الدرس في كتاب الجنايات 6، ألقاها
يتناول المبحث الجناية على ما دون النفس ويعرفها بأنها كل أذى يقع على الإنسان دون أن يودي بحياته، ويبين وجوب القصاص في ذلك مستندًا إلى الكتاب والسنة والإجماع.
يشرح المبحث أنواع الجروح المختلفة وأحكامها، بداية من الجروح الخفيفة مثل الحارصة والدامية إلى الجروح الأعمق مثل الباضعة والمتلاحمة، مع توضيح أحكام القصاص والدية والحكومة فيها.
يتناول المبحث الجائفة بأنها الجراحة التي تصل إلى باطن الجوف، ويوضح أحكامها من حيث الدية، مستندًا إلى حديث عمرو بن حزم الذي كتب فيه النبي صلى الله عليه وسلم أحكام الديات.
يحدد المبحث ضابط القصاص في الجروح، مشيرًا إلى أنه لا قصاص في الجروح التي لا يمكن فيها القصاص بدقة، وأن القصاص يكون ممكنًا في الجروح الواضحة التي قطعت جزءًا من البدن.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله-: المسألة الرابعة: الجناية على ما دون النفس. قال: وهي كل أذى يقع على الإنسان مما لا يودي بحياته، من الجراح وقطع الأعضاء ونحو ذلك. هذا معنى الجناية على ما دون النفس، كل أذى يقع على الإنسان مما لا يودي بحياته، يعني لا يذهب بنفسه، يبقى حيًا، لكنه يكون قد جرح أو قطع عضو كامل أو بعض العضو. قال: ويجب في ذلك القصاص لثبوت ذلك بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص﴾. وأما السنة، فقوله صلى الله عليه وسلم في قصة كسر الربيع ثنية جارية: «كتاب الله القصاص». قالوا: أجمع العلماء على وجوب القصاص فيما دون النفس إن أمكن. إذن الدليل على القصاص في الجنايات التي فيما دون النفس في الجراحات، قول الله جل وعلا: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص﴾، والجروح قصاص. وهذه الآية وإن كانت فيما أنزل الله عز وجل على بني إسرائيل في التوراة، إلا أن جاء تقريره في الإسلام، وقره النبي عليه الصلاة والسلام. فلما كسرت ثنية الربيع، أو كسرت الربيع ثنية جارية -الربيع ابنت النضر، وهي أخت أنس بن النضر- قال أنس بن مالك: كسرت ثنية جارية، فقال أنس بن النضر: لا تكسر ثنية الربيع. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا أنس، كتاب الله القصاص»، هذا حكم الله. قال: والله لا تكسر ثنية الربيع، فعفى أولياء المقتولة، وعفوا عن القصاص. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره»، الشاهد قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كتاب الله القصاص»، يعني في الجروح، دل هذا على أن القصاص كذلك يكون في الجراحات. قال: واجمع العلماء على وجوب القصاص فيما دون النفس إن أمكن، يعني إن أمكن القصاص. وأما إن لم يمكن القصاص، فحينئذ لا يقتص خشية الوقوع في الحيف والتعدي. ولكن مع وجود الطب الحديث اليوم وتطور الطب، يمكن أن يقتص من كل جرح، بخلاف الزمن السابق ما كان عندهم ذلك الطب القوي. لأجل هذا كان إقامة القصاص في الجروح محدودة، وفي بعضها لا يمكن إقامة القصاص فيها. وعلى كل، العبرة بالإمكان، إن أمكن يقيم القصاص، وإن لم يمكن فإنه لا يقام فيها القصاص. قالوا: ثلاثة أنواع: أولًا الجناية بالجرح، وثانيًا قطع طرف، وثالثًا إبطال منفعة عضو. النوع الأول الجناية بالجرح، قالوا: هذا الجناية تنقسم إلى قسمين: الجراح الواقع على الوجه والرأس وتسمى الشجاج -جمع شجة-، وثانيًا الجراحات لسائر الأبدان وتسمى جرحًا لا شجة. هذا الاصطلاح عند الفقهاء، إذا كانت