كتاب الجنايات 9

الدرس في كتاب الجنايات 9، ألقاها

تعريف القسامة ومشروعيتها

القسامة هي الأيمان المكررة في دعوى القتيل المعصوم وتثبت بها الدية أو القصاص إذا لم تقتنن الدعوى ببينة أو إقرار، وقد ثبت مشروعيتها بحديث سهل بن أبي حثمة في الصحيحين. تشرع القسامة إذا وجد قتيل لا يعرف قاتله وتجرى على الجماعة التي ينحصر فيها إمكان قتله إذا توافرت الشروط.

حكم القسامة وشروطها

القسامة مشروعة لحفظ الدماء وعدم إهدارها ولها شروط معينة مثل وجود لوث واتهم القاتل، وأن يكون المدعى عليه مكلفا ومعينا. وقد أجاب أهل العلم عن الاعتراضات على مشروعيتها.

صفة القسامة وإجراءاتها

يتم في القسامة حلف المدعون خمسين يمينا على أن المتهم هو القاتل، ويوزع عدد الأيمان على الورثة حسب إرثهم. إذا امتنع المدعون عن الحلف أو لم يكملوا الخمسين يمينا، يحلف المدعى عليه خمسين يمينا إذا رضي المدعون بذلك.

ختام باب القسامة والانتقال إلى كتاب الحدود

إذا لم يكن هناك مال في بيت المال، لا تجب الدية لأن أولياء المقتول يمكنهم تحصيلها من الجاني. يختتم الشيخ هذا الباب ويعد بالانتقال إلى كتاب الحدود في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- الباب الثالث في القسامة، قال: وفيه مسائل. قال: مسألة الأولى: تعريفها، وحكمها، وحكمتها. قال: أولا: تعريفها. القسامة لغة: مصدر قولهم أقسم يقسم إقساما وقسامة، أي حلف حلفا، فالقسامة مأخوذة من القسم، وهي اليمين، لأنها عبارة عن أيمان كما سيأتي، يحلفها المدعي أو المدعى عليه. وشرعا: هي الأيمان المكررة في دعوى القتيل المعصوم، سواء كان من جهة أولياء المقتول، أو من جهة القاتل، أو أولياءه، الأيمان المكررة في دعوى القتيل المعصوم إذا قتل ولم يعرف، أو يرى، أو يشاهد قاتله، كما سيأتي. سميت بذلك؛ لأن الأيمان تقسم على أولياء القتيل، فيحلفون خمسين يمينا أن المدعى عليه قتل صاحبهم. صورتها: أن يوجد قتيل لا يعرف قاتله، فتجري القسامة على الجماعة التي ينحصر فيها إمكان قتله، وذلك إذا توافرت الشروط الآتي ذكرها: يوجد قتيل، إنسان قتل، ما يعرف من قتله، ما يعرف، ولم يشاهد من قتله، لكن يكون بين هذا المقتول وبين المكان الذي قتل فيه لوث، أي تهمة، يكون بينهما شيء من العداوة أو الشر، فيأتي أولياء القتيل فيقولون: نحن نتهم فلانا أنه هو الذي قتله، فيحلفون خمسين يمينا أن قاتله فلان، هذه هي القسامة. قال: ثانيا: مشروعيتها. وهي مشروعة، ويثبت بها القصاص أو الدية، إذا لم تقتنن الدعوى ببينة أو إقرار، ووجد اللوث، وهو العداوة الظاهرة بين القتيل والمتهم بقتله، كالقبائل التي يطلب بعضها بعضا بالثأر. وقيل: لا يختص بذلك، بل يتناول كل ما يغلب على الظن صحة الدعوى، وهذا هو الصحيح، كل ما يغلب على الظن صحة الدعوى، فإن يصح إذن دعوى القسامة. إذا وجد هذا القتيل مقتولا، سواء كانت التهمة ظاهرة كما ذكرنا، أو يكون بينه وبين الشخص شيء، أو سمع أنه يهدده فلان من الناس، يقول له: سأريك، أو سأنتقم منك، أو سأقتلك، أو شيء من هذا، ثم وجد مقتولا، هذه تهمة، هذه تهمة على هذا الذي اتهمه أو هدده بذلك، فهنا يشرع حينئذ القسامة. وإذا حلف أولياء المقتول خمسين يمينا أن قاتله فلان، ثبت بذلك القصاص، يأخذ هذا المدى عليه، ويقام عليه حد