديث عمران: "لما قال أقبل البشرى يا أهل اليمن، قالوا: قد قبلنا يا رسول الله وجئنا نسألك عن أول هذا الأمر". قال: "كان الله وليس معه شيء، وكان عرشه على الماء". فدل هذا الحديث على أن العرش كان قبل القلم. ثم قالوا: بجميع ما فيه قد رقم الأقلام. جاء في حديث الإسراء، في حديث أنس وجماعة في حديث الإسراء أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ بعد سدرة المنتهى حتى سمع تصاريف الأقلام. حتى سمع تصاريف الأقلام، معناه أن هناك أقلاما لا زالت تكتب. ما هذه الأقلام؟ هل هي نفس القلم الذي ذكره الله عز وجل؟ ممكن يكون نفسه، وممكن أيضا يكون أقلاما أخرى. لأن هذا القلم قال: قد جف القلم بما هو كائن. هذا القلم كتب مقادير الخلق كلها إلى أن تقوم الساعة، لكن هناك أقلاما تكتب وحي الله جل وعلا، تكتب وحي الله سبحانه وتعالى. وهذه الأقلام التي سمع النبي صلى الله عليه وسلم صريفها. قال: "فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعله غير كائن" إلى آخر ما ذكر. قوله: "ما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه"، هذا هو حقيقة القضاء والقدر. أن العبد يعلم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، ويعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه. رفعت الأقلام وجفت الصحف. فهذه حقيقة القضاء والقدر، وأن العبد يعلم أن كل ما أصابه فالله عز وجل أراده، وأيضا كل ما أخطأه لم يكن يصيبه، فلا داعي أن يعترض، بل يسلم لأمر الله جل وعلا، يسلم لأمر الله سبحانه وتعالى، لأنه كله تحت مشيئته جل وعلا. وقضاء الله عز وجل خير للعبد، قضاء الله عز وجل خير للعبد. فلهذا يجب على العبد أن يحب قضاء الله، أن يحب قضاء الله سبحانه وتعالى. لكن المقضي هل يجب أن يحب المقضي؟ على فرق هناك بين القضاء والمقضي. القضاء هو خير، لأن الله عز وجل ما يجعل شيئا إلا لحكمة سبحانه وتعالى. فلهذا يجب على المسلم أن يحب قضاء الله عز وجل ويرضى بقضائه، ويرضى بقضاء الله جل وعلا، ولا يجوز له أن يعترض. لكن المقضي هل يحبه العبد؟ المقضي الذي قضي والمقضي هذا على قسمين: المقضي على قسمين، إما تكون هذا المقضي مصائب، وإما معائب. فالمصائب هي من الله عز وجل، محبة المصائب هي من الله سبحانه وتعالى. وعلى قول جمهور أهل العلم أن المصيبة إذا أصابت العبد يستحب له الرضا والصبر، والصبر عليه واجب. الصبر واجب على القضاء والقدر وعلى المقضي، لكن الرضا بالمقضي هو مستحب. فهذه المصائب التي تصيب الإنسان، فهذه مصائب من الموت، موت قريب أو موت أحبائه، مرض، حوادث، وكذا. فهذه مصائب. وهناك معائب، والمعائب هذه المقضية هي ذنوب العبد، هي ذنوب العبد. فهذه المعائب ينبغي عليه أن يتوب منها، أن يتوب منها. ليست من الله عز وجل، بل هي من العبد على الأمر الكوني، لكن العبد له أيضا دخل في هذه المعائب، هو الذي فعلها وهو الذي ارتكبها. فلهذا يحاسبه الله عز وجل عليها، فيجب عليه أن يكره هذه المعائب، وأيضا يجب عليه أن يتوب منها ويقلع عنها، لأنها تضر وهي سبب من أسباب المصائب. كما قال الله عز وجل: ﴿فما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾. وقال: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾. فهذه المعائب هي سبب المصائب، سبب من أسباب المصائب. فلهذا يجب على المسلم أن يتوب إلى الله عز وجل إن حصل منه شيء من التقصير والذنوب، يتوب إلى الله ويرجع إليه سبحانه وتعالى، وهو الذي يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات. ثم أنه كذلك هذه الأمور، وهو قوله: "وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه". هذا جاء في حديث أبي أيوب الأنصاري، وزيد بن ثابت، وجماعة من الصحابة، منهم من أسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من لم يسنده. في حديث عبد الله بن خياط لما سأل أباه وأبا أيوب، وكذلك زيد بن ثابت، وجماعة من الصحابة سألهم عن هذه المسألة، قال: وقع في نفسه شيء من القدر فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فحدثني زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلهم ذكر هذه العبارة. وهي قوله: "وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه". قال: أن العبد لا يؤمن حتى يعلم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، بل أن ما أصابه أراده الله عز وجل له، ولا يصيبه إلا ما أراده الله عز وجل. فما كان من نفع أيضا كله من الله سبحانه وتعالى، سواء كان نفعا أو ضرا، فلهذا لا يتعلق العبد قلبه بغير الله، بل يعلم أن النافع هو الله عز وجل فيرجو من الله، ويعلم كذلك أن الضار هو الله فيخاف من الله سبحانه وتعالى، ولا يخاف من غيره. لأنه يعلم أن ما أحد سيضره مهما بلغ إلا بإذن الله عز وجل. ولكن كما ذكرنا قبل أن العبد يجب عليه أن يعمل بالأسباب التي جعلها الله عز وجل أسبابا شرعية أو كونية، يعمل بها ويتوكل على الله جل وعلا، ويفوض أمره إلى الله سبحانه وتعالى. فهذا ما يذكر في هذه العبارة، فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.

شاركنا على