الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 98، ألقاها
يبدأ المقطع الأول بذكر سند حديث يتعلق بتجلي الله للجبل، حيث قرأ النبي صلى الله عليه وسلم آية التجلي. كما يشير إلى تفسير سليمان بن حرب للتجلي بإشارة من إصبعه، ويقدم معلومات عن سليمان بن حرب وثابت البناني.
يفسر المقطع الثاني حديث حماد بن سلمة عن تجلي الله للجبل، ويبين فهم السلف الصالح لهذا الحديث وإثباتهم لصفة التجلي لله عز وجل، مع الرد على الجهمية والمعتزلة الذين نفوا هذه الصفة.
يتناول المقطع الثالث الرد على الجهمية الذين ينفون صفة التجلي لله تعالى، ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد إثبات هذه الصفة، مع تحذير السلف من الخوض في مثل هذه الأمور لما فيها من زلل.
يشرح المقطع الأخير نهي السلف عن الخوض في أمور غير مثبتة بالكتاب والسنة، ويبين أن هذا النهي يأتي لتحذير الناس من الخوض في مثل هذه الأشياء غير الثابتة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد. قال شيخنا مقلد المهاجر وعد رحمه الله تعالى: قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، وهو الإمام الحافظ ابن الله بن عبد الرحمن الدارمي، أبو محمد، رحمه الله، السمرقندي، من سمرقند، وهي منطقة من مناطق خراسان. قال: أخبرنا سليمان بن حرب، وسليمان بن حرب هو أبو أيوب الأزدي الواشحي، رحمه الله عليه، قاضي مكة، كان رجلا من أهل السنة ومهابا. ولما حضر إلى العراق عند المأمون، جعل له مجلسا للعلم، فحضره ناس كثيرون، حتى قيل: إنه حضر له أربعون ألفا أو نحوها. فقام اثنان من المستملين، إنه كان سليمان بن حرب على طريقة العراق يملي، وكان حافظا لا يحمل معه كتابا، وكان حافظا متحررا، قل الخطأ في حديثه. وكان أيضا يتحرى في روايته، لهذا قال أبو حاتم وغيره: إن سليمان بن حرب لم يرو إلا عن ثقة. فازدحم الناس عليه، فقام بعض المستملين في ذلك المجلس، اثنان أو ثلاثة، فلم يسمعهم الناس لكثرة الناس، حتى جاء هارون المستملي، وهارون المستملي قد اشتهر بصوته الذي يسمع من بعد. فلما جاء هارون، قالوا: هذا هارون المستملي، فأسمع الناس. أن الله عز وجل أعطاه موهبة بالصوت، معنى ذلك أن صوته كان جهوريا. ودخل على المأمون العباسي، وكان عنده ابن أبي دؤاد، وكان يقول له ابن أبي دؤاد: نسأل الشيخ. فقال له سليمان بن حرب: حدثني خلان، وخلان ذكر له آثارا أن الإنسان إذا أراد أن يسأل سؤالا يضحك الناس، فلا داعي أن يسأل، وإن أراد سؤالا ينفعه، فليسأل. فذكر له آثارا عن السلف بهذا. فالجم ابن أبي دؤاد الجهمي لم يستطع بعد ذلك أن يسأله، ولم يتكلم كلمة حتى خرج. فجعله بعد ذلك المأمون قاضيا لمكة، جلس فيها سنوات، وكان رجلا مهابا من أهل العلم. وكان أبو حاتم، وكذلك الإمام أحمد، يفضلون رواية سليمان بن حرب على أبي موسى التبوذكي المنقري، أو على أبي سلمة التبوذكي، موسى بن إسماعيل، وهو من أخص الناس بمحمد، لكن كانوا هؤلاء يفضلون رواية سليمان بن حرب على رواية أبي سلمة. قال: أخبرنا سليمان بن حرب، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، كما تقدم، حافظ من حفاظ أهل البصرة، قال: عن ثابت البناني، أبي محمد، رحمه الله عليه، كان رجلا عابدا. قال أنس: إن ثابتا من مفاتيح الخير للناس. وكان يقول بكر بن عبد الله المزني، وهو بالفضيلة ما هو، بكر بن عبد الله كان رجلا عالما عابدا، كان يقول رحمه الله: من أراد أن ينظر إلى العبادة لله عز وجل، فليُنظر إلى عبادة ثابت البناني، رحمه الله. وكان يقول ثابت رحمه الله: روضت نفسي على العبادة عشرين سنة حتى راضت، ثم عبدت الله عز وجل عشرين سنة على الترويض. جعله عشرين سنة كيف روض نفسه، يجربها، يروضها، أو يصبرها على العبادة حتى راضت وثبت، وصار بعد ذلك يعبد الله عز وجل على سعة صدر، معناه ما يجد شيئا من الضيق في العبادة، ما يجد شيئا من التكلف، بل صارت العبادة له سليقة. كما يقولون: فكان كما يقول بعضهم: ألان الله عز وجل له العبادة، كما ألان الحديد لداود، صارت العبادة عنده شيئا يمارسه، فصارت جزءا من حياته، لا يستطيع أن ينفك عنها. وهكذا كان السلف يروضون أنفسهم على العبادات، والمراد