القصاص بتوفر الشروط كما سيأتي. وإن عفوا وطالبوا الدية، فلهم الدية، إذا عفوا عنه، وقالوا: نريد الدية، يعطون الدية. والدليل على مشروعيتها حديث سهل بن أبي حثمة، أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر، من جهد أصابهما جهد، يعني مشقة جوع، وخيبر كانت كثيرة التمر، كانت كثيرة النخل والتمر، فأتي محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل، وطرح في عين، أو فقير، الفقير: البئر الواسعة وتكون قريبة القعر، يعني فهمها واسع، لكن قعرها قريب، ليست بعميقة. وقيل: الحفيرة تكون حول النخل، بعض أصحاب النخل يحفرون حفرة، يعني تكون قريبة من النخل، ولتكون عميقة. فأتى يهود، فقال: أنتم والله قتلتموه. فقالوا: والله ما قتلناه، يعني هم اتهموا اليهود في قتله. فقالوا: لا، فلفوا ذلك. قالوا: ما قتلناه، ما نحن قتلناه. قالوا: الله ما قتلناه. ثم أقبل حتى أتى على قومه، فذكر لهم ذلك. ثم أقبل هو وأخوه حويصة، وهو أكبر من محيصة، وعبد الرحمن، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ يعني التحلفون خمسين يمينا، وتستحقون دم صاحبكم، يوخذ هذا المدى عليه، فيقام عليه حد القصاص. وفي رواية: تأتون بالبينة. قالوا: ما لنا بينة، يعني ما عندنا شهود يشهدون على هذا القتل. قال: فقال: أتحلفون؟ قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نره؟ قال: فتحلفوا لكم يهود، يعني إذا أنتم أبيتم أن تحلفوا، فيحلفون، يحلف المدى عليه. فقالوا: ليسوا بمسلمين، يعني ما نرضى أيمانهم. فوداه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من عنده، يعني من بيت المال، فبعث إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مئة ناقة، حتى أدخلت عليهم الدار. قال سهل: فلقد ركضتني منها ناقة حمراء. والحديث في الصحيحين. قال: فدل ذلك على مشروعية القسامة، وأن أصل من أصول الشرع مستقل بنفسه، هذا دليل مشروعية القسامة. هذه الواقعة حصلت في زمن النبي -عليه الصلاة والسلام- كما سمعنا، أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر، فقتل عبد الله بن سهل، وجده محيصة مقتولا، وقد وضعه في عين، أي بئر أو فقير، نحو البئر، وهو أصغر من البئر، كما سمعنا، تكون عمقها قصير. فجاء إلى اليهود وأخبرهم، واتهمهم بذلك، واليهود -يعني- معروفة عداوتهم للمسلمين، فاتهمهم بذلك أنهم الذين قتلوه. ثم جاء إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وأخبره بمقتله، فأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يأتوا بالبينة؛ لأنهم مدعون. قالوا: ما عندنا بينة. قال: إذن تحلفون وتستحقون دم صاحبكم. قالوا: يا رسول الله، لم نشهد ولم نر، يعني كيف نحلف وما رأينا وما شهدنا؟ قال: فإذن تحلف لكم يهود، أي هم المدعون، المدعى عليهم يحلفون لكم أنهم ما قتلوه. قالوا: يا رسول الله، ليسوا بمسلمين، يعني أنهم قد يتجرؤون على الحلف؛ لأنهم كفار، ونحن ما نقبل أيمانهم. فكيف يفعل الآن؟ لا المدعي وافق أن يحلف، ولا وافقوا على حلف المدعى عليهم، فحينئذ وداه النبي -صلى الله عليه وسلم- من بيت المال؛ حتى لا يذهب دمهم هدرا. قال: ثالثا: حكمتها. شرعت القسامة لصيانة الدماء وعدم إهدارها، فالشريعة الإسلامية تحرص أشد الحرص على حفظ الدماء وصيانتها وعدم إهدارها. ولما كان القتل يكثر، بينما تقل الشهادة عليه، أي على القتل؛ لأن القاتل يتحرى بالقتل مواضع الخلوات، أي الأماكن التي ليس فيها ناس، وهو يريد أن يقتل شخصا من الناس، فيستغل مثل هذه المواضع. قال: جعلت القسامة حفظا للدماء، أي حتى لا تذهب دماء الناس هدرا، أو يتجرأ كذلك من يتجرأ على قتل من يريد، فشرعت القسامة لأجل ذلك. فالقسامة مشروعة، ويدل عليها الحديث الثابت في الصحيحين. بعض أهل العلم قال بعدم مشروعية القسامة؛ لماذا؟ قالوا: لأنها تخالف باب الدعاوى في ثلاثة أشياء. الأمر الأول: أن الأصل في باب الدعاوى أن تكون اليمين في جانب المدعى عليه، وأما المدعي فيكون في جانبه البينة، البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وفي باب القسامة تكون اليمين في جانب المدعي. قالوا: هذا يخالف المعروف المقرر في باب الدعاوى. والأمر الثاني: أن في القسامة يقسم أولياء القتيل على شيء لم يشاهدوه ولم يروه، والأصل في باب الدعاوى أن تكون اليمين على رؤية أو مشاهدة شيء متيقن. والأمر الثالث: أن في القسامة يقسم أولياء القتيل خمسين يمينا، وفي باب الدعاوى يكتفى بيمين واحد، يكتفى بيمين واحد. وأجاب أهل العلم عن هذه الاعتراضات الثلاثة: أما القول بأن الأصل في باب الدعاوى أن تكون اليمين في جانب المدعى عليه، فهذا صحيح. ولماذا جعلت في جانب المدعى عليه؟ لأن جانبه أقوى، فالأصل عدم هذه الدعوى إذا لم يكن عند المدعى عليه بينة، فالأصل براءة المدعى عليه، فكانت اليمين في جانبه؛ لأنه أقوى. وهكذا في باب القسامة كانت الأيمان في جانب أولياء القتيل؛ لأن جانبهم أقوى، ومن كان جانبه أقوى في باب الدعاوى، فاليمين تكون في جانبه. وأما قولهم: بأنهم يحلفون على شيء لم يشاهدوه ولم يروه، فيقال: شرع ذلك لأجل حفظ الدماء، وكذلك أيضا يكون ذلك من باب غلبة الظن، وغلبة الظن معمول بها في الشرع. ومن ذلك مثلا قول الرجل الذي جامع أهله في نهار رمضان، لما أخبره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالكفارة، ولم يجد أو لم يكن عنده شيء، ولا يستطيع شيئا منها. ولما جاء للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالعرق الذي فيه التمر، قال: خذ هذا وتصدق به. قال: يا رسول الله، على أفقر مني، فما بين لابتيها -يعني حدود المدينة- أهل بيت أفقر من أهل بيتي. قال النبي -صلى الله عليه وسلم- وتبسم: خذوا فأطعموا أهلكم. الشاهد قوله: ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي، يعني هذا قاله على غلبة الظن، وإلا هل دخل كل بيت وعرف حالهم؟ الجواب: لا، لكن قاله على غلبة ظنه، فغلبة الظن يعمل بها. والأمر الثالث: وهي كونهم يحلفون خمسين يمينا ويكررون الأيمان، ويكتفى في باب الدعاوى بيمين واحدة، فهذا لأجل عظم هذا الأمر، وهو أمر الدماء. نبه على هذه الفائدة العلامة ابن عثيمين -رحمه الله- في كتابه "الزاد". قال: المسألة الثانية: شروط القسامة. قال: أولا: أن يكون هناك لوث، وقد سبق بيانه معناه، يعني يشترط في القسامة أن يكون بين المقتول وبين القاتل لوث، يعني اتهام، تهمة، يكون هناك تهمة وعداوة، فحينئذ تشرع القسامة، أما إذا لم يكن بينهما عداوة ولا تهمة، فلا تشرع. قال: ثانيا: أن يكون المدعى عليه مكلفا، فلا تصح الدعوى فيها على صغير، ولا مجنون، يعني من يتهم بالقتل لا بد أن يكون مكلف عاقلا بالغا؛ لماذا؟ أن القصاص لا يكون على الصغير والمجنون، فعمد الصغير خطأ كما مر معنا، والقسامة يثبت بها القصاص، والصغير والمجنون لا قصاص عليهما، إذا يشترط أن يكون المدعى عليه مكلفا؛ حتى يقام عليه حد القصاص. قال: ثالثا: يكون المدعي مكلفا أيضا، فلا تسمع دعوى صبي، ولا مجنون، يعني كذلك الذي يدعي أن فلانا قتل، لا بد يكون كذلك مكلف عاقل بالغ، ما يكون مجنونا أو يكون صبيا. قال: رابعا: أن يكون المدعى عليه معينا، فلا تقبل الدعوى على شخص مبهم، يعني ما يقولون: نحن نتهم شخصا واحد: من هو؟ ما نعين، ما يصح، لا بد يقولون: فلان، يعينون شخصا بعينه أنه هو القاتل؛ لماذا؟ لقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: فتحلفون خمسين يمينا على رجل منهم، فيوخذ برمته، حتى يقام عليه القصاص، يؤخذ شخص معين، يحلف عليه أنه هو القاتل، فيقام عليه حد القصاص. قال: خامسا: إمكان القتل من المدعى عليه، فإن لم يمكن منه القتل؛ لبعده عن مكان الحادث وقت وقوعه، ونحو ذلك، لم تسمع الدعوى، يعني لا بد كذلك أن يكون إمكان القتل واقعا من المدعى عليه. لو قالوا: نحن نتهم فلانا، وفلان هذا مسافر، مش موجود هنا، ما تقبل هذه الدعوى، لا تقبل هذه الدعوى، لكن إذا كان موجودا، فهنا تقبل. قال: سادسا: أن لا تتناقض دعوى المدعي، يعني لا يحصل فيها تناقض، مرة يقول: فلان، ومرة يقول: فلان، ومرة يقول: هذا، ومرة يقول: ذاك، فهنا لا تقبل. سابعا: أن تكون دعوى القسامة مفصلة موصوفة، فيقول المدعي: أن هذا قتل ولي فلان ابن فلان عمدا، أو شبه عمد، أو خطأ، ويصف القتل على حسب ما يغلب على ظنه. وإن كان هذا ما ذكر في الحديث: تحلفون على رجل منهم، فيوخذ برمته، لكن هذا من أجل ضبط الدعوى؛ حتى لا يحصل فيها شيء من التناقض أو التلاعب. قال: المسألة الثالثة: صفة القسامة. قال: إذا توافرت شروط القسامة، يبدأ بالمدعين، فيحلفون خمسين يمينا، توزع عليهم على قدر إرثهم من القتيل، أن فلانا هو الذي قتله، يعني أولياء المقتول من يرثه، مثل ورثته، إثنان، خلاص كل واحد منهم من الإثنين يحلف خمسة وعشرين يمينا أن قاتله فلان. طيب الورثة عشرة، كل واحد يحلف كم؟ خمسة أيمان، كل واحد يحلف خمسة أيمان أن قاتله فلان، وهكذا على حسب الورثة. قال: ويكون ذلك بحضور المدعى عليه، يعني المتهم بهذه الدعوى، أو بالقتل، يكون موجودا؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث ابن أبي حثمة الماضي: أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم؟ فإن أبى الورثة أن يحلفوا، أو امتنع من تكميل الخمسين يمينا، فإنه يحلف المدعى عليه خمسين يمينا، إذا رضي المدعون بأيمانه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتقدم: فتحلف لكم يهود. طيب الآن: الأولياء القتيل قالوا: نحن ما نحلف، نحن ما نحلف، ما رأينا، ولا شهدنا، نحن ما سنحلف، نحن ندعي أن فلانا قتل، نقول: فلان الذي قتل، لكن ما سنحلف. إذا أبوا أن يحلفوا، أو حلف بعضهم وأبى الباقون أن يحلفوا، حلف مثلا خمسة وعشرون يمينا، وأبوا أن يكملوا بقية الخمسين، فهنا تنتقل اليمين إلى المدعى عليه، أي المتهم بالقتل، فيقال: احلف خمسين يمينا أنك ما