الجراحة في الوجه أو في الرأس تسمى الشجة، قال لها الشجاج، وإن كانت فيما دون الوجه والرأس فتسمى جراحة تسمى جرحًا. قال: القسم الأول الجراحات الواقعة في الرأس والوجه، وهي عشرة أنواع. أولًا الحارصة، وهي التي تحرص الجلد، أي تشقه قليلًا، شق خفيف ولا تدميه كالخدش، وتسمى القاشرة والمليطاء من الحرص، وهو الشق. هذه الأولى الحارصة عبارة عن شق خفيف كالخدش لا تدميه، يعني ما تجرحه كثيرًا حتى يسيل الدم، يعني شيء يسير جدًا. قال: ثانيًا الدامية، وهي التي تدمي موضعها من الشق، أي تدمي الجلد فيخرج منها دم يسير، وتسمى البازلة والدامعة تشبيهًا بخروج الدمع من العين، والدمع قليل، وهكذا الدامية جرح يخرج منه دم يسير. ثالثًا الباضعة، وهي التي تبضع اللحم بعد الجلد، أي تشقه شقًا خفيفًا، يعني تصل إلى اللحم ولا تبلغ العظم، أي تسمى الباضعة. رابعًا المتلاحمة، وهي التي تغوص في اللحم ولا تبلغ الجلدة التي بين اللحم والعظم، بين اللحم والعظم جلدة، لكن هذه الجارحة ما تصل إلى هذه الجلدة، لكن تغوص في اللحم. خامسًا السمحاق، وهي التي تبلغ الجلدة الرقيقة بين اللحم والعظم من الرأس، سميت الجراحة باسمها، يعني الجلدة التي بين العظم واللحم تسمى السمحاق، وسميت هذه الجراحة باسمها باسم هذه الجلدة. قالوا: هذه الخمس ليس فيها قصاص ولا دية، لماذا؟ لعدم إمكان القصاص فيها. قالوا: وإنما يجب فيها حكومة. يجب فيها حكومة، وكل جراحة لا يمكن فيها القصاص ففيها حكومة. ما هذه الحكومة؟ قالوا: الحكومة هي أن يقوم المجنى عليه قبل الجناية كأنه عبد، ثم يقوم وهو به قد بارئت، فما نقص من القيمة فللمجنى عليه مثل نسبته من الدية. يعني يقوم المجنى عليه الذي وقع فيه الجرح كأنه عبد، عبد ليس به جناية، كم قيمته؟ مثلا خمسمائة أو خمسمائة، ثم يقوم وبه هذه الجناية، ينظر كم قيمته بهذه الجناية، قالوا: أربعمائة، كم نقص؟ نقص من قيمته مائة، نقص من قيمته مائة، يعني خمس القيمة، إذن يكون عليه من الدية خمس الدية. سادسًا الموضحة، قال: وهي التي تخرق السمحاق، وهي التي تخرق السمحاق وتوضح العظم، أي تكشفه، سميت الموضح لذلك توضح العظم، تخرق الجلدة التي بين العظم واللحم حتى يظهر العظم، فسميت الموضح. قالوا: فيها خمس من الإبل، نصف عشر الدية. سابعًا الهاشمة، وهي التي توضح العظم وتهشمه، أي تكسره، وفيها عشر من الإبل. الهاشمة التي تهشم العظم، أي تكسر العظم، تصل إلى العظم وتكسره، فيها عشر من الإبل. ثامنًا المنقلة، وهي التي تنقل العظم من موضع لآخر، سواء أوضحته وهشمته أو لا، يعني مثلا كسر العظم ولم يظهر، لكن تحرك من محله، تحول من محله، هذه تسمى المنقلة، وإن لم يظهر العظم، العبرة فيها وضابطها أن ينتقل العظم من محله، أن ينتقل العظم من محله، هذه المنقلة فيها خمسة عشر من الإبل. تاسعًا المأمومة، وهي التي تبلغ أمة الدماغ، أي جلدة الدماغ المحيطة به، ويقال لها الآمة، وفيها ثلث دية النفس، يعني تكسر العظم وتصل إلى جلدة الدماغ، تصل إلى جلدة الدماغ، ففيها ثلث الدية. عاشرًا الدامغة، وهي التي تخرق جلدة الدماغ وتصل إليه، وفيها ثلث دية النفس أيضًا. المأمومة تصل إلى الجلدة، والدامغة تصل تخرق جلدة الدماغ، الدامغة تخرق جلدة الدماغ، وعضح المأمومة تبلغ جلدة الدماغ، والخارقة أو الدامغة تخرق الجلدة، جلدة الدماغ، وفيها كذلك ثلث الدية. ويضاف إلى ذلك الجائفة، وهي التي تصل إلى باطن الجوف مما لا يظهر للرأي، يعني