بالترويض أي الثبات على العبادة، معنى التدرج فيها حتى يثبت على شيء، ثم يصير بعد ذلك له مثل الشيء الذي اعتاده. فقال عن ثابت عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال حماد: هكذا وأمسك سليمان بطرف إبهامه على أنملة إصبعيه اليمنى، قال: فساخ الجبل وخر موسى صعقا. وكأنه قال هكذا، أن تجلى أراد أن يبين أي شيء التجلي، وليس أراد أن يصف الأمر، لأن الله عز وجل لا يستطيع أحد أن يصفه سبحانه وتعالى جل وعلا، لكن أراد أن يبين التجلي ما هو التجلي. فلهذا فهمها بعضهم على غير هذا الفهم، كما سيأتي في الرواية الأخرى، فأنكر عليه ثابت. وإنما أراد ثابت بهذا أن يبين كيف يكون التجلي. قال: فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، وهذا يدلك على إثبات السلف للصفات، وأنهم لا يتأولون على غير ما جاء في القرآن. قال: وأنسك سليمان، أي ابن حرب، بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى، قال: فساخ الجبل وخر موسى صعقا. قال: هذا حديث الحسن الصحيح، وأنه قريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة. قال: حدثنا عبد الوهاب الوراق البغدادي، قال: حدثنا معاذ بن معاذ عن حماد بن سلمة. وأنه حدثنا بهذا الحديث. وقد حدث بهذا الحديث جماعة من الأئمة الأثبات عن حماد بن سلمة. وغالبا إذا حدث هؤلاء الحفاظ، أي أصحاب حماد، اتفقوا على الحديث، فغالبا أنهم حفظوه. وأنه من حديث حماد المحفوظ، لأن هؤلاء منهم من أخذ من كتب حماد، كتب حماد الأجزاء، ليست المصنفات. وقد قلنا من قبل أن حمادا حول حديثه من الأجزاء إلى مصنفات، جعلها مثلا هذا في التوحيد، هذا كذا. فمن أخذ من الأجزاء فحديثه صحيح، ومن أخذ من المصنفات فحديثه في شيء. وكان هؤلاء إما معاذ وسليمان بن حرب ممن أخذ من أجزاء حماد بن سلمة. قال رحمه الله: فقال: قد أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، فقال: حدثنا أبو المثنى معاذ بن معاذ العنبري، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله جل وعلا ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: قال هكذا، يعني أنه خرج طرف الخنصر، الخنصر معناه الإصبع الصغير. قال أبي: أرانا معاذ عبد الله بن أحمد، يقول: قال أبي، أي أن أباه الإمام أحمد بن حنبل، يقول: أرانا معاذ، معاذ بن معاذ، لأن حماد بن سلمة أراهم ذلك. قال: فقال: أرانا معاذ، معنى كيف هذه الكيفية التي ذكرها حماد بن سلمة عن ثابت. وقد ذكرها ثابت كذلك، فيحكي حماد بن سلمة، فقال له حميد: أنا أنظر هنا من قد يخطئ هنا، من لم يعرف الرجال، لأن ظاهر الحديث هنا. قال أبي: أرانا معاذ، قال: فقال له حميد الطويل، معنى كأن حميد الطويل قال لمعاذ بن معاذ. وليس هذا المراد، لأن حميد أو معاذ بن معاذ لم يدرك حميد الطويل، فكيف سيقول له؟ لكن المراد أنه قال لثابت. فقال له حميد الطويل، أي قال الآن كلام من هذا؟ قال: كلام حميد بن سلمة. فقال له حميد طويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد؟ ليش تصف هذا الوصف؟ وليش تفعل هذا الفعل؟ قال: فضرب صدره ضربة شديدة، أي ثابت ضرب حميد. وحميد صهره، أنا ثابت زوج أخت حميد، ويعتبر شيخه، أخذ حديث أنس أكثرها من ثابت. فقال له حميد: أو قال: فضرب صدره ضربة شديدة، وقال: من أنت يا حميد؟ وما أنت يا حميد يحدثني به أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فتقول أنت ما تريد إليه؟ ومعنى ذلك أن ثابتا أخذ هذه الحركة من أنس، وأخذها أنس من النبي صلى الله عليه وسلم. وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين كيف يكون التجلي. وهذا يدل على إثبات هذه الصفة، معنى ذلك على ما جاءت، وهذا مذهب أهل السنة. ومسألة صفة التجلي هذه قد جاءت في حديث أبي سعيد وأبي هريرة، وغيرهما، الذي في الصحيحين في شفاعة. قال: فيتجلى الله عز وجل لهم، أي يوم القيامة، قال: فيعرفونه بصورته التي كان يعرفونها. فالتجلي صفة من صفات الله جل وعلا التي أثبتها أهل السنة، وزاغ عنها الأشاعرة ومن كان قبلهم من الجهمية والمعتزلة. وهذا الحديث قال بعض الجهمية، كمحمد بن الشجاع الثلجي، قال: إن حمادا أخطأ في هذا الحديث، وركب