قتلت. فإذا رضوا بأيمانه، وحلف، بريء. وإن لم يرضوا، قالوا: لا، نحن ما نرضى بأيمانه، ما نرضى بأيمانه، فهنا يتولى أمر الدية ولي الأمر، يفدي ولي الأمر هذا القتيل من بيت المال، فيعطي أولياء هذا المقتول الدية. قال: فقالوا: ليسوا بمسلمين، ولم يرضوا بأيمانهم، يعني أولياء القتيل. قال: فإذا حلف بريء، يعني إذا حلف المدعى عليه بريء من هذه التهمة. إذا حلف خمسين يمينا أنه ما قتل، بريء. وانظروا كيف جعلت الأيمان خمسين يمينا؛ لعظم الأمر، لعظم الأمر، يعني لو حلف خمسين يمينا وهو كاذب، هو كاذب فيها، لا شك أن هذا يعظم الإثم ويزيد في إثمه. قال: فإذا حلف بريء. وإن لم يرض المدعون بتحليف المدعى عليه، فدى الإمام القتيل بالدية من بيت المال، يعني إذا رفض المدعى عليه أن يحلف، أو أراد أن يحلف ورفض المدعي أيمان المدعى عليه، حينئذ يفدي ولي الأمر المقتول من بيت المال، ويدفع الدية إلى أولياء المقتول. قال: كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما فدى القتيل من بيت المال، عندما امتنع الأنصار من قبول أيمان اليهود؛ لأنه لم يبق سبيل لإثبات الدم على المدعى عليه، فوجب الغرم من بيت المال؛ لأن لا يضيع دم المعصوم هدرا. طيب: إذا رضي المدعون بأيمان المدعى عليه، لكنه أبى أن يحلف، إذا أبى أن يحلف المدعى عليه، المدعون رغبوا: نرضى بيمين المدعى عليه، فقال: لا، أنا ما أحلف، هنا تجب عليه الدية، تجب عليه الدية. إذن: الأصل في القسامة تكون اليمين في جانب المدعي، وهم أولياء المقتول، إن حلفوا خمسين يمينا، أخذ المتهم الذي توفرت في القسامة شروطها، يؤخذ، فيقتل، يقام عليه حد القصاص، أو إن عفوا وطلبوا الدية، فيعطون الدية. فإن أبوا أن يحلفوا، قيل للمدعى عليه: احلف، فإن رضوا المدعون بيمين المدعى عليه، وحلف، برئ. وإن لم يرضوا، فدي المقتول من بيت المال. وإن رضوا، وأبى المدعى عليه أن يحلف، وجبت عليه الدية. قال: ومن قتل في الزحام، فإنه تدفع ديته من بيت المال؛ لما روى عن علي -رضي الله عنه- أنه قال لعمر -رضي الله عنه- في رجل قتل في زحام الناس بعرفة: يا أمير المؤمنين، لا يطل دم امرئ مسلم -يعني لا يهدر- إن علمت قاتله، وإلا فأعط ديته من بيت المال. وهذا الأثر أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"، ومن أبي شيبة في "مصنفه". وهذا حتى لا تذهب دماء الناس هدرا، إذا قتل في الزحام، وفي الغالب في الزحام لا يدرى من قاتله، ولا يتعمد الناس قتله، قد يحصل على سبيل الخطأ، ولا يدرى من القاتل، فالأجل لا تذهب دمه هدرا، فإن ديته تدفع من بيت المال إلى أولياء هذا المقتول. قال علي -رضي الله عنه- لعمر: يا أمير المؤمنين، لا يطل دم امرئ مسلم، أي لا يهدر، ما إذا هدر؛ لأن دم المسلم ثمين، ودمه عظيم، ولو حرم عظيمة، إن علمت قاتله، فيأخذ القاتل، فإما أن يقتل إذا طالب أولياء المقتول بالقصاص، أو يدفع الدية إذا عفوا عن القصاص. وإلا -أي إن لم يعلم- قال: فأعط ديته من بيت المال، يتحمل بيت المال دية هذا المقتول. فإن لم يكن في بيت المال مال، حينئذ لا تجب، لا تجب شيء؛ لأنه موجود ما يدفع لأولياء المقتول. وبهذا انتهينا من هذا الباب: القسامة. وبعده -إن شاء الله- كتاب الحدود. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على