الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  97

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 97

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 97، ألقاها

تراجم رواة الحديث وتأثير طاعتهم لأمهاتهم

يتحدث هذا الفصل عن ترجمة محمد بن البشار البصري وعبد الصمد بن عبد الوارث، مع التركيز على أثر طاعة الوالدين في حفظ الحديث وتحصيل العلم. كما يتناول المقطع موقف عبد الوارث بن سعيد والد عبد الصمد الذي اتهم بالقدر.

إرسال أبي بكر للحج بالناس وإعلان البراءة

يتناول هذا الفصل قصة إرسال النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر ليحج بالناس في السنة التاسعة، وإعطائه سورة براءة ليقرأها عليهم، مع توضيح أهمية هذا الحدث في إعلان الفيصل بين الإسلام والشرك.

تنفيذ قرارات البراءة وإبعاد المشركين عن الحج

يشرح هذا الفصل إرسال علي بن أبي طالب لتنفيذ قرارات البراءة، بإعلان عدم الحج للمشركين بعد العام وعدم الطواف بالبيت عريانًا، ويبرز أهمية هذا الإجراء في تأكيد انفصال الإسلام عن الشرك.

نتائج إعلان البراءة وتأثيرها على الحج

يتناول هذا الفصل وفاء الله لنبيه وتحريم الطواف على العراة، حيث أصبح الحج للمسلمين فقط بعد حجة الوداع، ولم يطف بالبيت أحد عريان بعد ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله رحمه لا شريك له، وأشهد أن محمدا العبد ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا محمد بن هاج الوالي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا بنداء، وبنداء هو محمد بن البشار البصري رحمه الله، وكان حافظا كبيرا، وسمي بنداء بحفظه، البنداء بلغة فارس الحافظ. وهذا محمد بن البشار كان في البصرة، وأخذ المشايخ في البصرة، وأراد أن يرحل، فمنعته أمه، منعته أمه أن يرحل، فأطاعها. قال رحمه الله: فبارك الله لي في الحديث، حفظ حديثا كثيرا، مع أنه لم يرحل في بداية الطلب، حتى ماتت أمه، وحصل علما كثيرا. وأيضا قال: سمع مني خمسة قرون من الناس، أنا أناس كثير سمعوا منه رحمه الله. وأيضا أخرج عنه أصحاب الأمهات، بل كذلك أيضا أبو يعلى والبزار وغيرهم من أئمة الإسلام. قال: حدثنا أبو بنداء، قال: أخبرنا عفان بن مسلم وعبد الصمد. عفان بن مسلم أبو عثمان الصفار البصري رحمه الله، وعبد الصمد وابن عبد الوارد بن سعيد التنوري، وأيضا كذلك بصري، وأبو عبد الوارد من أصحاب أيوب. وعبد الصمد أيضا كان من أهل السنة، وتهم والده عبد الوارد بن سعيد بالقدر، لكن عبد الصمد يقول: أنه كذب على والده. والناس قد أثبتوا قول ابن سعيد بالقدر، جماعة من السلف من كان قد عاصره. بل لما قيل لابن داود الطيالسي: لما لم ترو عن عبد الوارد؟ قال: أروي عن الرجل الذي يقول: روايته عن عمر بن عبيد أفضل من مئة مرة من روايتي عن أيوب وابن عون ويونس. قال: إنه يقول: أن رواية عمر بن عبيد أفضل عنده. وهذا لا شك أنه تجني، ولو لم يقل بالقدر، يقال: أنه على بدعة، تكفي هذه الكلمة، لأن هذه كلمة خطيرة. كيف يفضل الرجل الذي يجاهر بالبدعة ومن أهل الضلال على أئمة السنة في ذلك العصر؟ وهذا يدل على أن الرجل إذا تكلم على أئمة السنة يسقط، مهما كان شأنه، ومهما كان أيضا علمه ومرتبته وحفظه للعلم، لكن إذا تكلم على أئمة السنة فإنه يسقط. وهكذا كان عبد الوارد، ادعى أن الرواية عن عمر بن عبيد أفضل من الرواية عن أئمة السنة كأيوب ويونس وابن عون، وهم أئمة البصرة في ذلك الزمان. قال رحمه الله: قال أي عفان بن مسلم وعبد الصمد: قالا لأحمد بن سلم، وهو أحمد بن سلم بن دينار، إمام من أئمة السنة، كان ابن مهدي وعبد الرحمن المهدي وغيرهم يقولون: من تكلم في حماد بن سلمة فاتهموه على الإسلام. وكان حماد رجل صدوق، متبع للسنة قولا وعملا، حتى يقال: أنه لو قيل لحماد بن سلمة: أنك ستموت غدا، ما استطاع أن يزيد في عمل. لو قيل له: أنك ستموت غدا، ما استطاع أن يزيد في عمل. وهذا يدل على أنه كان مجتهدا بالطاعة والعبادة. قال: قال عن سماك بن حرب، سماك وثقه، إلا أنه يضطرب في بعض الأحاديث، خاصة في رواية عن عكرمة. وذكر ابن مديني: أن حديث سماك مضطرب كله. لكن أكثر العلماء كأحمد وغيره يرون: أن اضطرابه إنما في حديث عكرمة. وأيضا كذلك يرى بعض العلماء كالدارقطني، وكذلك قبله كأبي حاتم: أن هذا حصل له بعدما كبر. وإلا فرواية سفيان وشعبة وأبو الأحوص روايتهم عنه قديمة. وكذلك حماد بن زيد وحماد بن سلمة روايتهم عنه قديمة، فالرواية القديمة عنه كانت أصح ممن روى عنه بعد ذلك. وكأنه تغير حفظه. قال: عن سماك بن حرب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو حمزة حافظ الحفاظ، الحديث ممن أخذ عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولازمه. قال: بعد النبي صلى الله عليه وسلم ببراءة مع أبي بكر، ثم دعاه، فقال: لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهله، فدعا عليا فأعطاه إياها. قال رحمه الله: هذا حديث حسن غريب. أي الترمذي يقول: هذا حديث حسن غريب من حديث أنس بن مالك. قال أبو عبد الرحمن: هو حديث حسن على شرط مسلم. والحديث أخرجه الإمام أحمد، فقال: حدثنا عبد الصمد وعفان، قالا: حدثنا حماد به. قال: وخرجه ابن أبي شيبة، فقال رحمه الله: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة به. قال: وخرجه النسائي في الخصائص، فقال رحمه الله: أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عفان وعبد الصمد، قالا: حدثنا حماد بن سلمة به. فهذا الحديث فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة مع أبي بكر، لما حج في السنة التاسعة، فإنه بعدما رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الحديبية أقصد من مكة في السنة الثامنة، واعتمر فيها، عمرة القضية، في ذي القعدة، ثم خرج عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة. ثم أنشأ في السنة التي بعدها، وهي السنة التاسعة الحج، لكن لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قال أكثر العلماء: أن الحج فرض في السنة التاسعة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يحج بالناس، وتحرك أبو بكر رضي الله عنه، وأعطاه أيضا سورة براءة. معنى أعطاه: أن يقرأ على الناس براءة، لأنها الفيصل بين الإسلام والشرك، وفيها أيضا أمور متعلقة بالشرك في حجهم وعبادتهم. وهل أعطاه السورة كلها أم أعطاه بعضها؟ فهذا جاء خلاف في بعض الروايات، فمن الروايات من قال: قرأها عليه حتى ختمها. ومن الروايات أنه قرأ أربعين أو ثلاثين آية. وجاء في بعض الروايات: أنه بعثه بالبراءة من المشركين، وأنه لا يدخلون المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وبعثه كذلك أن لا يحج مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ولهذا يقال: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحج في السنة التاسعة، إنما لأجل أن المشركين يحجون، أن بعض المشركين كانوا لا زالوا يحجون ويطوفون بالبيت عراة، كما كان على عادة الجاهلية. فعادة الجاهلية: أن الرجل أو الذي يحج، سواء كان رجلا أو امرأة، يأتي إلى بيت الله الحرام، فإن وجد ثوبا من أثواب أهل الحرم اشتراه وطاف به. ومن لم يكن معه شيء من المال لأجل أن يطوف