مما لا يراه الإنسان، كداخل بطن وداخل ظهر وصدر وحل ومثانة، يعني ليست خاصة بالبطن، في أي موضع من الجسد تسمى جائفة، كطعنة السكين مثلا في البطن أو في الظهر أو في الجنب. قالوا: هذه ليست من الشجاج لأنها ليست في الرأس أو الوجه، هذه من الجروح، إلا أنهم يذكرونها تبعًا بجامع التقدير فيها، وفيها ثلث دية النفس. يعني لما كانت المأمومة والدامغة فيها ثلث الدية، ناسب أن يذكر الجائفة لأن فيها كذلك ثلث الدية. قال: ودليل هذه الجراح أولًا حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كتب كتابًا إلى أهل اليمن، وذكر فيه: وفي المأمومة ثلث دية، وفي المنقلة خمسة عشر من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل». هذا الحديث حديث عمرو بن حزم، كتب النبي عليه الصلاة والسلام كتابًا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم. الحديث رواه النسائي والحاكم والبيهقي، وصححه بعض أهل العلم، وبعضهم ضعفه، لكن قبله العلماء وعملوا به، فهو مما تلقته الأمة بالقبول، يكاد يتفق أهل العلم على العمل بما فيه. قال: ثانيًا اجمع العلماء على أن دية المنقلة خمسة عشر من الإبل. ثالثًا اتفاق العلماء على أن في الجائفة ثلث الدية، لما في حديث عمرو بن حزم: «وفي الجائفة ثلث الدية». طبعًا هذا إذا بقي حيًا، إذا بقي حيًا أصيب بجراحة في باطن في الجائفة وعاش، فله ثلث الدية، لكن إن مات فالدية كاملة، إن مات فالدية كاملة. قال: رابعًا أثر زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قضى في الهاشمة عشر من الإبل. والأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، والبيهقي في سننه. قال: ولم يعرف له مخالف، أي من الصحابة رضي الله عنهم. وقول الصحابة إذا اشتهر ولم يعرف له مخالف، فإنه يحتج به، كما هو مقرر عند أهل الأصول. قال: خامسًا ولما جاء في كتاب عمرو بن حزم السابق: «أن في المأمومة ثلث الدية»، والدامغة أبلغ منها، فهي أولى منها بأن تكون فيها ثلث الدية. إذا كانت المأمومة فيها ثلث الدية، والمأمومة تصل الجارحة إلى أم الدماغ، إلى الجلدة الدماغ المحيطة به، فالجائفة تغوص الجراحة في باطن البدن، فهي أشد، فناسب ذلك أن تكون فيها ثلث الدية كالمأمومة. قالوا: هذه الشجاج لا يجب القصاص فيها إلا في الموضحة فقط، لتيسر ضبط واستيفاء مثلها، بخلاف ما عداها، فإنه لا يؤمن فيها الزيادة والنقص في طول الجراحة وعرضها، ولا يوثق باستيفاء المثل. يقول: هذه الشجاج، يعني الإصابات في الوجه وفي الرأس، ليس فيها قصاص إلا الموضحة التي توضح العظم، لأن هذا يمكن القصاص فيها من غير زيادة ونقصان، إلا إذا أمكن بالطب الحديث أن يقتص في بقية الجراحات، فإنه يقتص إن أمكن، وإن لم يمكن ففيها كما سمعنا هذه الحكومة، وهذه الديات التي جاءت في حديث عمرو بن حزم، وما كان دونها ففيها حكومة، يعني ما دون هذه الجراحات، دون الهاشمة والمنقلة مثلا، فيها حكومة، كما مر معنا الحكومة. قال: القسم الثاني الجراحات في سائر البدن، وهذه الجراحات تختلف باختلاف النوع. فما لا قصاص فيه إذا كان في الرأس أو الوجه، فلا قصاص فيه أيضًا إذا كان في سائر البدن، إلا الموضحة التي تقطع جزءًا من أجزاء البدن كالصدر والعنق. ويمكن أن يقال: الضابط ما أمكن فيه القصاص من غير حيف، أي زيادة أو نقصان، فيقتص، وما لا يمكن فإنه لا يقتص. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.