الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 65، ألقاها
يشرح موقف أهل السنة من تأثير الذنوب على الإيمان، حيث يؤكدون أن الذنوب تضعف الإيمان وتؤثر عليه. الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية حسب اعتقادهم.
يشرح مفهوم الإيمان وأنه يشمل فعل الطاعات وترك المعاصي، ويبين تفاوت درجات أهل الإيمان. منهم المحسنون الذين يرجى لهم العفو والمغفرة، ومنهم المسيئون الذين يحتاجون إلى الاستغفار.
يُناقش أهمية عدم الجزم بدخول أحد الجنة إلا بشهادة الشرع، مستدلًا بحديث أم العلاء في صحيح البخاري. الشهادة بالجنة تكون لمن شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم أو الشرع.
يشير إلى أحكام الفدية وأمور أخرى ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، ويتمنى المحسنين من المؤمنين أن يعفوا عن المسيئين ويدخلوهم الجنة برحمة الله. سيتم استكمال بعض المسائل في درس لاحق.
بسم الله الرحمن الرحيم، حمدًا لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحل»، وذكرنا تفصيل هذه العبارة وتوجيهها على مذهب أهل السنة. قال: «ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله»، وهذا أيضًا عبارة تكملة للتي قبلها، ولأنها فيها رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، والثانية فيها رد على المرجئة الذين يقولون إن الذنوب والمعاصي والكبائر لا تؤثر في الإيمان ولا تضره. وذلك أن المؤلف يخالف المرجئة في هذا المعتقد، أن الإيمان لا يضر، أو أن المعاصي لا تضر مع الإيمان، ويبقى إيمان العبد مهما فعل من المعاصي. وإنما الذي يتغير هو التقوى، وهذا غير صحيح، بل نقول: إن الذنب يضر مع الإيمان. ولهذا ذكر العلماء، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن الفاسق الملي - وهو الفاسق الذي هو من أهل الملة - لا يسلب منه مطلق الإيمان، ولكن يسلب منه الإيمان المطلق، الإيمان الكامل. فهو يؤثر عليه في الإيمان المطلق، ولا يؤثر على مطلق الإيمان. فاسم الإيمان لا يزال باقيًا معه، لكنه يضعف الإيمان. وهذا أيضًا يرد إلى مذهب أهل السنة، أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. لهذا قرر أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. ودلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، وأيضًا هو قول السلف عامة، وإن كانوا يختلفون فقط في بعض الألفاظ التي تقال. مثل ما جاء عن عبد الله بن المبارك أنه كان يقول: «يتفاضل»، ولا يقول: «يزيد وينقص». وجاء عن مالك أنه يقول: «يزيد»، ولا يقول: «ينقص»، لأنه جاء في الآثار. والزيادة تدل على النقصان، الزيادة لا شك أنها تدل على النقصان. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على مسألة الزيادة والنقص. وهنا في هذا رد على هؤلاء المرجئة الذين يقولون: إن الذنوب لا تؤثر في الإيمان ولا تضر. بل الصحيح أنها تضر الإيمان وتسلب منه الإيمان المطلق، الإيمان الكامل، تسلبه منه. ولهذا جاء في الحديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليها أبصارهم وهو مؤمن». وأيضًا الحديث الذي فيه: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قالوا: «من يا رسول الله؟» قال: «من لا يأمن جاره بوائقه». وأيضًا قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، أو قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾. فلهذا فأهل الإيمان الذين هم أهل الإيمان الحقيقي هم الذين يفعلون الطاعات ويتركون المعاصي، وإن أذنبوا استغفروا. وأما صاحب الذنب حتى يصل ذنبه إلى الكفر، فهذا لا شك أن إيمانه يضر. ثم قال رحمه الله تعالى: «نرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفوا عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنطهم». وأيضًا هذه العبارة عبارة عظيمة فيها أيضًا من مذهب أهل السنة. رحمه الله أنهم يرجون للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم الله ويدخلهم الجنة برحمته سبحانه وتعالى. وهذا ينبغي لكل مؤمن أن يرجوه. وهذا أيضًا من محبة المؤمن لأخيه، ومحبة المؤمن لأهل الإيمان، الذين جاءوا من بعدهم يقولون: «ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم». فلهذا فأهل الإيمان يرجو بعضهم لبعض الخير. فقال: «نرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفوا عنهم ويُدخِلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة»، لأن العمل من مكر الله عز وجل، لا يجوز لأحد أن يأمن مكر الله. فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، وجاء في الآية الأخرى: «إلا القوم الكافرون». فلهذا فليس المؤمن الذي يأمن مكر الله. فلهذا لا نأمن عليهم ولا نشهد لهم - أي لا نشهد لهم بالجنة - إلا لمن شهد له رب العالمين سبحانه وتعالى، أو شهد له نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلهذا لا نشهد لأحد بالجنة لأن هذه الشهادة لابد أن تكون عن وحي. ولهذا جاء في حديث أم العلاء في صحيح البخاري، لما مات عثمان بن مضعون، قالت أم العلاء: «هنيئًا له الجنة، رجل صالح هنيئًا له الجنة». قال: «ما يدريك أنه في الجنة؟» ما يدريك أنه في الجنة؟ فهذا مع أنه عثمان بن مضعون رجل صالح، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحبه، ولما مات ترحم عليه ودعا له. لكن لما قالت المرأة هذا الكلام أنكر عليها، قالوا: «ما يدريك أنه في الجنة؟» قالوا: «الله والله لا أدري، والله لا أدري، وأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفعل بي ولا به». قالوا: «الله لا أدري، والله لا أدري، وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا به». أنا ما أدري، وهذا قبل أن ينزل عليه جل وعلا سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. لأن هذا كان في بداية الهجرة، لما هاجر المهاجرون إلى المدينة، آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، فكان عثمان بن مضعون من أهل مكة ومن المهاجرين، فوقع لبعض أهل الأنصار من الأنصار فرأوا ما كان عليه من خير عبادة وطاعة، فشهدت لهم أم العلاء، وكان زوجها آخًا له - أي كان ممن آخاهم النبي صلى الله عليه وسلم لزوجها عثمان بن مضعون - فكانت تقول رضي الله عنها: «هنيئًا له الجنة، كان رجلًا صالحًا». فأنكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم. فلهذا دل على أنه لا يشهد لأحد بالجنة إلا لمن شهد له الشرع، لمن شهد له الشرع في الصحابة رضي الله عنه. وكذلك من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم - معناه من الصحابة - كالعشرة، وثابت بن قيس بن شماس، وغيرهم ممن شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك أزواجه، وأيضًا أهل السنة جميعًا - معناه يعتقدون أن الصحابة رضي الله عنهم كلهم عدول، وكلهم من أهل الجنة - لأن الله عز وجل قد زكاهم وزكى طريقتهم، ورضي الله عز وجل عنهم. فمن رضي الله عز وجل عنه فهو من أهل الجنة. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل بدر - وما جاء في الصحيح في أحد - الجابر لا يدخل أحد النار شهد بدرًا. وكذلك في الفدية أيضًا، من شهد الفدية، وغيرها مما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: «نرجو المحسنين من المؤمنين أن يعفوا عنهم ويدخلهم الجنة برحمته». إن شاء الله تعالى نكمل بعض المسائل في هذه الفقرة في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.