بثوب من أثواب الحرم، فإنه يطوف بالبيت وهو عريان، حتى المرأة كما قال ابن عباس: فتطوف وتقول: اليوم يبدو كله أو بعضه، وما بدا منه فلا يحل له. وهذا جهل، فلهذا نادى النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة، وأمر عليا أن ينادي في الناس: أن لا يحج بعد العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان. قال هنا: بعد النبي صلى الله عليه وسلم ببراءة مع أبي بكر، ثم دعاه، فقال: لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهله، فدعا عليا فأعطاه إياها. وهنا اختلفت الروايات، هل أن أبا بكر قد تحرك؟ فجاءت بعض الروايات: أنه كان في ذي الحليفة. وبعض الروايات جاء: أنه كان في العرض. وبعض الروايات قالت: أنه إنما لما جاء أن أبا بكر كلمن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. لأنه جاء في بعض الروايات: أنه لما أرسل جاء عند ابن حبان عن جابر، أنه قال: صلينا الفجر مع أبي بكر في العرض، قال: فلما صلينا الفجر، فسمعنا تغاية ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم لحضورها، قال: فإذا علي بن أبي طالب أرسله النبي صلى الله عليه وسلم، وأرسله معه ناقة، فقال عليه الصلاة والسلام، فقال أبو بكر لعلي: أرسول أم أمير؟ رسولا بعد أن أرسله النبي صلى الله عليه وسلم رسول أو أمير؟ قال: بل رسول، وأمرني أن آخذ منك الكتاب الذي فيه البراءة، فأعطاه أبو بكر رضي الله عنه ذلك. ولما رجع أبو بكر خاف من ذلك، فقال: يا رسول الله، أذنبت ذنبا أو شيء علي؟ قال: لا، إنما جاء عن جبريل، وقال: لا ينبغي أن يبلغ هذا إلا أنت أو أحد من أهلك، أنا لا يبلغ شيء من هذا، وهو البراءة من المشركين وغيرها، لا يبلغ إلا أنت أو رجل من أهلك. فأرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليا بذلك، فكان ينادي في الناس. ولما خطب أبو بكر الصديق رضي الله عنه في عرفة بعدما انتهى، قال: يا أيها الناس، فقام علي عليه السلام وقرأ على الناس سورة التوبة، سورة براءة، حتى ختمها. ثم أنادى في الناس: أن لا يحج بعد العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان، أن لا يحج بعد العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان. ثم أرسل أبو بكر رضي الله عنه من يعينه على ذلك، أرسل أبا هريرة، وأرسل جابرا، وأرسل جماعة من الصحابة ينادون في الناس، لأنه ليس كل الناس حضر خطبة عرفة، فلهذا كان علي يدور على الناس وينادي فيهم حتى يسمع الناس هذا الأمر وينتشر بينهم، فلا يحج بعد العام مشرك. فأتي النبي صلى الله عليه وسلم الحج، وليس هناك من أهل الشرك أحدا يحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفعلا فلم يحج في عام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رجل مسلم. وكان يقال: أنهم أربعة عشر ألفا أو مئة ألف أو مئة وأربعة عشر ألف رجل أو نحوها، حجوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقيل أقل من هذا. فلهذا كما قلنا: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث عليا لهذا السبب، وهو أنه لا يبلغ هذا إلا رجل من أهله. وأبو بكر رضي الله عنه خاف من ذلك، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل أتى. وجاء في رواية: أنه قال: أردت أن لا يبلغ أحدا هذا عني إلا رجل من أهلي. فوفى الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم. فلما حج رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلم يحج في سنته إلا مسلم، وكذلك لم يطف بالبيت عريان بعد ذلك. فهذا ما يذكر بهذا الحديث، والله تعالى أعلم.

شاركنا على