بعد ذلك قصة. وأن حمادا لما ذهب إلى عبادان، كان بعض أهل العبادان يدخلون الحديث على حماد بن سلمة. وقال: وأهل العبادان كانوا من المجسمة، كما يقولون. فكانوا يدخلون الحديث على حماد. فلما جاء حماد إلى البصرة، كان يحدث بحديث في الصفات خطأ، هكذا يقول محمد بن الشجاع الثلجي الجهمي. فلهذا أنكر عليه العلماء هذا الأمر، لأنه فيه طعن في حماد بن سلمة. وقد كان يريد هذا محمد بن الشجاع الثلجي. وأيضا مما فضحه الله به: أنه ذكر القصة هذه عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي. وإبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي لما مات حماد بن سلمة كان سنه ست سنوات. لما مات حماد بن سلمة كان سنه ست سنوات، ولد صغير، ابن ست سنوات، يفطن لمثل هذه القصص ما فطن لها، أو ما ذكرها أبوه، لو كانت هذه القصة حقيقية لذكرها أبو عبد الرحمن بن مهدي، أو لذكرها ابن مبارك، أو ذكرها غير من كان في ذلك الوقت وعاصر حماد بن سلمة. لكن أراد الله عز وجل أن يفضح هذا الجهم، فنسبها إلى إبراهيم. وإبراهيم كما قلنا كان صغيرا لما مات حماد بن سلمة، كان قد بلغ ست سنوات. فلهذا بين العلماء أن هذا الثلجي الكذاب كان يكذب صراحة. ولهذا حذر الإمام أحمد منه أشد التحذير. وكان لما ذكر له الواثق أو المتوكل، ذكر الإمام أحمد محمد بن الشجاع، قال: هذا لا يولى، بل هو جهمي. فكان يذكر مثل هذه الأشياء في حماد بن سلمة رحمه الله. ولهذا لما كثرت هذه الشائعات، كان يقول ابن مبارك، وعبد الرحمن بن مهدي: من تكلم في حماد بن سلمة، فاتهموه على الإسلام. أن هذه العبارة قالها عبد الرحمن بن مهدي. فكيف يأتي ولده الصغير ويقول بمثل هذه القصة التي فيها طعن في حماد بن سلمة رحمه الله عليه؟ فحماد إمام ثقة، ورجل من أهل السنة، يعرف مثل هذه الأمور، وهو من أثبت الناس في ثابت البناني بإجماع أهل الحديث، كما ذكر ذلك الإمام أحمد. فلهذا فالحديث صحيح، وفيه هذه الصفة. وإنما نفاه الجهمية لأنهم يرون أن مثل هذا تشبيه. هم يقولون: مثل هذا تشبيه. وكذلك قالوا في حديث أبي هريرة الذي رواه أبو داود وغيره، عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سميع البصير»، فأهوى إلى عينيه وبصره. أنا قال: آهكذا، أشار إلى سمعه وبصره. النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يبين أنها صفة لله عز وجل ثبتت، وليس المراد التشبيه كما يظنه أولئك. وفي هذا الحديث ليس المراد التشبيه كذلك، وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أن الله عز وجل تجلى للجبل، تجلى ربنا سبحانه وتعالى للجبل. لأن موسى عليه الصلاة والسلام طلب من ربه أن يراه، قال: لن تراني، ولم يقل: إني لا أراك. وإنما قال الله عز وجل: لن تراني، لأن الإنسان في ضعفه هذا في الدنيا لا يستطيع أن يتحمل رؤية الله جل وعلا. فلهذا قال: لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني. فلما تجلى ربه جل وعلا وعز سبحانه وتعالى، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، صار كثيبا من تراب. هذا الجبل الشامخ الكبير صار كثيبا مهيلا. لم يستطع فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، وخر موسى صعقا. فلما أفاق قال: سبحانك، تبت إليك، وإني أول المؤمنين. فلهذا ذكر العلماء أن تجلي الله عز وجل لهذا الجبل حقيقي، يثبت لله سبحانه وتعالى. والنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أراد أن يبين أن هذا التجلي حق، ليس أنه تجلى عام، بل تجلى خاص لهذا الجبل. وهذا الأمر لا يعرف، لأن الله عز وجل لا تعرف ذاته، فكيف يعرف صفاته؟ لكن تثبت لله عز وجل كما أثبتها لنفسه، وكما تليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فهذا شيء مما يقال في هذا الباب. أيضا كان السلف رحمهم الله ينهون عن مثل هذه الأشياء، أو خاصة الخوض في إثبات الصفات، لأن هذا زل فيه كثير من الناس. كذلك حصلت لعكرمة مثل هذا، لما حدث عن ابن عباس ببعض الصفات، انتفض بعض الناس. وكذلك أيضا حصلت لوكيع وغيره من السلف. فكانوا ينهون عن مثل هذا، أي عن الخوض في مثل هذه الأشياء، بل هذه ثابتة بالكتاب والسنة. والله تعالى أعلم.